معلومات ربما تعرفها لأول مرة عن “الفاشية” !

معلومات ربما تعرفها لأول مرة عن “الفاشية” !

في لقطة كوميدية بامتياز، في أحد مشاهد فيلم «الثلاثة يشتغلونها»، تخاطب بطلة الفيلم «ياسمين عبد العزيز» وهي الطالبة الساذجة المنضمة حديثا إلى إحدى الحركات السياسية،تخاطب رفيقات الزنزانة الكادحاتِ وهي تصرُخ: «انتوا ضحية مجتمع فاشي»، تسألها إحداهن في براءة :«يعني إيه فاشي؟»، تصمت قليلًا،تبحث عن إجابة مناسبة، ثم تعترف بأنها لا تعرف معنى تلك الكلمة، قبل أن تواصل حديثها الثوري المتحمس.

hqdefault

رغم كوميدية المشهد والفيلم عموما، إلا أننا يمكن أن نعتبر تلك اللقطة معبرة تماما عن جهل معظم الناس بمعني كلمة «فاشي»، رغم شيوع استخدامها في الفضاء السياسي والثقافي كنوع من السباب أو كأداة خطابية فعالة للهجوم على الخصم.

سنحاول خلال السطور القادمة التعرف على مدلول مصطلح «الفاشية»، فضلا عن سرد ثلاثة من أبرز التجارب الفاشية التي شهدها القرن العشرون.


معنى مصطلح «الفاشية

استخدم الزعيم الإيطالي «موسيليني» مصطلح «الفاشية» عام 1919م لأول مرة للتعبير عن حركته السياسية، التي جمعت بين التعصب القومي، والعداء لكل من اليسار واليمين المحافظ، ولا يمكن القول إن هناك اتفاقا أكاديميا على تعريف الفاشية، التي تحولت إلى مصطلح دارج للإساءة على اختلاف أشكالها، بل إن النماذج والممارسات الفاشية قد تعددت منذ فترة ما بين الحربين العالميتين، بحيث يصح الادعاء أن كلا منها كان لها تفردها الخاص، وهذا لا يتعارض مع الإقرار بوجود عموميات تتيح وضع كل هذه النماذج تحت مسمى جامع: «الفاشية».

جوهر الفاشية هو «الولاء للأمة»، هذا الولاء الذي يجب أن يعلو على كل مصادر الولاء الأخرى، فلا الطبقة هي الأساس كما هو حال الشيوعية، ولا النوع كما في الحركة النسائية، ولا الإنسان الفرد كما هو حال الليبرالية الفردانية، هذا الولاء للأمة -بعد تعيينها عرقيا أو ثقافيا أو تاريخيا-، غالبا ما كان مصحوبا بالتعصب القومي، والعداء للأجانب، وحتى الوحشية تجاههم.

وصفها البعض بأنها شكل من أشكال «القومية الشمولية»، حيث يقود الأمةَ حزب شعبي واحد، يقوده رجلٌ واحدٌ، يفتك بخصوم النظام الحقيقيين والوهميين على السواء،وبكل قسوة، مع سيطرة مركزية على الاقتصاد، وسيطرة شبه احتكارية على السلاح ووسائل الإعلام، تعتبر الفاشية الأمة مستنفَرة دوما، مدعوة للدفاع عن مجدها أو استعادته، تخاطب العاطفة وتتجنب العقل.


النازية الألمانية والصعود إلى الهاوية

يمكن القولُ إن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية قد وضعت بذورَ صعود الفاشية الألمانية ممثلة بـ «حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني» الشهير بالحزب النازي بزعامة «هتلر»، أدى خروج ألمانيا كطرفٍ مهزومٍ إلى تحميلها كلَّ الخطايا تقريبًا، فأُجبرت على الاعتراف بالمسؤولية عن اندلاعِ الحرب، والتزمت بدفع تعويضات للحلفاء عن خسائرهم، فضلا عن اقتطاعِ أجزاءٍ عديدة من الأراضي الألمانية لصالح الجيران.

وفضلا عما تسببت به هذه الإجراءات من جرح «الكبرياء الوطني» لدي الألمان، فقد أدى إنهاك الاقتصاد الألماني بفعل العقوبات والتعويضات إلى تقويض الازدهار المؤقت الذي تمتعت به الديمقراطية الألمانية الناشئة، أدت الأزمة الاقتصادية التي عرفت باسم «الكساد العظيم» عام 1929م، إلى خسارة الألمان نحو 6 مليون فرصة عمل، ما تسبب في هزات اجتماعية واقتصادية كبري، صارت ألمانيا حينئذ أقرب إلى دولة «فاشلة»،حينئذٍ كان على أحدهم أن يملأ الفراغ، ولم يكن هتلر بالرجل الذي يفوت فرصة كهذه.

على إثر محاولة انقلاب فاشلة في 1923م، كان على هتلر أن يقضي شهورا في سجن لاندسبرج، كانت محاكمته مناسبة للجهر بأفكاره ومشاعره القومية، وحين خرج من السجن بعد شهور، كانت أفكارُه القومية العنصرية المعادية للسامية والمناهضة للأجانب أكثرَ صلابةً، صعد النازيون في المجال النازي بسرعة الصاروخ، حل الحزب في المركز الثاني في انتخابات 1930م، وتضاعفت مقاعدهم في انتخابات 1932م، ومع حلول العام 1933م كان هتلر قد أصبح مستشارا لألمانيا، وبدأ في تنفيذ مشروعه النازي الفاشي بحماس وتفانِ.

جعل النازيون من فكرة تفوق «العرق الآري» مبدأ موجها لسيادتِهم الداخلية والخارجية، ولعلّ انتشار هذا الخطاب هو انعكاس للإحباط القومي الناتج عن الحرب كما ذكرنا سابقًا، كان الألماني يريد أن يستعيد شعوره بالفخر لكونه ألمانيًا، وبالإضافة للخصائص الفاشية للنظام النازي، كتحكّم الحزب، وتسيير كل شئ باسم الولاء الشخصي للزعيم هتلر، بدأ العمل الدؤوب لإعادة مجد الأمة الضائع، تم تشجيع السكان على الزواج والإنجاب بهدف زيادة عدد السكان الأصحاء الذين سيصبحون جنودَ المستقبل، واتخذت إجراءات تعقيم «غير الصالحين» بهدف تحسين نوعية النسل، كما أخذت مشاريع الأشغال العامة بعدا عسكريا، كان مشروع استنفار الأمة الألمانية لحرب عظيمة يجري على قدم وساق.

جرى تقديس فكرة «القوة» واحتقار الضعف والعجز، فالذكورُ مكانهم الجيش أو العمل، والإناثُ مكانهن المنزل كربَّات للبيوت، جرى احتقار المجالات العلمية والأكاديمية لصالح التركيز على تنمية القوة البدنية والتمرينات الرياضية، كانت الأيديولوجية النازية ببساطة تدفع النفوس دفعًا إلى الحرب، في الداخل كما في الخارج، كان على النازيين إذا أن يصنعوا عدوا داخليًا ليواجهوه ،وكان اليهودُ هم ذلك العدو، جرت شيطنتُهم، وسُنّت قوانين تجبرُهم على ارتداءِ أزياء مميزة، فُصلوا من الوظائف الحكومية، وتعرّضوا لموجات عنف متتالية كما في ليلة الكريستال «ليلة الزجاج المكسور»، ولاحقا سيقوا -مع السوفييت وغيرهم- إلى معسكرات اعتقال قُضي فيها على أعداد كبيرة منهم، اشتهرت هذه الجرائم لاحقا باسم «الهولوكوست».

بحث النازيون عن توحيد العرقيات الألمانية تحت راية واحدة، كانت هذه هي الحجة الألمانية الأولية للتوسع، مع خطاب إعلامي يروج لضرورة استعادة ألمانيا أراضيها السابقة التي اقتطعتها معاهدة فيرساي، تأخذُ الفاشية النازية منحنى امبراطوريا بشكل أكثر وضوحا، دخلت قوات الرايخ النمسا ثم تشيكوسلوفاكيا، واندلعت الحرب العالمية على إثر اجتياح بولندا، احتلّ النازيون فرنسا وأجزاءً من الاتحاد السوفيتي، بلغت الأمة «المستنفرة» حدودا من التوسع لا تتحملها، كانت القوات الألمانية تقاتل على أربع جبهات، وفيما صار الحلفاء على أبواب برلين، شرقًا وغربًا، قرر هتلر الانتحار، خسرت الفاشية معركتها الكبرى بشكل ملحمي تمامًا.


موسيليني: أحيا الامبراطورية فأُعدِم على مشانقها

أريد أن أجعل الالتزام الوطني كلمة ذات معنى .. «الفاشيون» يتسلحون بإحساس الطاعة الطاغي

الزعيم الإيطالي الفاشي «بينيتو موسيليني»

يصف موسيليني بالكلمات السابقة جماعته حديثة التكوين والتي أطلق عليها اسم «الفاشية»، المصطلح الذي انتشر لاحقا ليوصف به كل قبيح في عالم السياسة، كانالرجل مشاغبا منذ صباه، مُنع من دخول كنيسة أمه لسوء سلوكِه ورميه رواد الكنيسة بالحجارة، وطُرد من المدرسة التي عمل بها لفترة قصيرة بسبب علاقاتٍ مشبوهة مع إحدي السيدات، وحينَ أسس جماعتَه المتشددة في ميلانو لم يقنعه أنها استطاعت إيصاله إلي البرلمان عام 1921م، بل شكل فرقا مسلحة من المحاربين القدامي ليرهب بها خصومَه السياسيين، بما فيهم الاشتراكيين الذين انتمى إليهم يوما.

لم يمتلك موسيليني أغلبية لتشكيل الحكومة، لكنه رآها رغم ذلك حقًا له ولجماعته، فأعلن أنه «إما أن تعطي لنا الحكومة حقنا، أو سنأخذه بالمسير إلي روما»، وسرعان ما نفذ وعيدَه لخصومه ووعدَه لأنصاره الذين تقاطَرت حشودُهم إلى روما بالحافلات والقطارات، وأمام الضغط والخوف والتهديد، نُصّب الدوتشي موسيليني  رئيسًا للحكومة.

نَصّبَ الرجل نفسه قائداً أوحد، ألغى الأحزاب، وحلّ النقابات، وأعلن أن «الدولة ستسيطر على الروح لا المادة»  فأنشأ وزارةً للإعلام تتحكم في كل شاردة وورادة، كما أطاح بمنافسيه داخل الحزب الفاشي نفسه،أسس موسيليني مملكته الجديدة بالحديد والنار، كما طمح إلى ذلك دوما.

راودته الأحلامُ الإمبراطورية، فأعلنَ أنه بصددِ إعادة أمجاد روما القديمة، فوجّه أنظارَه إلى شرقِ إفريقيا لتكون عوناً لَه، فاحتلّ إثيوبيا، ثم تحالف مع هتلر في الحرب العالمية الثانية، غير أنه لم يحقق انتصاراتٍ كبيرة.

وفيما كانت الحرب تقترب من نهايتها، كان نجم «الدوتشي» الساطع قد أخذ في الأفول، وكانت إيطاليا الفاشية تلفِظُ أنفاسَها الأخيرة، انتهز الإيطاليون الفرصة فثاروا على طاغيتِهم ومعبودِهم القديم، وتمّ إعدامُه فى شهر 28 إبريل/نيسان 1945م برفقة عشيقته كلارا ومعاونيه، مقلوبين من أرجلهم في محطة للبنزين في مدينة ميلانو الإيطالية، كانت تلك هي طريقة الإعدام التي كان يُشنق بها الخونة في روما القديمة،التي حاول موسوليني يوما إعادة أمجادها.


 فرانكو: الفاشية الإسبانية التي طواها الموت

حينما بلغ عمر «فرانسيسكو فرانكو» 33 عاما، كان أصغر من يحملُ رتبةَ «جنرال» في أوروبا كلها، نظر الرجل -وهو الكاثوليكي المحافظ- بعين الريبة إلى الإطاحة بالملكية وإقامة الجمهورية الثانية ربيع عام 1931م، ومع فوز اليساريين بالانتخابات عام 1936م قرر فرانكو أن الوقت قد حان لتدبير انقلاب يعيدُ الأمورَ إلى نصابها، لم ينجح التمرد في حسم الأمور سريعا مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939م)، تلقى فرانكو -المتحالف مع الملكيين فيما عرف بتحالف القوميين- المؤازرةَ  من متطوعين فاشيين ألمانيين وإيطاليين، ومن نظامي هتلر وموسوليني، فيما تلقى الجمهوريون دعمًا أقل  من فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي، وفي أبريل/نيسان 1939م أعلن الراديو الوطني الإسباني نهايةَ الحرب بسقوطِ آخر قلاع الجمهوريين.

بعد أيام قليلة من إعلان انتهاء الحرب، سيّر فرانكو عرضا عسكريا مهيبا في شوارع مدريد المُدمرة، وتعالت الهتافات والرموز الفاشية  والقومية المتطرفة، بُني نظامفرانكو على تمجيد الفرد-الحاكم المطلق، ونُظّمت هيكلية الحكم على نمطِ الحزب الواحد الذي يُمنع كلُّ أشكال التنظيم السياسي والنقابي خارج إطاره، وهو حزب الكتائب الإسبانية -سُمّي الحزب الواحد لاحقا «الحركة القومية»-  وهو حزب يميني قومي، يتبع المنطق الفاشي في منظوره للتنظيم الاجتماعي: منظمات شعبية للشباب والنساء؛ نقابات «عمودية» يجتمع فيها أرباب العمل مع العمال، الجيش كعماد لوحدة البلاد، والكنيسة الكاثوليكية كسلطة أخلاقية، ومشرفة على  التعليم.

وقرر فرانكو  أن نظام الحكم في إسبانيا ديمقراطي، لكنه اعتبره «ديمقراطي عضوي»، ببرلمان استشاري بلا وظيفة تشريعية، كما فُرضت بالطبع قيود صارمة على الصحافة والفن.

الحقّ أنه لا يُنظر إلى نموذج فرانكو كنموذج فاشي كامل، إذ  لم يكن التعصب القوميقويا  في إسبانيا  كما هو الحال في نظامي الفوهلر والدوتشيه مثلا ، خاصة أنها دولة متعددة الأعراق -قشتاليين وكتالونيين وباسكيين- كما أن التحالف الحاكم قد ضم شرائح من غير الفاشيين كالملكيين والمحافظين وهو ما خفف من حدة الصورة الفاشية للنظام.

قويت شوكة الكنيسة والحكومة والجيش بمرور الوقت، أضف إلي ذلك الوضع الإقليمي والدولي الذي اضطر فرانكو إلى التصالح مع الغرب -بعد هزيمة حليفيه في الحرب- وهو ما أدى في النهاية إلى انفتاح اقتصادي لعب دورا في تكون طبقات أكثر انفتاحا،تلك الطبقات التي  لعبت دورا في تحول إسبانيا تدريجيا إلي الديمقراطية بعد وفاة فرانكو عام 1975م.

لم تحدث إسبانيا حتى الآن قطيعة كاملة مع إرث فرانكو، وظل كثير من رجاله في مواقعهم حتى سن التقاعد،لكن الفاشية انتهت على كل حال.

لم تنته الفاشية في إسبانيا بسبب «الحتمية البيولوجية» -بموت فرانكو- فقط، بل بسبب «الحتمية السياسية» التي لم تكن تسمح باستمرار حالة كهذه لمدة أطول. في إسبانيا فرانكو، كما في إيطاليا موسيليني وألمانيا هتلر،  انهزمت الفاشية  في النهاية، لكن -للأسف-  بعدما دفع الجميع أثمانا باهظة للغاية.

المصدر

هذا المقال لا يعبر عن رأي المكتبة العامة، ولكن يعبر عن رأي كاتبه فقط

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك