الأرض تدور أم لا تدور ..حوار مع طه حسين !

الأرض تدور أم لا تدور .. حوار مع طه حسين ! – سامح عبد الله

كتب د طه حسين وتحديداً في 27 أبريل سنة 1923 وكان وقتها في باريس في مؤلفه الذى حمل عنوان “من بعيد” وهو يحتوي على عدة فصول متفرقة لا يكاد يجمع بينها كما يقول إلا أنها كٌتبت من بعيد في المكان وكُتبت من بعيد في الزمان أيضاً ومن بين ما كتبه فيها ما يمكن أن نعده مقال بعنوان “شك ويقين “
ويدور هذا المقال حول ما كان مثارا في تلك الآونة عن دوران أو عدم دوران الأرض.

والأمر هنا لا يتعلق بمجرد حقيقية علمية كما كان ينظر لها العالم لكنه يتعلق أيضاً بالنسبة لنا بحقيقة إيمانية تتجلى في أن عدد من علماء الدين يقولون أن القرآن قد أشار إليها ومن بينهم شيخ أزهري جليل يدعى”الشيخ محمد بخيت” قد بذل مجهوداً مضنياً ليثبت أن الإسلام دين العلم وأن القرآن الكريم لا يناقض بلفظه ولا بمعناه أصلاً من أصول العلم الحديث وقد استنبط الشيخ الأزهري من القرآن الكريم كروية الأرض وحركتها حول الشمس وحول نفسها واختلاف الفصول واختلاف الليل والنهار.
ويقول د طه حسين تعليقاً على ما بذله الشيخ ..” فأعجبت بهذا الجهد العنيف الذي لا مصدر له إلا البر والتقوى”

وكان وقتها وفي تلك الحقبة الزمنية أستاذ فرنسي يدعى “نورمان” Norlmann تخصص في علم الفلك قد ألف كتاباً سماه “مملكة السماوات” يحتوي على فصل يثبت فيه بطريقة علمية قاطعة أن من المستحيل أن الأرض تدور ولعل كان هذا هو سبب دفاع الشيخ الأزهري عن دوران الأرض الذي جاء كرأى مقابل لرأى هذا العالم الفرنسي.

ويضيف د طه حسين تعقيباً على ذلك أنه لو صح ما ذهب إليه الأستاذ “نورمان” وأقره العلماء وأصبح الإجماع منعقداً على أن الأرض لا تدور كما كان منعقداً على ذلك منذ قرون وحين أُنزل القرآن الكريم فأين يذهب هذا الجهد المضني الذي بذله الشيخ وغيره ليثبتوا أن القرآن الكريم يدل على أن الأرض تدور ؟
وهل يبذل الشيخ وغيره جهداً عنيفاً ليثبتوا أن القرآن يدل على أن الأرض لا تدور ؟
وإذن كيف نستطيع أن نفهم دلالة القرآن على أن الأرض تدور وعلى أن الأرض لا تدور ؟! يقول د طه حسين متسائلاً.

والقضية التى نتحدث عنها في الحقيقة والتي أثارت عندي رغبة الكتابة فى هذا الأمر ليست هى دوران الأرض أو عدمه وليس هو هذا الجدل الذي انشعل منذ العصور الوسطى بين العلماء ورجال الدين بشأن هذا.
القضية كما يشير إليها د طه حسين هى مفالاتنا سواء فى الشك أو في اليقين و هي أيضاً من وجهة نظري إقحام الدين في كل شيء حتى العلم الدنيوي المتغير والغير ثابت بطبيعته.
يقول د طه حسين حرفياً ” أليس من الخير أن ألا نغلو في الشك ولا نغلو في اليقين ؟ أليس من الخير أن نكتفي بالترجيح ؟ ثم أليس من الخير ألا نحمل نصوص القرآن وغير القرآن من الكتب الدينية أوزار الشك وأوزار اليقين وهذه النتائج الكثيرة المضطربة المتناقضة والتي تنشأ عن أمزجتنا المختلفة المضطربة المتناقضة!..ويواصل..أليس من الخير أن نجعل القرآن الكريم وغيره من الكتب الدينية في حصن مقدس منيع !..
اللهم اني أعتقد أن الأرض قد تدور وقد لا تدور،وأنها قد تكون كرة أو سطحاً أو كمثرى وأن الزمان قد يوجد وقد لا يوجد،وأن المكان قد يوجد وقد لا يوجد وأن “نيوتن” قد يصيب وقد يخطئ ،وأن “انشتين”قد يحق وقد يبطل.
كل هذا ممكن ولكن هناك شيئاً لا أحب أن يحتمل أوزار هذا الامكان وهذا التناقض وهذا التردد ،وهو القرآن وغير القرآن من الكتب الدينية.
انا لنحسن الاحسان كله اذا رفعنا الدين ونصوصه عن اضطراب العلم وتناقضه فماذا يرى العلماء” ؟

هذا الأديب والمفكر والفيلسوف يطرح منذ بداية القرن الماضي قضية نخشى أن نقترب منها اليوم ومن يتصدى لها ربما يُنعت بالهرطقة كما كان سائداً في عصور الظلام الأوربية.
إن التاريخ الذي أثار فيه د طه حسين هذا القضية ورأيه بأن نترك الكتب المقدسة لقدسيتها ليس دليلاً فقط على أن فكْره قد سبق الزمن ،بل دليلاً على أننا نعيش أحياناً خارج إطار الزمن…أى زمن!..
#نحو_فكر_مستنير

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك