عقدة سنوايت.. هل يجب أن تكون بشرتك بيضاء لتكون أجمل ؟ – بقلم: حمودة إسماعيلي

“مرآتي يا مرآتي، من الأجمل في هذا الكون ؟”، فتجيب المرآة السحرية “أنت الأجمل يا مولاتي”. مشهد مألوف من قصة سنوايت الشهيرة، بياض الثلج أو فلة بالترجمة العربية. قصة سنوايت بالأصل Schneewittchen قصة ألمانية بمعنى ندف الثلج، وهي قصة شعبية قدمها الأخوان غريم – جيكوب وفيلهلم – باحثان أكاديميان خلال القرن التاسع عشر، بكتاب مع مجموعة قصص شعبية أخرى والتي حولت معظمها شركة ديزني، لأفلام سينمائية مؤثرة. وسنوايت هي النسخة الألمانية المحدثة عن قصة بسيكيه وكيوبيد الرومانية ل”لوقيوس أبوليوس” بكتاب التحولات. ومثلما بدأت دراما سنوايت عندما أجابت المرآة “سنوايت الأجمل يا مولاتي” على سؤال الساحرة الروتيني عن أجمل النساء، كذلك تبدأ قصة بسيكيه عندما تعلم فينوس إلهة الجمال الرومانية بأن الناس مندهشون من جمال بسيكه الفتاة الأرضية، بذلك تسلط عليها ولدها كيوبيد لينتقم لأمه (الذي سيقع في حبها)، وجوهر القصة هو التضارب بين بسيكيه (النفس) وكيوبيد (الرغبة) وفينوس (الجمال أو حتى الغيرة)، حيث حضور الحب مرتبط بالدفع بهذه المفاهيم للصعود والاشتباك.

ومثلما تظهر سنوايت أو فلة، ناصعة البياض بالرسومات وعلى الشاشة، فكذلك مقاربة بسيكيه تتم بنفس المبدأ لدى أشهر الرسامين، إذا أخذنا على سبيل المثال بنيامين ويست أو فرونسوا جيرار بلوحة “بسيكيه وكيوبيد”. أي لوحة تتطرق لهذه الشخصية ملزمة بتمثيلها ببياضها الناصع. من السهل فهم طبيعة ارتباط بياض كل من فلة وبسيكيه بجو البيئة الجغرافية وتأثيرها الجيني في لون الجلد، فبالأخير القصص انعكاس لمميزات مجتمعية ثقافية وحيوية.

هذا التشديد على ارتباط الجمال بالبياض في الثقافة الغربية، له أسباب ونتائج على الربط الديني بين بياض سحب السماء ولون الجلد ونقاء النفس. من هنا تبلورت الرؤية المسيحية الأوروبية للبياض كجمال/تحضر/خير وللمجتمعات الملونة كقبح/همجية/شر؛ بما في ذلك ثنائية الدين والضلال، حيث الأبيض ابن الرب، والأسود حيوان. وهي الرؤية التي طبعت تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وما شهدته من نضالات ضد العنصرية شكلت ثقافتها المنفتحة حاليا.

عندما استوطنت الإمبراطوريات الأوروبية المجتمعات الملونة، طبقت مفهوم “ثقافة المستعمر تحكم” لتصبح مميزاتها المجتمعية البيئية معيارا لهذه المجتمعات المختلفة نسبيا؛ بذلك تشبعت هذه المجتمعات الأفريقية والأسيوية واللاتينية بهوس تبييض البشرة ليصبح الفرد أجمل ! انطباع ترسخ أكثر مع إعلانات شركات صناعة مستحضرات التجميل التي وجدت الجو مهيئا لترتع باقتصادها الهادف لبيع هذا المميز المفتقد (البياض) لهذه المجتمعات المتلهفة بقابليتها المغسولة دماغيا لإغناء قطاعات هي تهينها بالأساس.

لذلك، قامت مؤخرا فعاليات في الهند من بينها مشتغلون بقطاع الفن السينمائي، لوقف إعلانات ومستحضرات عنصرية الجوهر والتي تعد بتبييض بشرة الهندي الجميل أساسا بسمرته ! وذلك من خلال رسائل وإيحاءات لاعقلانية مثل ربط الثقة والسعادة بتبييض البشرة، وتقديم نجوم هنديين ضمنهم شاروخان لمدح جمالية البشرة البيضاء إعلانيا، خداع سافر يتم من طريق رمز مشهور دوليا أنه أسمر !

نتيجة هذه الرؤى المشوهة، تشوهت المفاهيم والانعكاسات الجمالية للأفراد : تجد السيدة وجهها “يشع نورا” بسبب المستحضر، وعنقها أسمر ! لا فكرة لديها عما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي “سمراءُ غنّاها الجمالُ ترنُّماً خُلقَ الجمالُ على الجميلةِ أسمرا”.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك