جريمة انفصال مفكرينا عن الحاضر

جريمة انفصال مفكرينا عن الحاضر

الفرق الإسلامية: الأشاعرة، الماتريدية ،المرجئة ،المعتزلة ،الجهمية ،الصوفية، وغيرها ،مازال مفكرونا يضربون الخيام حولها ليولدوا منها بعدما عقرت!

أرى أن أسوأ ما فينا نحن – المسلمين المعاصرين – ،وأظنه السبب الأكبر في الانهيار الثقافي والفكري الذي نعيشه هو أننا مازلنا مُصِرينَ على أن نناقش بحماسة لا تخبو جذوتُها ما تجاوزه الفكرُ الإنسانيُ بقرون زمنية من أفكار لا صلة لها حقيقةً بواقعنا المعاصر واستعصى على التاريخ الاحتفاظ بأحداثها بشكل قاطع .
ما زل عصيا على أفهامنا- نحن المسلمين المعاصرين – أن تلك الأفكار التاريخية لم تعد قيمتها في نبش قبورها ومحاولة تزين جثتها وبعثها للحياة مرة أخري لنتصارع معها ونختزل حاضرنا في الاحتفاء بها وإقامة المناورات والخصومات حولها ،إنما قيمة تلك الأفكار التاريخية تكمن بشكل أساسي في محاولة فهم الصراع الفكري الذي بنيت على أساسه حضارة المسلمين في الماضي واستخلاص معيار للصواب والخطأ من خلالها نستطيع استخدامه في مواجهة حياتنا الفكرية المعاصرة.
أكاد أجزم أن المؤرخين لم يسجلوا لنا التاريخ حتي نركب سفينة الماضي لنبحر بها في أبحر المستقبل إنما سجلوا لنا التاريخ وأفكاره لنتلاشى ما سبب عطب سفينة الماضي ولنستفيد منها في بناء سفينة الحاضر التي يجب أن تبنى من خبرات الماضي ورؤى المستقبل معًا

إن عقلية الماضي وسحب الحاضر ليتقوقع فيه هو أمر لم تتصف به أمة  في سلوكها كما اتصفت به أمة العرب ،فهم قوم يضعون التغني بالأمجاد موضوع أولوية قصوى ،فقد تغنى العرب في الجاهلة بأمجادهم وبطولات أبائهم ،وكانت تلك هي أحدى الوسائل التي حاولوا بها مجابهة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، 
بل سجل القرآن قدحا فيمن يحتجون بما كان في الماضي على ما هو كائن في الحاضر في معرض قوله تعالى { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)}الآية 22  ـ 24 من سورة الزخرف.

كانت تلك هي تلك الحجة التي حرم بها هؤلاء من أن يهتدوا بنور الحق: أننا لا نستطيع أن نتخلى عن ربقة الماضي ونتجاوزه لهذا الحاضر الذي يجب أن ينظر إليه بعين الحاضر وتقيم حججه لا أن نهرب من حجج الحاضر ومناقشتها والوقوف على متطلباته ومقتضياته لننتقل إلى مناقشة الماضي وظروفه حتى حججه.

وكان هذا هو جواب القرآن الكريم عليهم بأن الماضي ليس له بمضاويته على الحاضر ميزة الهداية أو الحق ،وليس سير أمم على نهج أو إلفها عادات معينة أو فلسفات معينة دليلا على أنها الحق ،بل الحق هو ما يمليه العقل والدليل.

ومهما يكن من أمر فإن الحق يقتضى منا أن نعترف بأن العقل العربي المعاصر أكثره عقل ناقل غير مبدع يرتكن إلى الماضي بكل قوة دون أي تنقيحات أو إضافات حقيقة ؛وذلك راجع إلى اعتبار الماضي هو المعيار الأوحد للحق وأنه لا حق بلا رجوع إلى ذلك الماضي بكل تفاصيله وأن حياة الإنسان لن تستقيم إلا بأن يعاد بعث ظروف الماضي واستحضارها للعيش فيها بكل ما تحمله من خلافات فكرية حتى ولو عفى عليها الزمن .

والحق أن هذا النظر خطأ فادح لا يستقيم أمام النقد ولا يحمل في طياته أي برهان ؛ذلك أن الحاضر هو كالنبتة التي لا تنمو وتتطور إلا في بيئتها الخاصة فإذا وضعت في بيئة غير مناسبة لها أصابها الشلل وماتت ،وهذا ما حدث مع حاضرنا المسكين فقد وضعنا نبتته في بيئة الماضي السحيق فلا نما حاضرنا ولا حيا ماضينا .

إن انفصالنا عن حاضرنا واصرارنا على سحب حاضرنا وحصاره بالماضي ليكون شاخصا أمام أعيننا بكل صراعاته هو نوع من الإصرار على الموت البطيء والتخلف الرديء  باستجلاب أفكار نشأت في بيئة غير بيئتها الحاضرة واصرارنا على التقاتل حولها وهي ميتة لا محالة بطبيعتها مهما حاولنا إحياءها ، وإن هذا لهو خير دليل على عجزنا وفشلنا عن أن نكون وعاء يستوعب الخيرية التي قررها الله تعالى لهذه الأمة بقوله تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }سورة آل عمران الآية 110.

ذلك أن من مقومات تلك الخيرية أن تكون تلك الأمة في كل مراحل حياتها بحاضرها علما على الحضارة والرقي والتقدم والسبق ؛فإذا كان الواقع شاهدا بغير ذلك فهذا دليل على أننا لم نكن وعاء صالحا لاستقبال هذه الخيرية بحال.

وعلى ذلك فإن الذين يصرون على استدعاء تلك الأفكار الماضية وبثها في المجتمع من جديد هم أصبحوا من غير مايشعرون سوسا ينخر في عصب تلك الأمة وسببا من أسباب تخلفها بل إنهم يؤكدون من غير ما يشعرون عدم صلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان ونضوب العقل المسلم وتصحره وعدم قدرته في التكيف مع النص أو الواقع المعيش.

والحق الذي يجب أن يدون في هذا الإطار أنه ليس كل الأفكار التي ولدت في الماضي غير صالحة للحاضر ،بل إن القول  بذلك بإطلاق لهو من المجازفة غير محسوبة العواقب ،بل إن الانصاف يقتضي أن نقول إن هناك أفكارا بالضرورة وجدت في كل الحضارات صالحة لكل زمان ومكان ولا تختلفحولها إنسانية الإنسان في أي مكان أو زمان مثل الأفكار التي أكدت على الحرية والعدالة والإنسانية وفوق كل ذلك التوحيد الخالص الذي تميز به الإسلام ومازال عن بقية الأديان ،وإن كانت بعض هذه الأفكار هي مشترك إنساني بين كل الحضارات إلا إن الإسلام كساها برونق الكمال والجلال، فامتاز الإسلام بأنه حين وضع معاني إضافية لهذه الأفكار وحدد مفهومها  تحديدا دقيقا أصبح صالحا لكل زمان ومكان

وعلى كل يمكننا أن نميز بين نوعين من الأفكار في هذه الإطار

النوع الأول: الأفكار الكلية وهي تلك الأفكار الإنسانية مثل فكرة العدل والمساوة والحق، والأفكار العقلية  كحرمة الخبائث كالخمر والزنا وغيرها  مما يحكم العقل بحرمته،والأفكار الروحية وهي المتعلقة بالتوحيد  والإيمان بالكتب السابقة وبنبوة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم ولم يصل إلي علته العقل ، ومجموع تلك الأفكار هي التي جعلت من هذا الدين دينا عالميا ،وهذه الأفكار لا يمكن التخلي عنها في زمن من الأزمان أو مكان من الأماكن ،وهي الأفكار التي تميز هذا الدين عن غيره من الأديان

النوع الثاني : الأفكار الجزئية وهي تلك الأفكار التي كانت وليدة البيئة الاجتماعية والمرحلة الزمانية والمكانية  كأنواع مخصصة من الملابس أو طريقة الطعام والشراب وما يتعلق بهيئة الإنسان وكل ماله صلة بالبيئة واجتماع الإنسان  مما يقبل التغير  ولا يصطدم التغير فيه بثوابت هذا الدين .

تلك الأفكار الأخيرة لا يمكن المطالبة من على قمم الجبال بتطبيقها أو العودة إلى التقوقع فيها والعراك حولها ،إن المناداة بمثل ذلك هو ضرب من ضروب العبث الفكري وجناية على الإنسان المسلم ذاته.

إن التمسك بسحب هذه الأفكار الجزئية ومحاولة طمس الواقع بها هي أكبر جريمة في حق الإسلام وكونه دينا حيا صالحا لكل زمان ومكان.

أما الأفكار الكلية لهذا الدين فنحن مطالبون بها على الدوام لأنها تتناسبل مع طبيعة كل زمان ومكان.

افيقوا يرحمكم الله واشتغلوا بحاضركم لعل التاريخ يسجل لكم ما ينفع ذريتكم في دنياها ويشفع لكم في أمام الله تعالى.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك