شريط لاصق – أميرة السمني

شريط لاصق – أميرة السمني

يقول الكاتب الأمريكي الحائز على جائزة نوبل للأدب أرنست همنجواى “كلنا مكسورون، هكذا ينفذ الضوء إلى أعماقنا”. تستوقفني مقولته وتذكرني بقصة قصيرة كتبتها رضوى عاشور فى كتابها “تقارير السيدة راء”.

قرأت تقارير السيدة منذ أعوام وأحببتها كلها، إلا أن تقريرها الثاني له فى قلبي معزة خاصة، وكثيرًا ما يمر بخاطرى فأبحث عن الكتاب وأعاود قراءته حتى كدت أحفظه عن ظهر قلب. التقرير بعنوان “تقرير السيدة راء عن الشهر الأخير فى السنة”. يحكى التقرير عن حادثة وقعت فى ليلة 16 ديسمبر 1998 وبطلة الحادثة هي السيدة راء التى كانت تشاهد نشرة الأخبار مع صديقتها السيدة لام، وما أن سمعت الخبر الأول حتي اتجهت إلى الشرفة وألقت بنفسها منها. تفاجأت السيدة لام مما فعلته صديقتها فهبت إلى نجدتها بشراء شرائط لحام لاصقة ضمدت بها كل كسورها.

مرت الحادثة بسلام بفضل الصديقة، ولكن لم تمض أيام حتى وقعت السيدة راء فى ورطة أخرى، فقد تحللت الشرائط اللاصقة المحيطة بخصرها وهى تستحم، ولم تستطع أن تحرك جسدها المنفصل إلى جزأين.

تنهى رضوى عاشور التقرير بدرس مستفاد:

“كيف خرجت راء من مأزقها؟ من أتى لها بشريط لاصق؟ كم من الوقت قضت فى الحمام تنتظر الفرج؟ لا داعى للخوض فى هذه التفاصيل مادامت العبرة بالنهايات. المهم أن راء خرجت من المأزق بسلام، بل وغنمت درسًا مستفادًا استقر فى رأسها، ويمكننا تلخيص هذا الدرس فى ضرورة الحرص على اقتناء مخزون كاف من الأشرطة اللاصقة، فما أن يتحلل شريط منها حتى يستبدل به سواه. اكتسبت راء خبرة فى تثبيت الأجزاء المفككة من جسدها. تثبتها بدقة ومهارة. تخرج إلى الشارع. تذهب إلى الوظيفة. تخالط الناس. يبدو كل شئ على ما يرام.”

ليتنا أبطال حكايا لا بشر فلا يلزم كسورنا إلا عدة شرائط لاصقة. أن تكون إنسانًا يعنى أنك قابل للكسر، ربما يكسرنا رحيل عزيز، وربما إنكسار حلم، وربما، وربما .. الإحتمالات لا نهائية والحياة تكسرنا بشتى الطرق. غير أن للحياة وجهان، أحدهما قاس، والآخر رحيم. تكسرنا بقسوتها، ثم تكافئنا برحمتها وتمنحنا ذلك الضوء فى أعماقنا، قد يصبح ضوءك رحمة بقلبك، أو فهم بعقلك، أو نضج بشخصك، وربما سيزيدك ذلك الضوء إنسانية، فتزداد مع إنسانيتك إحتمالات كسرك مجددًا. وهكذا نحيا نحن البشر بين وجهي الحياة، نأمل أن تذيقنا رحمتها وتجنبنا قسوتها.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك