ماذا تعرف عن التلمود ؟ .. شرح تفصيلي

التلمود Talmud لفظة عبرية تفيد معنى «التعليم»teaching ، و«التعلم» learning والدرس study. والمقصود بها التعليم القائم على أساس الشريعة الشفهية oral law. وتطلق كلمة «التلمود» عادة على «مصنف الأحكام الشرعية أو مجموعة القوانين الفقهية اليهودية»، فهو كناية عن فقه شرعي وتفسير كتاب التوراة، ويضم مجموعة الكتب والأسفار التي تحوي سجل التشريعات والمجادلات والأخبار والقصص والأقوال الحكمية، كذلك الأعمال والآثار التي أنتجتها المدارس الدينية اليهودية في فلسطين وبابل خلال الفترة الممتدة من القرن الثالث إلى القرن الخامس للميلاد.
أصل التلمود ـ الشريعة الشفهية
يميز قدماء اليهود التوراة المكتوبة written law، التي تشمل الشرائع والقوانين المدونة في أسفار موسى الخمسة Pentateuch [ر.التوراة]، عن التوراة أو الشريعة الشفهية التي تلقاها موسى في سيناء، والتي تجسدت عند اليهود في صورة العادات والتقاليد والعرف.
ويعتقد بعض العلماء أمثال سلومون شختر (1885)، أحد مفكري الدين اليهودي في القرن التاسع عشر، أن تاريخ بداية الشريعة الشفهية يعود إلى زمن النفي exilic period عندما أُنشئ مجمع الكنيس synagogue لأول مرة، أي بعد السبي البابلي، وربما إلى عصر الكتبة sopherim الذي يبدأ بعزرا الكاهن، ومحاولة خلفائه نشر التوراة المكتوبة بين الناس عن طريق الدرس والشرح والتفسير، أي طريقة المدراش midrash method، وهي طريقة الدرس المكثف للنص التوراتي وتفسيره، إلى جانب التوسع في تخريج النصوص والألفاظ، والإسهاب في الإضافات والتعليقات. وقد مثلت هذه الشروحات المبادئ الهادية لأحكام الشرع الديني، كما استخدمت لتفسير المواعظ والحكايات الرمزية.
واستخدم الكتبة ورجال السنهدرين طريقة المدراش في تعليم الشريعة الشفهية وإيصالها للناس، بوصفها أهم وسيط للتعليم اليهودي والتعبير عن الفكر، فكان لها المنزلة الأولى في الحياة الروحية اليهودية طيلة عصر الكتبة من منتصف القرن الخامس إلى نهاية القرن الأول ق.م. حتى ظهور التنائيم (المعلمين) الذين مارسوا في التلمود الطريقة التكرارية (المشنا) لشرح التعاليم الشفهية، ومناقشتها في ضوء نصوص الأحكام الشرعية الناتجة عن التفسير المدراشي، بحيث يستند الشرح والتفسير إلى النص التوراتي.
وقد اختلفت الفرق اليهودية حول مصداقية الشريعة الشفوية، فتمسك الفريسيون بمساواتها مع الشريعة المكتوبة من حيث إلزاميتها، بينما عارض الصدوقيون ذلك، وتمسكوا بالمعنى الحرفي للنص التوراتي إزاء التفسيرات التي خرج بها الفريسيون، وأصروا على اعتبار شرائع الأسفار الخمسة أشد إلزامية من الشريعة الشفهية، كما أنكر القراؤون الشريعة الشفهية والتلمود.
ومن الثابت احتواء التلمود على أصول مدراشية ومادة توراتية، لهذا يعد تكملة للتوراة أو الشريعة المكتوبة، فالعلاقة وثيقة بين التوراة والتلمود، ولا يمكن الفصل بينهما أبداً، فالتلمود هو الجسر الممتد بين التوراة والحياة، إنه التوراة في التطبيق، لكن تعارض التطبيق العملي مع النصوص المقدسة أو الموضوعة في عهدة الكهنة والكتبة، أدى إلى كثرة الاجتهادات وتعدد المدارس التفسيرية التي صنعت تاريخ التلمود خلال مدة ألف سنة.
مراحل تكوين التلمود
يعد التلمود ثمرة لجهود جماعية ونشاطات أجيال متعددة عبر مدة من الزمن، امتدت من عزرا في منتصف القرن الخامس ق.م، واستمر حتى القرن السادس للميلاد في بابل، وهم على التوالي الكتبة والأزواج والتنائيم (أو المعلمون) والامورائيم (المتكلمون أو المجادلون) والصبورائيم أو التأمليون في أقوال السلف.
1ـ الكتبة Soferim:
تبدأ هذه المرحلة التكوينية مع مجيء عزرا الكاتب من بابل، وتمتد حتى عصر المكابيين (450-100 ق.م). وفيها تم قيام الدولة الثيوقراطية اليهودية في ظل السيادة الفارسية، وجمع القسم الأكبر من الكتابات التي تأتي بعد أسفار موسى الخمسة وإضافتها إلى التوراة. وقد تمكن عزرا من وضع التوراة في متناول العامة، بعد أن كان حكراً على طبقة واحدة من اليهود، وإليه يرجع مشروع إقامة «دولة التوراة».
أما الكتبة اللاحقون، فقد انحصرت مهامهم في نشر التعليم الديني وإدخال بعض الشعائر والطقوس الدينية (كعادة سكب الماء على الأرض في عيد المظال Tabernacles)، ووضع القواعد الخاصة بالتمائم الدينية Phylacteries مثل التفليم Teffillin (سفر التثنية 6: 8)، والمعطف أو الطليت Tallith بجدائله الأربع Zizith أو أهدابه (سفر العدد 15: 38)، إلى جانب بعض التشريعات والمراسيم التي كان لها أثر في ترتيب التوراة واثبات نصها المعياري، كتعديل بعض الشرائع التوراتية وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة، والتخفيف من قساوة الشرع الموسوي: مثل استبدال شريعة الانتقام التوراتية في حال الاعتداء بالتعويض.
2ـ الأزواج Zugot:
تطلق هذه التسمية على المعلمين الكبار الذين برزوا بين العصرين المكابي والهيرودي (حوالي 150 إلى 30 ق. م)، وهناك خمسة أزواج من هؤلاء في سجلات الأدب الرباني، يمتدون على خمسة أجيال، ويمثل كل زوج منهم المنصبين التاليين: رئيس السنهدرين أو الأمير ولقبه الناسي Nasi، ونائب الرئيس أو «رئيس بيت الدين» Ab-Bet-Din. وأسهم الأزواج في تطوير الشريعة الشفهية في التلمود، وينسب إليهم العديد من الأقوال والروايات الهجادية والأحكام الشرعية والقوانين (سفر الآباء Pirke Abot).
بيد أن الزوج الأهم من بين هؤلاء الخمسة هو الأخير، ويتألف من هيلل وشمّاي (Bet Shammai, Bet Hillel)، اللذين لهما الأثر الأكبر في تاريخ اليهودية، فكثير من الأحكام الشرعية تحمل اسميهما، إلى جانب كون كل منهما صاحب مدرسة أو مذهب في التفسير. ويعد هيلل صاحب الفضل الأول في جمع وتعديل وصياغة قواعد أو مبادئ التفسير السبع، التي تطورت فيما بعد إلى 13 قاعدة وأكثر، وعرفت بالمقاييس Middot= Measures، وهي تؤلف الطرق الرئيسية للاستدلال المنطقي. أما شمّاي فقد اشتهر بتشدده في تفسير الشريعة وفي تطبيقها العملي (سفر التثنية 20:20؛ سفر العدد 28: 2).
3ـ التنائيم Tannaim:
تطلق هذه التسمية على المعلمين والثقاة الذين عاشوا في القرنين الأولين للميلاد (نحو 10 إلى 200م)، ويبدأ عصرهم مع مدرستي هيلل وشمّاي وينتهي عند الرابي يهوذا الملقب بالبطريرك (R. Judah the Patriarch)، أحد الأحفاد الكبار للفريسي هيلل. ويحمل معظم التنائيم لقب «ربي» Rabbi بمعنى «سيّدي»، ثم أصبح لقبهم فيما بعد «راب»، «سيد»، وأحياناً «رابان» Rabban.
ويقسم عصر التنائيم إلى أربعة أجيال متتالية، وأشهرهم في الجيل الأول (من 10-80 م): الرابان عمالائيل الأكبر والرابان يوحنان بن زكاي، وعمالائيل هو أحد أبناء هيلل (يعتبره بعضهم حفيداً له)، وحسب ما ورد في أعمال الرسل (5: 34) كان معلماً للناموس، واشترك مع رجال المجمع في محاكمة بولس الرسول[ر]، كما تنسب إليه الكثير من الإصلاحات. أما يوحنان بن زكّاي فقد اشتهر بزعامته للفئة المنادية بالسلام أثناء التمرد اليهودي ضد الرومان (66-70م)، وهو الذي تمكن من مغادرة القدس المحاصرة، وأسس مدرسة التعليم الديني في يمنيه، التي صار تمركزاً للحياة والفكر بعد خراب الهيكل.
وأشهر التنائيم في الجيل الثاني (من 90-130 ب.م) الرابان جملئيل الثاني، رئيس المدرسة في يمنيه بعد وفاة بن زكّاي، والرابي إسماعيل بن اليشا، الذي قام بتوسيع قواعد التفسير السبع، وأضاف عليها حتى أصبحت 13 قاعدة، وانتقل من يمنيه إلى عوشا، وأسس مدرسة حملت اسمه. و الرابي عقيبا بن يوسف، أشهر معلمي السواد الأعظم من رباني الجيل التالي، وتنسب إليه المهارة في تنسيق محتويات التقليد والعثور على أساس توراتي لكل أحكام الشريعة الشفهية، كما أنه من شهداء الاضطهاد الروماني في عصر هادريان، وقد ظهرت عند أتباعه النزعات الصوفية فاعتنق بعضهم المسيحية.
ويشمل الجيل الثالث (130-160م) تلامذة الرابي إسماعيل، و تلامذة الرابي عقيبا، وأشهرهم الرابي مائير الذي وضع الأساس لجمع المشنا أو التعاليم المكررة.
أما أشهر التنائيم في الجيل الرابع (160-220م) فهو الرابي يهوذا الناسي، ويعرف أيضاً «سيّدنا القديس» Rabbenu ha Kadosh أو «الرابي» دون إضافة اسمه، وكان رئيس السنهدرين، وهو سليل أسرة نبيلة، جمع بين الثراء العظيم والمنصب الكبير وأخلاق القداسة، والأهم تمكنه من محتويات الشريعة الشفهية، وهذا ما أعطاه سلطة على معاصريه لم يتمتع بها أحد غيره من التنائيم، وتنسب إليه جمع مواد المشنا وتصنيفها (حوالي 220م)، وتقسيم موضوعاتها إلى ستة أجزاء six orders، عرفت باسم «السدريمات الستة». وبجهوده تمت قاعدة التلمود الشرعية التي صارت تعرف باسم «المشنا» أي الكتاب الثاني بعد التوراة، وصارت مجموعة الرابي يهوذا بمثابة «المشنا الأوحد» بلا منازع. وقد درسها تلامذة الشريعة الشفهية، ودارت حولها كل المناقشات والتعليقات والشروحات، إلى جانب إضافات الأجيال اللاحقة.
4ـ الامورائيم Amoraim:
تطلق هذه التسمية على «المتكلمين» أو «الشراح» الذين عاشوا في فلسطين والعراق بين 220 و500م، وانحصر نشاطهم في شرح المشنا وتفسيره، وعرفت هذه الشروحات باسم «غمارا» Gemara. وبذلك تم إعداد التلمود بحالته الحاضرة اليوم.
يقسم عصر الامورائيم إلى خمسة أجيال، وأشهر ممثلي الجيل الأول (220-280) في فلسطين الرابي يوحنان بن نباحه، الذي تتلمذ على الرابي يهوذا الناسي، وفي بابل، أبو عريقا المكنى بأبي الطويل، الذي أسس أكاديمية سورا Sura وترأسها أيضاً. وهناك أيضاً صموئيل الفلكي والطبيب، الذي تتلمذ على يهوذا الناسي وترأس المدرسة الدينية في «نهارديع» a’ Nehardr، لكنه لم يتلق تكليفه الديني وسيامته من يهوذا.
أما الجيل الثاني (280-300) فمثّله في فلسطين عدد من الأمورائيم القادمين من العراق كالهجادي الشهير رابي صموئيل بن نحماني، ومثله في بابل الراب يهوذا بن حزقيال، مؤسس أكاديمية فومبديثا Pumbeditha، وتلامذة عريقا وصموئيل.
وأبرز ممثليّ الجيل الثالث (320-370) في فلسطين ارميا Jeremiah، وفي بابل الراب يوسف، من أكبر الثقاة في التوراة، والأوسع اطلاعاً على الشريعة، ُسمي «سيناء».
وأبرز علماء الجيل الرابع (375-427) في بابل الراب اشي أو عشي (376-427)، المسمى « خاتم أسفار التلمود البابلي».
كما مثل الجيل الخامس (427-500) من بابل ماربار راب عشي، رابينا ورباح طوسفاح، وينسب إلى هذين الأخيرين عملية الإعداد النهائي لتدوين التلمود.
وقد جمعت الشروحات والتعليقات التي خرجت عن مدارس الامورائيم في كل من فلسطين وبابل بطريقة منفصلة، وهذا أدى إلى وجود نسختين للغمارا، الأولى فلسطينية والثانية بابلية، ونتج عن ذلك صيغتان للتلمود، شكلّت المشنا في كل منهما صيغة واحدة تماماً في القسم الأول، بينما اختلفا إلى حد كبير في القسم الآخر: الغمارا.
5ـ الصابورائيم Saboraim:
وتعني هذه التسمية عند السلف الشراح أو التأمليين، وأحياناً أصحاب الرأي. والصابورائيم مؤسسة بابلية بحتة، لا يوجد مماثل لها في فلسطين، وقد امتد نشاطهم طيلة القرن السادس للميلاد، فأضافوا للتلمود بعض التعليقات والقرارات النهائية حول بعض المسائل المتنازع فيها، وأشهر ممثليهم: الرابي جوزيه والراب أحاي والراب سمعوتا.
أقسام التلمود وأسفاره
يقسم التلمود إلى قسمين رئيسيين، هما المشنا» و”الغمارا”، إضافة إلى الحواشي الخارجية Baraitcth وهي التعاليم أو التقاليد المنسوبة إلى التنائيم، إلا أنها أبعدت من المشنا لتضاف إلى مجموعات متأخرة، كما يحتوي التلمود على هوامش تفسيرية تعرف باسم «طوسفتا» Tosefta.
1ـ المشنا Mishnah:
تعني لفظة المشنا التكرار ـ التثنية، أي الشريعة الثانية بعد التوراة، وتتناول الأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار الخروج واللاويين وتثنية الاشتراع، وهي بذلك خلاصة الشريعة الشفهية ومجموعة قوانين اليهود السياسية والمدنية والدينية.
ويتألف المشنا من ستة أقسام أو سداريم رئيسيةsix orders ، يضم كل سدر أو صدر عدداً من الأسفار Massiktot أو المقالاتTractates وعددها 63مقالة. ويتألف السفر من عدة فصول أو برقيمات ـ الاصحاحات Perakim= Chapters. ويتألف كل فصل من فقرات عديدة تعرف بالحلقوت Halakot، جمع «حلقا» أي الأحكام الشرعية. وقد استخدمت في جمع المشنا اللغة العبرانية المستحدثة مع خليط من الألفاظ اليونانية واللاتينية.
السدر الأول: سدر «زراعيم» (البذور) Zera’im ويتألف من 11سفراً أو مقالة، ويتناول قوانين التوراة الزراعية من الناحيتين الدينية والاجتماعية، ويسهب في شرح الأحكام التوراتية المتصلة بحقوق الفقراء والكهنة واللاويين في غلال الأرض والحصاد، كما يبسط القواعد والأنظمة المتعلقة بالفلاحة والحراثة، والسنة السبتية والعشار والمخاليط المحظورة في النبات والحيوان والاكساء. ويتمحور مفهوم هذا السدر حول الإيمان والأمانة والصدق والاستقامة في العلاقات البشرية.
السدر الثاني: سدر «موعيد» (الأعياد والمواسم ) Seder Mo’ed ويتوزع على اثني عشر سفراً تضمها أربعة مجلدات ضخمة، تتناول مسائل السبوت (القوانين والأنظمة التي تتيح لليهودي حرية الحركة والعمل أثناء السبوت)، والأعياد وأيام الصوم إضافة إلى الطقوس والشعائر والفرائض والقرابين، وقواعد تنظيم التقويم العبراني، إضافة إلى الحديث عن فريضة الحج إلى القدس (سفر الخروج 23: 17 والتثنية 16:16)، كما يتضمن التعليم الباطني للتوراة، وتكثر فيه الشطحات الخيالية التي وجدت تربتها الخصبة في كتاب الزوهار (الإشراق) وكان لها أثراً كبيراً في تعاليم القبالة أو التصوف اليهودي [ر: التصوف]. وتتواكب في هذا السدر الكثير من شرائع التوراة جنباً إلى جنب مع الشرائع والقوانين المستمدة من خارج التوراة. والثابت أن سفر «شقاليم» Shekalim هو الوحيد من بين أسفار التلمود البابلي بدون غمّارا، ويتناول أحكام الضرائب والرسوم لصيانة الهيكل.
السدر الثالث: سدر «ناشيم» أي النساء Nashim= Women وتتضمن أسفاره قوانين الشرع التوراتي حول الزواج والطلاق (سفر الخروج 22، التثنية 25، العدد 30) ، ويبلغ عددها سبعة.
السدر الرابع: سدر «نزيكين» أي الأضرار Nezikin ، تقسم الأسفار العشرة في هذا الجزء من التلمود إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول ويضم الأسفار الثلاثة الأولى، وموضوعها العام هو القانون المدني. أما القسم الثاني فيضم مقالتي «سنهدرين» و«ماكوّت» في القانون الجنائي، ويتناول مختلف المحاكم القضائية وعقوبات الإعدام، ويحوي الكثير عن محاكمة السيد المسيح وعقوبة المرتد عن دينه. وتأتي الأسفار الخمسة الباقية بمثابة ملحقات لهما، وتدور حول القسَم وأنواعه والشهادات وعبادة الأصنام والأحكام والقرارات. وأهمها سفر الآباء ويتضمن التعاليم والأقوال المأثورة عن آباء التقليد اليهودي منذ السنهدرين الأكبر فصاعداً، وهو ملئ بالتعاليم الأخلاقية والأقوال الحكمية المنسوبة في معظمها إلى التنائيم.
السدر الخامس: سدر «قداشيم» أي المقدسات Kodashim ، ويدور موضوعه الرئيسي حول الطقس القرباني والتضحيات المتعلقة بالهيكل، وقوانين المواليد البكر من الحيوان والانسان حسب التوراة ( الخروج 13، العدد 18، التثنية 15، لاويين 27). وترتبط معظم الفرائض والأحكام الواردة في أسفاره بوجود الهيكل، لكن الربانيين في فلسطين وبابل تابعوا اهتمامهم بالطقوس القربانية والعبادات رغم خراب الهيكل وانقطاع الصلة بين الممارسة الفعلية والغرض الرئيسي من وراء تلك الشعائر. وقد قسم ابن ميمون أسفار هذا الجزء إلى ثلاثة أقسام: سفر القرابين وسفر العبادة وسفر القداسة، أما التقسيم التقليدي فهو أحد عشر سفراً.
السدر السادس: سدر «طهوروت» أي التطهيرات Tohorot، ويتصل موضوع هذا الجزء الأخير من التلمود بأحكام الطهارة والنجاسة أو الرجاسة لدى الأشياء والأشخاص، وهي تتعلق بقوانين الطهارة اللاوية (أحكام تستند إلى أوامر الأسفار الخمسة للتوراة وخاصة سفر اللاويين 11-15). كما أنها وثيقة الصلة بالمعبد اليهودي ولا تستقيم بمعزل عنه. وعدد أسفار هذا السدر اثني عشر سفراً.
2ـ الغمارا: Gemara
تعني لفظة الغمارا التكملة أو التتمة، وتؤلف القسم الثاني والأكبر من التلمود، حتى أنها تدعى أحياناً «تلمود». وهي عبارة عن الشروحات والتعليقات التي خرجت عن الأمورائيم على المشنا في كل من فلسطين وبابل، وبسببها ظهرت نسختان للتلمود أحدهما فلسطينية والأخرى بابلية. والغمارا مبنية على الروايات والمواد القصصية والتاريخية والأسطورية، وتركز على العناصر الروحية والوعظية والأخلاقية. لهذا عرفت باسم «الهجادا» Haggadaأي الرواية والأخبار، وصارت تعني الشرح القصصي على سبيل الوعظ الديني، واندرج تحتها: تقاليد الأقوال المأثورة عن الربيين إلى جانب القصص والأساطير المتصلة بحياة القديسين اليهود في العصر اللاحق للتوراة، واشتملت على موضوعات الفلك والتنجيم والطب والسحر والثيوصوفيا والتصوف والأدبيات والفلكلور والتراث الشعبي.
ـ والتلمود الفلسطيني (الأورشليمي) Yerushalmi هو نتاج المدارس الدينية في يمنية وصفورية وطبرية، ويسميه يهود العراق أحياناً «تلمود أرض اسرائيل» و«تلمود أهل الغرب»، وذلك لوقوع فلسطين في الجهة الغربية من العراق. واللغة التي يستخدمها في أقسامه غير العبرانية: الغمارا، هي اللهجة الآرامية الغربية التي كانت منتشرة في فلسطين. أما التلمود البابلي فهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، سورا ونهاردعا وفومبديتا، ونادراً ما يعرف باسم «تلمود أهل الشرق”، واللغة التي يستخدمها هي اللهجة الآرامية الشرقية ـ الأقرب إلى السريانية.
ولاستخدام «ال» التعريف في لفظة «التلمود» بمفردها أهمية كبيرة، فهي تدل على التلمود البابلي حصراً، لتميزه وتفوقه وأفضليته على التلمود الفلسطيني، وذلك لتأثيره الهائل على اليهود واليهودية منذ القرن الثامن الميلاد.
ومن الثابت أن التلمود الفلسطيني الذي وضع أسسه الرابي يوحنان بن نباحه، هو نتاج يرجع تاريخه إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، ويختلف عن البابلي (القرن الخامس الميلادي) من حيث المادة والأسلوب وطريقة العرض واللغة، فمادته غير مكتملة بالمقارنة مع اكتمال البابلي، وعباراته متقطعة ومقتضبة، ويسعى نحو الشرح أو التحليل لنص المشنا دون نقاش، على عكس البابلي الذي يعتمد في تحليله على الأسلوب العقلي و المنطقي، المفتوح في النقاش والجدال دون ترجيح قول على آخر. وقد أسهم هذا في منح التلمود البابلي المنزلة الرفيعة الفريدة بلا منازع طيلة قرون عديدة، مكانة لا تدانيها التوراة أبداً، لهذا تُرجم إلى لغات عديدة. أما الاهتمام بدراسة التلمود الفلسطيني وترجمته إلى اللغات الأخرى فلم يتحقق إلا منذ نحو مائة عام تقريباً ، وبفعل الحركة الصهيونية[ر].
التلمود واليهودية التلمودية
ومن أهم التطورات التي شهدها تاريخ التلمود على صعيد التطور الداخلي لليهودية بين القرنين السادس والعاشر الميلادي ، الفترة المعروفة بعصر الغاؤونيم Gaonic period، هي: اعتماد التلمود البابلي (ق7) مصدراً للنفوذ المطلق ومرجعاً معترفاً به كتقليد ديني، وصارت الأكاديميات البابلية مصدر السلطة المركزية ليهود العالم قاطبة. وأثمرت النشاطات التفسيرية التي برع فيها الغاؤونيم عن المجموعات الفقهية المعروفة باسم «أدب الردود»، والتي أصبحت المعيار الشرعي المطلق لدى الأجيال اللاحقة.
وشهدت هذه الفترة ظهور أول حركة مضادة للتلمودية ومناوئة لسلطة الربانيين، تمثلّت في «القرائية» أتباع التوراة أو المقرأ Mikra، وهم أصحاب عنان بن داوود في القرن الثامن. استمدت هذه الحركة جذورها من بعض العناصر الصدوقية والاسينية، كما ظهر تأثرها بعلم الكلام الإسلامي وعقائد المعتزلة، وتوطدت دعائمها في بلاد فارس ومصر وإسبانية، وانقسم اليهود إثرها إلى معسكرين: رباني تلمودي وقرائي.
وبرز التصوف اليهودي (القبالة) أيضاً كمنازع آخر للتلمود، ما بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر (يهود إسبانية). وانتشرت عقائد القبالة القائمة على التوراة ذاتها (التقليد الموروث) بين اليهود حتى أصبحت في القرن الرابع عشر مركز اهتمام ملحوظ، خاصة بعد تجسدها في الكتاب الشهير بالزوهار (كتاب الإشراق Zohar) الذي يشرح ويعلق على أسفار التوراة الخمسة، ويكشف عن رمزية الروايات والوصايا الإلهية، فيؤلف مضمونه خلاصة التقليد الصوفي اليهودي، فالكثير من تعاليمه ترجع إلى جذور تلمودية يتعلق بعضها بفكرة مجيء المسيح المنتظر وعودة بني إسرائيل إلى فلسطين وقيام الهيكل في موقعه القديم. واستحوذ الزوهار على عقول اليهود وقلوبهم وأصبح المصدر الثالث المقدس بعد التوراة والتلمود للوحي والهداية والإرشاد.
وقد أسهم موسى بن ميمون في إعداد أهم مصنف للفقه التلمودي في القرن الثاني عشر، عرف باسم «تثنية التوراة» (يد هحزاقا Mishna Torah). ويتألف من 14 سفراً، انتهج فيه ابن ميمون المبدأ العقلاني، وحذف الكثير من المعتقدات والخرافات التلمودية السائدة آنذاك. وكان لهذا المصنف الميموني أثراً بالغاً على جميع المؤلفات التلمودية اللاحقة فيما بعد، مثل مصنف «الطور» ليعقوب بن آشر (1280-1340)، الذي أصبح منذ أواخر القرن السادس عشر صاحب السيادة المطلقة على حياة اليهود في إسبانية وأوربة الشرقية (بولندة خاصة).
وقد أدى تسوير التلمود بالسلطة العليا إلى وضع التوراة في مرتبة ثانوية، لدرجة نذرت المعاهد اليهودية أعظم جهودها لدراسة التلمود: «ففي سن الخامسة: دراسة التوراة، وفي العاشرة: دراسة المشنا، وفي الثالثة عشر: الوصايا والتكاليف، وفي الخامسة عشر: دراسة التلمود» (سفر الآباء: ف5).
وليس أدل على منزلة التلمود سوى تلك التشبيهات التي توجد في العديد من أسفاره: «إن التوراة أشبه بالماء والمشنا أشبه بالنبيذ، والغمارا أشبه بالنبيذ المعطر» (الكتبة، سنهدرين رأس السنة وغيرها).
أثر التلمود في حياة اليهود
يعد التلمود مربي الشعب اليهودي ومعلمه، وصاحب الفضل الأول في توجيه عقول اليهود وصيانة الحياة الدينية والأخلاقية في اليهودية وترقيتها ورفع مستواها، وهو أيضاً بمثابة الراية في جمع اليهود وإبعاد الإنشقاق والانقسامات الطائفية بينهم، وتعزيز تماسكهم على صعيد العمل والفكر، وكان بذلك قوة فاعلة في بقاء الشعب اليهودي على قيد الحياة. وأثره على يهود اليوم لا يختلف كثيراً عن تأثيره لدى يهود الأمس بالنسبة للديانة والأخلاق وغيرها من المعتقدات والممارسات. وهو سجل حي لحياة الشعب اليهودي بأسره من شتى النواحي الدينية والثقافية والاجتماعية.
التلمود والحركة الصهيونية
لقد ارتبطت عقائد التلمود وتعاليمه في أذهان اليهود بنوع من العصبية الدينية التي استسهلت فيما بعد قوالب القومية العنصرية، فقد أسهم التلمود في تغذية الشعور الاستعلائي أو التفوق والسيادة إزاء العالم غير اليهودي (شعب الله المختار)، وذلك من خلال احتوائه على الكثير من المعابثات والممارسات والآراء الخرافية (العلاجات العجيبة والسحر والرقيات والتعاويذ إلى جانب تفسير الأحلام) التي تتنافى مع روح الديانة اليهودية. وتضمنه أيضاً أمثلة متفرقة ومنعزلة على الأحكام والمراسيم القاسية ضد أبناء الأمم والديانات الأخرى؛ وتقديمه لشروح وتفسيرات مغالطة للكتاب المقدس.
كما أسهمت بعض التصورات والمفاهيم التلمودية التي تتناول تحقيق النبوءات التوراتية في تصعيد فعالية الحركة الصهيونية نظرياً وعملياً، ومن أهم هذه المفاهيم: التصور أو الرؤيا المسيائية لدى أنبياء اسرائيل، وهو جوهر الإيمان اليهودي حول مجيء المسيّا المخلص المنحدر من نسل داوود وعصره المنتظر (المشنا ـ سنهدرين 94 أ، 90 أ، ف 11)، وعودة «بني اسرائيل» إلى فلسطين لتحقيق دولة الخلاص لليهود والإنسانية جمعاء، و تطور تصورات التلمود للعصر المسيائي من «جمع المنفيين من بني اسرائيل» إلى «رسم صورة معينة لفلسطين» تتعلق بالحدود والتقاسيم، بغية إظهار التباين بين «فلسطين قبل مجيء المنتظر» و «أرض اسرائيل عند مجيئه».
فقد استفادت الصهيونية من عقيدة المخلص اليهودية، وخاصة الصهاينة الأوائل الذين مهدوا السبيل بكتاباتهم في أواسط القرن التاسع عشر وما بعد أمام الدعوة الهرتزلية، أمثال الداعية الصهيوني الرباني يهوذا القالي المتأثر إلى حد بعيد بتعاليم القبالة اليهودية، فقد عكس كتابه «الخلاص الثالث» الأثر التلمودي بوضوح وألّف السدى واللحمة في نسيج الخلاص الصهيوني. كما شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً في مفهوم المسيح اليهودي تمثل في فتاوى ربانيّي اليهود التي قالت بضرورة هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين لاستعمارها كخطوة على طريق تحقيق مملكة الخلاص وظهور المخلص في العصر الألفي، فكان من دعاة هذه الصهيونية الدينية زفي هيرش كاليشر (1795-1874) الذي كتب «البحث عن صهيون» ودعا فيه إلى استعمار فلسطين، وموسى هس الذي دعا في كتابه «رومة والقدس» الذي نشره عام 1862 إلى القومية اليهودية المرتهنة بعقيدة المسيّا وقيام مملكته في العالم ، وذلك استناداً إلى الكثير من الاقتباسات التلمودية، وهنريك غراتس الذي نشر عام 1863 مقالاً بيّن فيه أنه لا يجوز انتظار مجيء المسيح اليهودي المخلص لإقامة الدولة، وأن هذه الدولة هي بمثابة المسيح المخلص. وتشكلت على أساس هذه الأفكار جمعيات مُحبّي صهيون، وزاد عدد أعضائها من اليهود ، ودعم رجال المال اليهود هذه الجمعيات لإقامة المستعمرات الصهيونية الأولى في فلسطين. وكذلك دعوة الصهيوني الراب اليعازر بن يهوذا إلى إحياء اللغة العبرانية، ومناداة ليو بنسكر في كتابه «التحرر الذاتي» (1882) بالقومية اليهودية، وكذلك كتاب ثيودور هرتزل «الدولة اليهودية» (1896) كمحاولة لإيجاد حل عصري للمسألة اليهودية.
ومن الممكن نفي صفة الصهيونية عن التلمود بالنظر إلى تلك الحركات التلمودية الإصلاحية التي ظهرت في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، الحركات التي تؤكد أن التلمود لا يكترث أبداً للطقس الصوفي حول الأرض والتراب والشعب، وأن التشديد الديني في التلمود ينصب على التوراة بوصفه الوطن اليهودي، فقد عمد دعاتها إلى التشديد على القدس كفكرة ورمز، دون جعل الصلوات اليهودية تربط الرمز الروحي بالمكان الأرضي في رقعة معينة، واستشهد دعاة الإصلاح بأقوال التوراة والتلمود في محاولتهم الرامية للحد من سلطة التلمود المطلقة، فأنكر الإصلاحيون مزاعم التقليد الرباني القائلة بأن المشنا والتلمود نزلا على موسى في سيناء، وأصروا على عدهما بمثابة مجموعة من تفسيرات الشريعة يرجع عهدها إلى فترة متأخرة، كما نفوا عنهما كل سلطة إلزامية، وتمسكوا بضرورة فتح باب الاجتهاد لمسايرة التطور واللحاق بركب التقدم، داعمين آراءهم أيضاً بالأسانيد التلمودية.

سوسن البيطار

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





-->

تعليقات الفيسبوك