الأنا – آخر.. كيف تتخلص من الاكتئاب في 5 دقائق ؟! – بقلم: حمودة إسماعيلي

على طريقة المشعوذين والدجالين ومروجي الخداع والطب الشعبي ومدربي التطوير الذاتي والبرمجة الوهمية العصبية، يأتي عنوان الفكرة : كيف تتخلص من الاكتئاب في 5 دقائق ؟ يعني زمن قراءة هذا الموضوع.

نأتي للمهم، إن كانت جماعة المشعوذين تهدف وراء كلامها سلب بعض المال منك، فأكثر ما سأسلبه أنا منك هو القليل من وقتك، فإن ظهرت أن طريقتي غبية وغير ناجحة فسينضاف واحد لجماعة الدجالين الفاشلين – الذي سيكون أنا – وإن نجحت فهذا هو ما نصبو إليه.. وستدفعك رغبة مغرية بنشر مقطع على أساس أنه لك بحائطك المثير للشفقة، والجملة موجهة لمن سيتعرفون على أنفسهم فيها.

أول شيء يجب معرفته هو أن الاكتئاب لا يمكن علاجه، لا بالعقاقير ولا بشطحات علم النفس، ابحث في الموضوع كما تريد لن تجد علاجا، هناك فقط محاولات من الطب النفسي الذي يستعين بالأدوية، وبالتحليل النفسي الذي يعتمد على الحوارات المسلية. في الأخير لا يتم التخلص من الاكتئاب، بل يختفي قليلا ليعود لك من جديد، الأمر الذي يعاني منه الناس بمختلف الأعمار والمستوى الثقافي/الاقتصادي.

جاك بانسكيب من أشهر أطباء الأعصاب على مستوى العالم، قام بتفسير العديد من الظواهر النفسية انطلاقا من الأساسات العصبية المقترنة بها، الأمر الذي جعل علماء النفس يبدون كالمهرجين كل مرة يتحدثون فيها عن النفس. بالنسبة للاكتئاب، وجد أنه مرتبط بصدمة الفقد، الأمر الذي تجلى في الحيوان كما الإنسان، تبدأ أعراض الاكتئاب المعروفة بالظهور عندما يشعر الكائن بأنه فقد عنصرا (كائن) حيويا بوسطه، على المستوى البشري يمكن أن نعمم الفكرة لتشمل نفس المفهوم : الاكتئاب دائما مرتبط بافتقادك شيئا ما في حياتك، حب/حبيب ثروة، اهتمام، أسلوب عيش إلخ مما تشعر بأنه ينقص حياتك. شعور النقص المستمر هذا يؤثر في العملية الكيميائية بدماغك (الافرازات) فلا تعود تريد شيئا سوى قطع رقبتك ! فالجرح اتسع، ولم يعد الجسد قادرا على تحمل هذا الفراغ.

أريد الإشارة لنقطة مهمة قبل التطرق لطريقتي العجيبة، البعض من الممكن أن يمسكوا الاكتئاب كعصا سحرية فمن خلاله يحاولون إبراز أنفسهم أنهم مختلفون ويعانون كالعظماء، ترى أن بإمكانهم أن يكونوا سعداء لكن الأمر لديهم صار حيلة ذهنية لجذب الاهتمام وإبراز التفوق ولو بالبؤس (الحياة تعطبني أكثر منك).. تصبح مجبورا على تحمل نزواتهم والسهر على عدم المس بمشاعرهم، كإعادة إحياء الأم – في كل شخص – لتقوم بتدليلهم.. لو أحببت الدور (الأم) فلا تهتم بما قلت.

طريقتي العجيبة البسيطة التي لا تحتاج لكل هذا التدليل الذي يأسر الاهتمام، هي مجرد تخيل بسيط : تخيل أنك تمشي في الشارع، تمر بجانب مقهى، أو في مول، ثم تراك، فهمت ؟ تراك أنت، أي تلتقي بك، أنت ترى نفسك أمامك ماشيا أو جالسا بمكان. ما الذي ترتديه ؟ كيف تبدو لك ؟ ما شعورك اتجاهه الآن ؟

طبعا سترغب بالتقدم نحوه، إنه أنت لكنه غريب، ما الذي سترغب بقوله له ؟ هل تفخر به ؟ هل يعجبك ؟ سيبدو الأمر غريبا وعجيبا بالنسبة لك.. لأنك لم تتعلم أن ترى نفسك كآخر.

أنت لا ترى نفسك مهما اعتقدت، لأنك ترى من نفسك. يجب أن ترى نفسك ليس فقط كصديق، بل شخص غريب تلتقيه أول مرة، لتستبطن الانطباع الذي تتركه لدى الآخرين. هل يبدو لك شخصا مريضا بالاكتئاب ؟ من خلال بعض النماذج التي اقترحت عليها الأمر، يرون شخصا مميزا، يستحق التعارف، رغم أنهم يجدونه مخيفا بعض الشيء، لكنه يظل مثيرا بالنسبة لهم. لا يرون مريضا أو معاقا أو مبتئسا، يرون أناهم كما هم أو كما يريدون أن يكونوا.

الأمر ليس لعبة تخيلية، تمر في دقائق وكفى ! إنه أنت، هكذا أنت دائما في نظر الآخرين. أنت اليوم التقيتك كما يلتقي أي أحد بك. هذا هو أنت إن لم يكن – حسب التخيل – الآن (الحاضر) فهو أنت بالمستقبل القريب.

الاكتئاب مرتبط بطريقة التفكير، هذه الطريقة تهبها لنا أو تساهم فيها – بجانب كبير – البيئة والثقافة، أن تفكر كيف يجب أن تكون، لكن ما تحتاجه هو رؤية كيف تبدو أصلا، حتى تستطيع أن تكون ما تود أن تكون (لربما تكون في الأصل ما تود/وددت أن تكون). سترى أن ذلك الشخص الذي التقيته، إذا أراد شيئا أو واجه مشكلة سيعرف كيف يتصرف.. لا أن يهرع لغرفته ويتحول لدولاب حزين بجانب الحائط كما تعلمت أن تفعل !

هل تعرف قصة سيلفيا ماك ؟ سيليفا عانت في عمر 3 سنوات من حروق نتيجة حادثة منزلية، شفيت لكن جانبا كبيرا من مساحة جلدها تعرض للتشوه، ولم يسلم سوى وجهها. بفترة المراهقة، بين أقرانها، من لم يناديها ب”الساحرة” كان يطلق عليها “جلد الأفعى”. سيلفيا مدفوعة بميكانيزماتها التعويض-نفسية، اختارت أن تكون سباحة؛ كانت آخر من ينزل للمسبح، وترفض الاستحمام مع الصديقات، صارت تفضل الخسارة في السباق على الفوز وجذب الأنظار. حتى في الاستجمام، عندما يراقصها أحدهم بالملهى، ويلمس ظهرها، يبدي إعجابه بمشد خصرها تحت ثوبها، فكانت تنسحب بهدوء مادام لا يدرك أنه يلمس جلدها. أصيبت بالاكتئاب وكره الذات وانعدام الثقة بالنفس وعدم احترام الكيان. صارت مصابة بخوف رهيب من أنظار الآخرين، لم تعد تقدر على اجتياز الاختبارات، أو مقابلات العمل، وكثيرا ما فكرت أن تلقي بنفسها أمام الحافلة القادمة وتنهي حياتها. لحسن الحظ وجدت سيلفيا شخصا أحبها كما هي، وتزوجا وأنجبا. لكن عقدة سيلفيا مع ذاتها استمرت، ما جعل سيلفيا تعكس الكره والاحتقار الذي تستشعره من المجتمع على المحيطين بها، تعلمت أن تكون لئيمة وسليطة اللسان، وجارحة بعض الأحيان حتى مع أختها، الأمر الذي تحكيه بأسف. في سن 48 وهي مستلقية بالقرب من أحد المسابح، مرتدية البيكيني كمحاولة تصالحية مع الذات، استشعرت أن أحدهم خلفها يقوم بتصويرها، الأمر الذي لم تقدم عليه أبدا، فقد كان يرعبها أن تلتقط أو يلتقط لها صورة. قامت وتمشت قليلا لتتأكد أن ذلك الشخص يستهدفها بهاتفه. أخبرت أمها، وغيرا وجهتهما نحو الشاطئ، رأت سيلفيا أن أمها تتألم معها في صمت. ساعتها ابتعدت قليلا عن أمها مقتربة من الماء، كانت قد نزعت عنها غطاء البيكيني، فنادت أمها “أنظري هنا” وهي تبتسم لها وتستعرض جسمها كأنها بجلسة صور، قالت لأمها “ابتداء من اليوم، ليس لدي ما أخجل منه أو أخفيه، سأترك الناس تأخذ لي صورا، وسأحب نفسي كما أنا”، عندها تقول سيلفيا “عرفت أن لا استشارة أو أي شيء بموقع Google كان ليساعدني.. فقط أنا”؛ منذ تلك اللحظة لم تعد سيلفيا تهتم بنظرات أو آراء الآخرين، بقدر ما فرضت جاذبية بدعوتها الناس الانضمام لها بأحد مسابح شمال لندن، وأنشأت موقعا للتوعية لمن يعانون حالتها، وهي مستمرة في الانفتاح بتلقائية مع الآخرين، بما في ذلك أنها أجرت مقابلة في راديو bbc مع إينا ميلر. سيلفيا رأت نفسها، وهذا كل ما كان يهم.

لن تتخلص من الاكتئاب، ما لم تتخلص من هذا “الأنت”، لترى الأنا-آخر.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك