علاقة الآباء بالأبناء.. ما بين التضحية والتملك! – بقلم: محمد عادل

لطالما كانت علاقة الآباء بالأبناء, علاقة معقدة ومركبة من عواطف ومفاهيم كثيرة, بعضها صالح ويساعد على اقامة علاقة صحية وسوية تكفل السعادة للجميع, اى للاباء والابناء, وبعضها الاخر فاسد وغير سوى, ويقود الى نتائج سيئة والى علاقة غير صحية ومليئة بالتوترات, بين الاباء والابناء, ولهذا, ففى هذا المقال, نحاول ان نرى ما مدى خطورة هذين المفهمومين على علاقة الاباء بابنائهم, وكيف ان هذين المفهمومين, الا وهما “التضحية” و”التملك”, يفسدان العلاقة بين الاباء والابناء, ويقودان الى نهايات غير سعيدة, وعلاقات مشحونة متوترة, بين الاباء والابناء, وبدون اطالة, لنرى معا فى هذا المقال تأثير هذين المفهومين.
1- مفهموم التضحية:
يتكون عند الاباء, بشكل شعورى او لاشعورى, وربما بتأثير من ثقافة المجتمع, يتكون عندهم مفهموم “التضحية”, اى ان الاب و الام يجب ان “يفنيا” حياتهما من اجل “سعادة” ابنائهما, وان يضعا ابنائهما وحاجاتهم ورغباتهم ومتعهم, دائما فى المقام الاول السابق على احتاجاتهما ورغباتهما ومتعهما هما, بل ان “يتوقف” وجودهما بشكل ما, ويتوقفان عن “العيش” والاستمتاع بالحياة, بشكل ما, بمجرد ان ينجبا اطفالا!
وان تكون كل وجل رغباتهما وغايتهما وهدفهما فى الحياة هو “اسعاد” وتحقيق “امنيات” و”احلام” ابنائهما! وكإنهما منذ لحظة انجابهما, قد سلما “الشعلة” للابنائهما, وكل ما تبقى لهما من “دور” فى الحياة هو الحرص على ان يتسلم ابنائهما تلك “الشعلة” وينتهى “دورهما” عند تسلم ابنائهما لها, او ان يحرصا على ان يعبر ابنائهما الى “بر الامان”, ويصبح كل شاغلهما ان يحرصا على “عبور” ابنائهما الى ذلك “البر”, وينتهى دورهما عندما يريان ابنائهما قد “عبروا” الى ذلك “البر الامن”, بل يفضل ان يتعجلا انتهاء حياتهما بعد ذلك, التى لم تعد لها نفعا او “دورا”, ولكى لا يصحبان “عبئا” على ابنائهما!
ويمكننا ان نشعر بما قد يحمله مثل هذا المفهموم عن الابوة والامومة من نتائج وخيمة, التى ستتضح عند الحديث عن المفهموم الثانى.
2- مفهموم التملك:
ويمكننا ان نرى فى مفهموم “التملك”, النتيجة المترتبة على مفهموم “التضحية”, فحين يشعرالابوان بان هدفهما وغايتهما القصوى فى الحياة هى “ابنائهما”, وان كل حياتهما وجهودهما سوف تكون فى سبيل الابناء, وانهما يجب ان “يفنيا” انفسهما من اجل ابنائهما, اعتقد حينها انهما يشعران ولو بشكل لا شعورى باحساس “ما المقابل؟!”, اى ما المقابل الذى سوف افنى للاجله حياتى واضحى بكل جهودى من اجله؟, فيتكون حينها مفهموم “التملك”, اى ان مقابل جهودى وافنائى لحياتى من اجل ابنائى, هو ان “يتسلموا الشعلة منى”, اى ان يصحبوا مثلى, او مثلما وددت انا ان اكون ولم استطع, اى ان يكونوا “امتدادا” لى فى المستقبل او “انا ” اخر, اى “ذاتا” اخرى لى, تفكر كما افكر وتشعر كما اشعر وتعمل ما اعمل او وددت ان اعمل, وان تتزوج شبيه من تزوجت ومثلما تزوجت, اى ان تعيش حياتى مجددا, او تكون كما اشرنا “امتدادا” للاباء فى المستقبل, والمثل الشائع “الذى انجب لم يمت”, دال على هذه الفكرة, وعلى مفهموم “التملك” او “الامتداد فى المستقبل”.

المخاطر المترتبة على هذين المفهومين:
1- من جهة الاباء:
يسرف الاباء حينها فى “التحكم” فى ابنائهم, والافراط فى توجيههم والزامهم, والاختيار بالنيابة عن ابنائهم وعدم اتاحة الفرصة المناسبة لهم للاختيار للانفسهم والتعبير عن ذواتهم ورغباتهم وميولهم هم, فتبقى مكبوتة او تكاد تطمس وتمحى شخصيات هؤلاء الابناء, فيشبون على ضعف الشخصية وعدم تحمل المسئولية, او يصنع هذا الاسراف فى التحكم فى الابناء مشاحنات ومشادات لا اول لها ولا اخر, تجعل العلاقة بين الاباء والابناء متوترة طوال الوقت, وقد تترك ضغينة وندوبا نفسية فى نفس الابناء حتى بعد ان يشبوا عن الطوق ويصبحوا راشديين, فتكون ذكرياتهم عن اهلهم بعد ذلك مليئة بلالم, رغم ان ابويهما كانا يتصرفان هكذا بدافع من الحب و”التضحية”, الا ان هذا لا يبقى فى ذهن ونفس الابناء, انما ما يبقى فى اذهانهم ونفوسهم, هو افراط تحكم اهلهم فيهم وما تركه ذلك من ذكريات سيئة لديهم.

2- من جهة الابناء:
يعتاد الابناء ان يروا ابائهم فى صورة مجرد “ادوات” لتحقيق احلامهم ورغباتهم, ولا يرونهم على انهم هم ايضا “بشر”, لديهما احلامهما وطموحاتهما وحياتهما الخاصة التى يريدان ان يحياها ايضا مثلهم, وانهما كائنات “منزهة” او “ارقى” من ان يتمنيا ويحلما ويريدا العيش والاستمتاع بالحياة!, مما يضع عبئا كبيرا, ماديا ونفسيا على الابوين, فيرهقهما ماديا فى محاولات ارضاء ابنائهما الدائمة, ويشعرهما بانهما قد ماتا بالفعل يوم انجبا اطفالهما, لان عليهما ان يتخليا عن طموحاتهما وتطلعاتهما ورغباتهما فى الحياة لان “الاولوية” لابنائهما, وذلك يسبب لهما ضغوطا نفسية كثيرة, بسبب اعتماد ابنائهما المفرط عليهما, وطلبات ورغبات الابناء العديدة.
فنرى ايضا ان الابناء قد يتسببون فى ضغط على ابائهم, وان الطرفين, اى الاباء والابناء, قد اصبحت بينهما علاقة تملك او “عبودية” متبادلة, ترهق الطرفين, الاباء والابناء, وتجعل من علاقة الابوة والبنوة علاقة صعبة و معقدة, وربما ايضا قاسية ومريرة.
كيف يمكن ان نتجنب حدوث ذلك؟
1- من جهة الاباء:
يجب على الاباء ان يدركوا ان ابنائهم ليسوا بالضررة مثلهم, وانهم “افراد” اخرون منفصلون, لهم حرية الارادة والتصرف فى حياتهم, وانه اذا كان على الاباء “دور” ما فى حياة ابنائهم, فهو يتجلى فى مساعدة ابنائهم فى اكتشاف ذواتهم وشخصياتهم وطرقهم الخاصة فى الحياة, بدون فرض خيارات معينة او اسلوب حياة معين عليهم, لذلك ليس على الاباء الافراط فى”التضحية” من اجل ابنائهم, لانهم لن يجنوا المقابل الذى يتوقعونه او يأملونه, اى “التملك” او “الامتداد فى المستقبل”, وهذا لا يعنى ان لا يهتم الاباء ويعتنون بابنائهم, وانما يعنى انه يجب الاعتدال فى تلك “التضحية”, وان يدرك الاباء انهم ايضا لهم حياة لم تتوقف مع انجاب ابنائهم, وان المقابل للابوة والامومة, هو مجرد الاستمتاع بشعور الابوة والاموة ليس الا.

2- من جهة الابناء:
اما الابناء, فعليهم ان يدركوا ان ابائهم هم اناس “منفصلون” ايضا, اى انهم كما اشرنا, “بشر” لهم احلام وطموحات وحياة للاستمتاع بها, وانهم لا يجب عليهم ان “يفنوا” حياتهم من اجل الابناء, وان يقدر الابناء ما يفعله ابواهما من اجلهم, وعدم اعتباره ذلك امرا “عاديا” او “طبيعيا” لا يستحقان الشكر عليه, او لايستحقان الشعور بلامتنان من اجله, وان لا يعتمد الابناء اكثر مما ينبغى على ابائهم, بل يجب ان يسعوا الى الاستقلال والاعتماد على انفسهم وتحمل المسئولية, وان لا يرهقوا ابويهما اكثر من اللازم الى حين تحقيق ذلك.
واخيرا:
وهكذا, نكون حاولنا فى هذا المقال, استعراض بعض الاسباب التى يمكن ان تجعل علاقة الاباء بلابناء مضطربة وغير صحية وغير سعيدة, وكيف يمكن ان نتجنب ذلك, وان نعيد النظر فى مفهومى “التضحية” و”التملك”, لنخرج من مرحلة “العبودية المتبادلة”, التى ترهق وتشقى الاباء والابناء, الى مرحلة “الحرية” المتبادلة, التى تساعد كلا الطرفين على تحقيق الذات والاستمتاع بالحياة, والتى يمكنها ان تجعل علاقة الاباء بلابناء علاقة صحية وسوية وسعيدة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك