كيف تم اختراع النقاب ؟ – بقلم: حمودة إسماعيلي

تتميز نساء الحريديم بارتداء النقاب، والحريديم جماعة يهودية بمعنى “التقاة” وتشتهر في الأوساط والثقافة اليهودية بتمسكها الشديد بالهالاخاه : أي مجموع التعاليم والوصايا الأصلية في اليهودية. وهي مشابهة هنا للجماعات السلفية المتشبثة بحرفية النصوص الإسلامية وخلافهم مع أي محاولة تأويل أو تفسير خارج نطاق النص. وتجدر الإشارة إلى أننا في الحريديم نتطرق لجو أقدم – بما لا يقاس – من جو التشريعات الإسلامية، وهي إشارة تخص من يعتقدون أن النقاب بروتوكول إسلامي وليس تقليدا يهوديا.

جاءت التعاليم اليهودية بعد الانفكاك من الأسر البابلي، وهنا نفهم سبب تعظيم اليهود للملك الفارسي قورش؛ فبحسب المرويات الدينية الواهية حول تاريخ هو أشبه بجو الأساطير : قام هذا الملك الفارسي بالسماح لليهود بالعودة لتأسيس مملكة يهوه بعد هزيمته لبابل، التي عاشوا فيها لزمن طويل كأسرى.

ما يهمنا هنا، ليس واقعية أو وهمية هذا التاريخ، بل بناء على ماذا صار الحريديم بهذا الشكل ؟ بما أنهم الانعكاس الأصيل للتعاليم اليهودية.

بابل كانت دولة منفتحة، تعظم الأنثى، متسامحة اتجاه العري و نامية سياسيا لدرجة تشكيل قوانين اجتماعية وتنظيمية. بذلك استلهم اليهود هذه التعاليم السياسية والاجتماعية التي تتضمن السلطة الدينية (الهيكل) والوصايا (لا تقتل لا تسرق الخ). لكن حينما جاء دور تنظيم شؤون المرأة، برزت العقدة البابلية التي كانت تعظم الأنثى وتثني على مواهبها الجسدية/الجنسية – الإلهية بالجوهر – التي مكنتها من الولادة والرضاعة ووهب المتعة القصوى.

تم تغطية هذا الجسد عند اليهود، لإخفاء مصدر الإزعاج النفسي، المحرك للجرح البابلي. وتم اعتبار دم الحيض نجاسة – وهو الدم المقدس عند البابليين لأنه يتحول لأطفال. كانت الأنثى بفترة الحيض تعتبر ملكة، لأن مزايا الألوهية تتكشف فيها؛ ومنها جاء ارتباط الدم الأزرق (لون دم الحيض) بالسلالات الملكية : دم الملوك دم أزرق لا يجب أن يختلط بدم العامة (الزيجات الملكية) لأنه دم صاف ونقي (دم النبلاء بالحقب التالية المنحدرين من الملوك) وهناك موضوع معنون ب”الأنثى والدم الأزرق” لسيد القمني حول هذه النقطة. ومعلوم أن دم الحيض قد يتدرج من الوردي إلى الأسود، فلا حاجة ليقفز علينا أحدهم بتلوناته التحمسية، فالتعبير رمزي.

ولم يكن هذا الدم يشكل عائقا جنسيا عند البابليين، وهو كذلك طبيا، لكنه تحول لدم فيروسي بتأثير انتشار الأدب اليهودي، ووصم فترة الحيض بالنجاسة والعفن، انتقاما من طهارة عشتار البابلية.

باختصار، تم تغطية هذا الجسد الإلهي المقدس، ومنعه من لمس الأواني أو البشر أو حتى أطفاله خلال فترة حيضه، فأثرت هذه العقدة النفسية في الإسلام، بتغطية الجسد الشيطاني، ومنعه من تدنيس الطقوس الدينية الطاهرة خلال دورته الشهرية، وعدم ملامسة الرجال (المصافحة) ليس اتقاء للشهوة والزنى كما بالظاهر، بل بالأصل لأن هذا الكائن مسخ نجس سيلمسك بقذارته، هذه القذارة التي كان يقدسها البابليون الأشرار.

فشخص معقد يفرض عليك لباسا لأنه يعاني من عاهة نفسية غير معالجة، كيف يكون الموقف قناعة واختيارا ؟ إنه (النقاب) لا يعدو – بأصوله – عن كونه أزمة و عَرَض وإشكال سيكولوجي غير محلول، لم يكن يوما رؤية حول الحرية والكرامة وما سواه من تخبطات دينية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك