يوم قتل المصريون قائد ثورتهم بالنبابيت

كانت اياما صعبة و مخادعة، بعد ان ترك نابليون بونابرت جيشة في مصر و فر في جنح الظلام على متن سفينة هربته لفرنسا حيث الصراع العنيف الذى خرج منه منتصرا يحمل لقب أمبراطور كان ضباطه في مصر قد ضجوا و ضاقت عليهم الأرض و أنفسهم وهم يشعرون بأنهم في مصيدة تضيق عليهم كل يوم ولا مستقبل لوجودهم في مصر وتحويلها الي مستعمرة ولا حتى استمرار احتلالها عسكريا بينما بلادهم التى تخوض حروباً اوربية ضارية تحتاج لكل جندي , فشجعوا قائدهم كليبر علي الدخول فى مفاوضات مع االعثمانيين للأنسحاب من مصر كللت بأتفاقية العريش 1800 م و بدء خروج الفرنسيين من القاهرة الي معسكراتهم خارجها ودخول القوات العثمانية و بدئت احتفالات المصريين المبكرة بنهاية سنوات الحملة الثلاث التى اراق فيها الفرنسيين الكثير من دمائهم ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ..
رفضت انجلترا شروط اتفاقية العريش وأعلنت انها لن تفك حصارها البحري على مصر و لن تسمح للفرنسيين بالخروج منها الا كأسري حرب بعد تسليمهم لسلاحهم و عتادهم وعندما وصل لكليبر خطاب القائد الانجليزي بهذا المضمون عرضه على قواته الذين جن جنونهم وانطلقوا لمهاجمة الاتراك و طردهم من المناطق التى دخلوها تطبيقا لأتفاق السلام و هزموهم هزيمة ساحقة فى معركة عين شمس وبينما استمر كليبر في مطاردة القوات التركية في الدلتا أشتعلت ثورة القاهرة الثانية
فانتهز المصريين خروج معظم الجيش الفرنسى لمطاردة الوزير التركى يوسف باشا وقواتة فحاصروا ما تبقى من الجيش فى القاهرة و حررت اغلب أحيائها و تحولت بولاق الي مركز للثورة
وفي خلال ثلاثة ايام فقط تمكن المصريين من انشاء معمل للذخيرة واخر للسلاح وأقاموا المتاريس و التحصينات للدفاع عن احياء المدينة يحدوهم الامل فى الانتصار وان يسارع المماليك و الاتراك في الانضمام اليهم للتخلص النهائى من الأحتلال الفرنسي .
ولكن الواقع كان على غير الأمال ..هزمت القوات التركية هزيمة ساحقة اما المماليك فبعدما حرضوا المصريين علي الثورة و وعدوهم بالانضمام اليهم ودعمهم خذلوهم و ضربوا مثالاً جديداً للخسة و النذالة قد انحازو للفرنسيين و حكم مراد بيك الصعيد باسمهم مقابل جزية 2500 كيس و تقاضى راتباً منهم 100 الف فضة كل شهر تقبضها زوجتة بالقاهرة بل يقال ان مراد بك عرض على كليبر ان يحرق القاهرة كاملة لاخماد الثورة و يذكر المؤرخ الفرنسي ريبوا انة ارسل لكليبر بالفعل عدة مراكب محملة بمواد حارقة لتنفيذ المهمة .
و عاد الجيش الفرنسي بعدما اجلي الاتراك ليعيد احتلال القاهرة فحاصرها كليبرا شهرا كاملا منع فيه دخول القوت للمدينة بينما يضربها بالمدافع ليل نهار قبل ان تقتحمها قواته حيا حياً
و يصف الجبرتي اقتحامهم الدامي لبولاق فيقول ( ثم إنهم هجموا على بولاق من ناحية البحر ومن ناحية بوابة أبي العلا بالطريقة المذكورة بعضها وقاتل أهل بولاق جهدهم ورموا بأنفسهم في النيران حتى غلب الفرنسيس عليهم وحصروهم من كل جهة وقتلوا منهم بالحرق والقتل وبلوا بالنهب والسلب وملكوا بولاق وفعلو بأهلها ما يشيب من هوله النواصي وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والازقة واحترقت الأبنية والدور والقصور وخصوصا البيوت والرباع المطلة على البحر وكذلك الاطارف وهرب كثير من الناس عند ما أيقنوا بالغلبة فنجوا بأنفسهم إلى الجهة القبلية ثم احاطوا بالبلد ومنعوا من يخرج منها واستولوا على الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع وملكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والاباريز والارز والأدهان والأصناف العطرية وما لاتسعه السطور ولا يحيط به كتاب ولا منشور والذي وجدوه منعكفا في داره أو طبقته ولم يقاتل ولم يجدوا عنده سلاحا نهبوا متاعه وعروه من ثيابه ومضوا وتركوه حيا وأصبح من بقي من ضعفاء أهل بولاق واهلها وأعيانها الذين لم يقاتلوا فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم )
واما قادة الثورة فمن لم يقتل منهم في القتال تم اسره في المعركة او دل عليه الخائنين بعدها و علي رأسهم مصطفي البشتيلي الذي جعل منه الفرنسيين مثلاً وعبره لمن يقاومهم ..
فجمعوا رجاله و عصبته من المقاوميين الذين تم اسرهم و حبسوا وعذبوا ثم ابلغوهم بالعفو عنهم واطلاق صراحهم علي أن يقتلوا البشتيلي بأيديهم لتحريضة لهم علي الثورة و تسببه فيما حاق بهم وأهليهم من المصائب فيقص الجبرتي ( جمعوا عصبة البشتيلي من العامة وسلموهم البشتيلي وأمروهم أن يقتلوه بأيديهم لدعواهم أنه هو الذي كان يحرك الفتنة ويمنعهم الصلح وأنه كاتب عثمان كتخدا بمكتوب قال فيه أن الكلب دعانا للصلح فأبينا منه وأرسله مع رجل ليوصله إلى الكتخدا فوقع في يد سارى عسكر كلهبر فحركه ذلك على أخذ بولاق وفعله فيها الذي فعله وقوبل على ذلك بأن اسلم إلى عصبته وأمروا أن يطوفوا به البلد ثم يقتلوه ففعلو ذلك وقتلوه بالنبابيت )

وأختيار الفرنسيين هذه الوسيلة فى اعدام مصطفي البشبيلي علي يد اعوانه مستوحي من العقوبة الرومانية التى كانت توقع على المتخاذلين فى المعركة حيث كانت تجري قرعة بين كل عشرة منهم و من يخسرها يقتلة رفقائه التسعة الاخريين ضربا بالصولجانات لتحقيق هدفين الاول عدم اهدار المقاتلين بالاعدام الجائر و الاخر ضمان عدم التمرد بين الجنود الذين قتلوا رفقائهم و كسروا مع عظامهم كبريائهم و روح التمرد فيهم .
ومن ثم أصبحت هذه الوسيلة معتادة من المستعمرين في كسر ارادة الشعوب المستعمرة بأن تجعل عذابها علي يد ابنائها فتنتهى وحدتها و يمحق كبريائها القومي و لا تجروء على التصدي لمستعمريها .

ثأر سليمان الحلبي للمصريين من كليبر و أغتاله و انتهت الحملة الفرنسية علي مصر بجلائها بالصلح ولكن بقي مشهد مصطفي البشتلي و هو يقتل بأيدي من حرضهم علي الثورة و الكرامة في ساحات المدينة التى اراد تحريرها يتكرر الي يومنا هذا وان أختلفت النبابيت .

أحمد فتحي سليمان
https://www.facebook.com/ahmed.fathie.7

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك