في عام الرمادة كيف عطّل عمر حد السرقة؟ – سامح عبد الله

“وصعد الخليفة المنبر وقال وهو يبكي.. ” اللهم لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي.. يا رب أتهلك أمة محمد بعهدي؟”

العام الثامن عشر من الهجرة..

الثامنة والعشرون.

لا تتجلى عبقرية عمر فقط في طريقة الحكم التى طبقها ولا في طريقة إدارته للبلاد المتسعة الأرجاء ولا في تقواه أو زهده وإنما تتجلى بصورة واضحة في طريقة فهمه للنص القرءاني وهذه قيمة عظمى لأن فهم آية خطأ يمكن أن يجلب لنا مصاعب لا تحتمل سرعان ما تتحول إلي كوارث مثلما هو الحادث اليوم مما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية.
فهم آيات الجهاد خطأ يدفع بنا إلي العدوان الطاغي الذي يعطي أسوأ صورة عن دين ظاهره وباطنه الرحمة..
وهنا أيضاً في هذه الحادثة إذا فهمنا مافعله عمر بشأنها علي نحو خاطئ سيدفعنا إلي القول أن هذا الرجل خرج عن حكم نص قرءاني قطعي الثبوت وقطعي الدلالة ومن ثم فقد خرج عن الدين !
تعالوا إذا نرجع إلي المناسبة..
السنة هى الثامنة عشر هجرية..
المكان المدينة المنورة وما حولها من مناطق دخلت في الإسلام..
الحادثة.. عام سُمى بعام الرمادة..

تقول الرواية المتفق عليها أنه في هذا العام مر قحط علي المسلمين حتي رأي الناس الدخان يفوح من الأرض وحتى أنهم أكلوا الميتة ولم يعد نبت أخضر و أكل الناس أوراق الشجر..
جف الزرع فوق الأرض العطشى.. وتجرعت البطون مرارة الجوع.. وصعد أمير المؤمنين يبكي علي المنبر يناجي ربه ألا يعذب الناس بذنوبه !

عمر القوي يبكي كرجل ضعيف أمام جوع وعطش الناس..
عمر التقي يقول لربه ” لاتعذب أمة محمد بسبب ذنوبي”
عمر الذي كانت جيوشه تفتح الشام والعراق كان يرتدي حينها ثياب فيه أربع عشرة رقعة.

كان الأمر عسير للغاية حتي أن عمر نفسه قد وصفه بالعذاب وإشتدت الحاجة بالناس لكن نص صريح قطعي الثبوت.. قطعي الدلالة يقول ” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “(٣٨ المائدة )
وكان أن بعض الناس قد أقدموا علي سرقة بعض مايسدون به جوعهم.
والحقيقة أن ظاهر النص واضح، فلا إستثناء فيه ولا أعذار فيه ولا تعليق الحد علي شرط، بل النص واضح بوجوب قطع يد السارق والسارقة.
وكان من الممكن لأمير آخر غير عمر أن يطبق حد السرقة هنا في عام الرمادة، فمعه نص بهذا الوضوح وبتلك القطعية في الدلالة.

لكن عمر لم يفعل وهنا تنجلي عبقرية الرجل في فهم جوهر النص والنظر إلي مغزى النص.. وهنا أيضاً تنجلي عبقرية الرجل في فهم روح النص هذا الفهم الذي توصل إليه بعد قرون مجتمعات أخذت في النظر إلي روح النص قبل المادية التي تحملها حروفه لا سيما في دور القضاء.
ثار جدل كبير بين المحدثين والرواة والفقهاء وراح كل فريق يبرر مسلك عمر وهل كان فيه خروج علي القرءان أم لا !
والحقيقة أن الأمر لم يكن بحاجة إلي الجدل الذي ثار بشأن تلك الواقعة..
نعم عمر أوقف حد السرقة علي من إمتدت أيديهم إلي أموال الغير..
نعم هناك نص صريح بإعمال هذا الحد لا يحمل ثمة إستثناء..
لكن هناك رجل أيضاً كان يحمل في طيات نفسه إستثناء..
قالها عمر واضحة صريحة.. كيف أقطع يدا إمتدت لرغيف خبز يمنع صاحبها من الهلاك..
عمر هنا ينزل إلي النفس البشرية بضعفها ولا يحسبها ملاك مطهر يحيا في السماء..
نحن هنا علي الأرض.. نحن هنا في عام جف فيه الزرع ومات فيه الحيوان وأكل الناس الميتة وهو محرم وليس مكروه فحسب..
نحن هنا أمام حاكم لايتذرع بنص ديني يطبقه حتي يلتف حوله الناس.. نحن هنا أمام حاكم لم يكن بحاجة إلي سلطان ديني كهنوتي حتي يسيطر علي عقول وعواطف الناس.
نحن هنا أمام حاكم لم يخش أن يقول الناس عنه لقد خرج عن الدين لأنه في قرارة نفسه كان يطبق جوهر الدين.
نحن هنا أمام حاكم شجاع علم أن الله ماشرع حداً من أجل القتل أو القطع أو الجلد بل من أجل الحياة..
لقد فهم عمر بن الخطاب معنى الحياة.. فهم روح النص قبل حروفه و جوهره قبل ظاهره وعلم من قبل ومن بعد أن الغاية هى الإنسان.

قالوا أوقف الحد وقالوا عطل الحد وقالوا منع الحد وقالوا لقد سن سنة مازالت قائمة وابتدع بدعة مازالت قائمة!
لكن عمر قال.. ” ماكنت قاطع الناس حتي أشبعهم”
تعالوا نرددها ثانية لعلها تذكرنا بحال الأمة اليوم..
” ما كنت قاطع الناس حتى أشبعهم”
إنه الدستور الذي ألزمت به نفسك يا عمر..
ماكنت قاطع يد إمتدت لقطعة خبز في عام جف فيه الزرع وأكل الناس أوراق الشجر!
هل أُخبرك يا أمير المؤمنين ما الذي حدث بعد أكثر من أربعة عشر قرنا علي خلافتك !
لقد أكل الناس أوراق الشجر وقطعت أيدي الفقراء منهم لأنها امتدت إلي قطعة خبز..
مقولة الرسول صلي الله عليه وسلم تتجلى..
“إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الفقير أقاموا عليه الحد”

المقولة تتحقق في أوضح صورها ببلدان ترفع راية الإسلام لكنها راية بها ظاهر النص وليس جوهره.
الفروق بين الناس أضحت طاغية والعدالة الإجتماعية اندثرت والحدود لا تطبق إلا علي الضعفاء بينما يعيش الشرفاء في طغيانهم في مأمن من النص ظاهره وجوهره.
لقد أوقف عمر حد السرقة في عام الرمادة لظرف إستثنائي ولم يلغيه.. كان الرجل قريب من الله حتي أنه رأي جوهر نصه قبل ظاهره.. كان الرجل يقوم بواجبه كحاكم تفرض عليه مسئولياته أن يكون أول من يتصدي لظرف مثل هذا وأن يكون أول من يجوع إذا جاعوا..!
لو لم تكن رؤية عمر في هذا العام قد تجاوزت حدود المعنى الظاهري للنص لقُطعت آلاف الآيدي وربما أيضا الرقاب وهو ما يحدث للأسف اليوم تحت ستار الدولة الإسلامية.
لقد أوقف عمر نص قرءاني في عام الرمادة وكان يقول لبطنه التى تتمزق جوعا. ” والله لاتشبع حتى يشبع أطفال المسلمين ”
فهم عمر النص وأقام بجوهره عدلاً ونحن إكتفينا بظاهره فتحول فهمنا الخاطئ إلى طغياناً !
وللحديث بقية.

#عمر_بن_الخطاب_رؤية_معاصرة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك