الرغبة في الظهور.. مرض العصر العربي – بقلم: حمودة إسماعيلي

هناك نقطة حساسة، أود التطرق لها وهي واضحة لدرجة أننا لا نعير لها انتباها نتيجة ألفتنا خلط الأمور وتعمد العماء النرجسي.

هناك رغبة قاهرة بترويج الأخلاق العربية والقيم الإسلامية بالعالم كمنهج وجودي يجب أن تتبعه كل الشعوب ! والرغبة متوارثة منذ أحلام الخلافة بتوزيع الإسلام كالسلع الصينية بكل بقاع العالم للسيطرة على كوكب الأرض وجعله كوكبا مسلما كما أمر الله : يسهل فهم هذا الحلم انطلاقا من التصور العربي الإسلامي القاصر الذي يرى أن حركة التاريخ بدأت من غار حراء وكل ما قبل الوحي يندرج ضمن ما قبل التاريخ والسلوكيات المتوحشة البدائية.

النقطة الجوهرية في القضية، هي أن هذه القيم بعروبتها وإسلامويتها هي قيم مستلهمة من حضارات وثقافات سابقة دون ذكر المصدر، طبعا ليس مفروضا في هذه العملية الثقافية التلاقحية تتبّع أصل ملكية القيم، لكن لا يجوز نسف ومحو كل حضارة ساهمت في تشكيل وخلق مفاهيم حياتية، روحية كانت أم اجتماعية؛ إنها أقصى أشكال الأنانية والشجع والتعويض عن الدناءة والانحطاط بتلبس مجهودات الآخرين ونفي أي علاقة لهم بالأمر ! فلا وجود لحضارة بعمرانها وثقافتها ومعطياتها نشأت لوحدها وبمقوماتها الخالصة كأنها استدعتها هدايا من السماء، هناك ما يدعى بصيرورة التاريخ، حركة امتداد ثقافي. فباحتساب القطيعات الثقافية والقلب المفاهيمي كما في نظرية الانتقال – من مرحلة ثقافية لأخرى مغايرة – عند ميشال فوكو، تظل هناك حركة تغذية.

عندما أعود لغضب وانزعاج وشكوى العديد من نشطاء الشبكات الاجتماعية من سرقة منشوراتهم وإعادة نشرها مع حذف هوية صاحبها – وتنتقل من هذا لذاك حتى تصبح ملكا عاما مجهول الأصل – أفهم أن هذا السلوك هو من أساسيات هذه الثقافة، الثقافة التي تشكل هؤلاء الأفراد الذين يفكرون بهذه المنطلقات : أن كل ما يلفت الانتباه هو لي !
كثيرا ما أصاب بالدهشة عندما أجد مواضيع لي منشورة كدروس ومحاضرات لأشخاص لا علاقة لي بهم. كيف يصبح موضوع أكتبه بيدي ملكا لشخص آخر ! والأكثر أنك تجد الواحد يرد على بعض النقاط عندما يسأله المعلقون على اعتبار أنه صاحب الموضوع ! وأنا هنا أتحدث عن دكاترة وأساتذة يتجاوز الواحد منهم ال50 من عمره وله مركز وسمعة أكاديمية، بل هناك شخص يدعى د.عماد بيومى (مصري يدّعي كونه دكتور في علم النفس بجامعة المنصورة) حقق رقم قياسي في نسب مواضيع لي ومقاطع من كتبي لنفسه لجذب متابعين، وأرجح أن تتصل به منظمة غينيس لتسجيل رقم قياسي في مستوى الدناءة والحقارة التي وصل لها ! هؤلاء وكثيرون يدفعون الواحد لتدريس ابنه في البيت بدل أن يرسل أبنائه للتعلم من أساتذة حقراء يحتاجون لعلاج نفسي ثم إعادة تربية وتعليم، وهلم جرا الروائيين والصحفيين الذي يسرقون قصص الآخرين أو يطمسون مصادر لأجل الظهور. إن الغريب في الأمر أنني أجد إسمي الذي يلصق بعنوان الموضوع (حسب سياسة نشر بعض المواقع) محذوفا والعنوان السابق عليه لا يزال في مكانه، يعني استهدافا متعمدا ل”نزع” ما يعطل آلية الظهور عند المثقف العربي عندما يقوم بإعادة نشر شيء بحسابه أو صفحته – هذا إن لم يستبدله باسمه كما أجد دائما في منشور “14 ملاحظة لاكتساب شخصية قوية” ومواضيع أخرى شبيهة؛ أحيانا لا يتوانى عن هذا حتى الصحفيون (ينقل التقرير فيصبح له) ! الأمر الذي لا تجده عند الغربيين بتاتا ! فهذا اختراع عربي خالص.

أتذكر مرة، اتصلت بي مسؤولة بمشروع علمي تابع لقناة bbc ترغب بدمج فيديو منشور لحركة رياضية معقدة يقوم بها شخص ضمن وثائقي يشرعون في إخراجه، أخبرتها أن الفيديو معروض بالمواقع ولن ينزعج الشخص لو زادوا من ترويج الحركة بدمجه في الوثائقي، أصرت المسؤولة أن أساعدها في كشف هوية الشخص صاحب الفيديو ليأخذوا رأيه ومعلوماته – نظرا لاختصاصي بهذا المجال الرياضي – وقمت عبر معارفي في نفس المجال للتوصل لمعلومات للاتصال به، ولم تكن القناة لتلمس الفيديو دون التواصل مع صاحبه لأخذ رأيه ومعلومات عنه، وهو ما تم بأن قدم عنده فريق العمل من مقر القناة بالمملكة المتحدة لتصوير الحركة بشكل أفضل.

قارن هذه الثقافة، بثقافة طمست ثقافات عريقة واستولت على منتجاتها بنسبها لها كالحضارة السورية والمصرية والخليج الفارسي وشمال أفريقيا الأمازيغي؛ أنا من المغرب ولا وجود لكذبة العادات العربية، عاداتنا أمازيغية (الطبخ وأفراح الأعراس والولادة كمثال) ونتحدث العربية ونقيم أعيادا إسلامية.. وهذا ينطبق على كل الجهات المدعوة عربية؛ يتحدثون العربية نعم لكن لا يعقل أن تأتي وتقول لبنان العربي هكذا كصحفي مخبول ! وجينات اللبنانيين لا تزال فينيقية كما أكدت دراسة منشورة مؤخرا.

أعتقد لو أن أرسطو لم يكن كافرا بنظر الإسلام، لتم الاستيلاء على كتبه، لكن اقتصر الأمر على الترجمة بغرض الموائمة لأنه يصعب على فقهاء الإسلام هضم مفاهيمه (تبنيها) جملة بإلحادها وضلالها الصريح. وبدأ مرة أخرى مرض الظهور والرياء بأرسطو الذي اكتشفه الإسلام وقدمه للغرب ! وهو بالأصل غربي : فاسمه أريسطوطليس تعني بالإغريقية “أجمل غاية” وليس عبد الحميد بسبوسة.

حط الشاعر الفلسطيني والزجال الغني عن التعريف سعود الأسدي على مكمن الخلل في هذه الثقافة، بمقطع مما كان قد كتبه لي :

“نحن أمة تنكّرنا لحضارتنا قبل الإسلام ومحونا الميثولوجيا ولم نعرف جلجامش وقلنا ‘أساطير الأولين’.
بالله عليك كيف تستطيع أمة أن تجدّد شبابها بدون أساطيرها وتراثها لتبني من جديد؟
أقول ذلك قياسًا على أوروبا التي تحرّرت من سطوة الكنيسة ونير البابوية عندما ضخت في عروق أبنائها الثرات الأسطوري والملاحم فابدعوا الشعر والفكر والموسيقى والرسم والنحت والتمثيل. إن كل عبقريتنا الشرقية في مئات المقامات الموسيقية لم تخلق لنا أوبرا واحدة. فكيف لنا أن نخلق فيلسوفًا من تراثنا؟
يكفينا ما يطلع علينا من ‘مفكرين’ في الفضائيات العربية ينافحون عن أمرائنا وملوكنا ورؤسائنا.
ألا لعنة الله علينا يوم نموت ويوم نبعث من قبورنا، وسنكون مخزاة من المخازي وسوف لا يفاخر بنا الأمم إلا بكثرتنا وقلة بركتنا.
وأشكرك على ما أعطيته ونفعتنا به والسلام”.

يجب أن نتوقف عن النسخ واللصق، والطمس والاستيلاء، وحب الظهور الفارغ.. في الغرب حتى لو اشتهر أحدهم بالتفاهة، تجدها تفاهته أي إنتاجه الخاص، سرعان ما يتحول لفن مرتبط به. هنا حتى التفاهة تجدها مسروقة ومنسوخة ! لأنه من الصعب فرز إنتاجنا (إن كان) عن الإنتاجات المجاورة المطموسة والمسلوبة بعبقريتنا الاستيلائية.

من الطبيعي أن يرغب الإنسان بإظهار نفسه أو ثقافته، لكن أن يتم ذلك بإنتاج، أن يظهر بشيء – كفرق بين الظهور والإظهار – من المستحب أن يكون الظهور ب”إظهار” شيء/إنتاج/تجربة وليس عبر التبجح بإعاقات نفسية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك