طبق خضار عبد الناصر ومذكرات عمرو موسى – بقلم: سامح عبد الله

العنوان طويل بعض الشيء لكنه كان ضروريا ،فلا كان بالإمكان اختصاره إلى أقل من ذلك ولا كان من الإمكان اختيار عنوان غيره.
ودعوني أولاً أشير إلى أن الأمر ليس بالهين وأنه يتعدى بكثير مضمون بضعة أسطر تقول إن عبد الناصر كان يأكل طعاما يأتي به موظف رسمي من “سويسرا ” ولا في الرد على هذا بالنقد أو النفي أو الهجوم.

أقول أن الأمر يتعدى هذا وذاك بكثير.

لماذا إذن ؟

أقول وبكل بساطة لأن تجربة عبد الناصر بشأن العدالة الاجتماعية تكاد تكون التجربة الوحيدة التى نجت من بعض سهام التجريح التى وُجهت بغير هوادة إلي رجل كان يمكن أن نعتبر ما قام به تجربة إنسانية من تجارب التاريخ الممتدة والمتلاحقة، لكن هذا لم يحدث.

فقد تخطت تجربة عبد الناصر حدود السرد التاريخي كما أنها تعدت في حينها حدود الحدث، إنما هى في الواقع كانت جزء من تاريخ هذا الوطن وهذه الأمة، بل وجزء من تاريخ العالم الذى لا يكتمل إلا عندما نقول إن رجلا يظهر في الشرق الأوسط يصيب ويخطئ ينجح ويتعثر.. ينتصر وينهزم وينتفض ثم يموت!

والحقيقة التى آراها أن تجربة جمال عبد الناصر بشأن العدالة الاجتماعية لم تترك آثارها على جيل بمفرده، بل تعدت آثارها إلى أجيال وأجيال..!

يمكنك أن تقول – وهذا حقك – أنه فتت ملكيات الأرض الزراعية بقوانين الإصلاح الزراعي، لكن هل يمكنك أن تحجب حقيقة مفادها أن بضعة فدادين لا تتعدى ثلاثة قد صنعت مجتمعا آخر يصبح فيه ابن الفلاح مهندسا وطبيبا وأستاذ جامعة، ثم وزيرا ودبلوماسيا إلي آخره..!
هل يمكننا أن نحجب حقيقة مفادها أنه كان مجتمعا غابت عنه الفروق الصارخة بين الطبقات!
هل يمكننا أن نقول إنه كان مجتمعا من سادة وعبيد!

بالطبع أنا لست في دفاع أعمى عن تجربة أعلم أنها مثل كل تجربة إنسانية يصيبها الصواب والخطأ، كما أعلم أنها كان ينقصها التعددية الفكرية بما كان ضروريا لنجاحها بالشكل الكافي.

وأنا هنا لا أريد أن أكذب رواية السيد /عمرو موسى أو أصدقها التى أوردها في مذكراته، والتى صدرت منذ أيام قليلة ورغم أنني أمتلك شواهد عديدة تثبت لدى- على الأقل – أن عبد الناصر لم يكن هذا الرجل الذى تشده رفاهية طعام أو جاذبية ملبس، فحياة مثل التي عاشها عبد الناصر كانت تبتعد به حتماً عن هذا وذاك. وأنا لا أريد أن أكرر مواقف كثيرة تدلل على ذلك أضحت من المتواتر عليها، مثل طريقة ملبسة ونوعية ملابسه التى كانت من إنتاج مصانع الغزل والنسيج المصرية، وغذاؤه الذى كان طبق من خضار وقطعة لحم وحفنة من الأرز وقطعة من خبز أسمر- بلدي-، لكننى أريد أن أبتعد بعبد الناصر عن هذا الإطار الضيق الذى لا يليق بحجم تجربته التى لها وعليها.

أريد أن أتحدث عن أحد نجوم القرن العشرين الذين تأبى سيرتهم على النسيان بقدر ما نتقق معهم وبقدر ما نختلف عليهم.
أريد ألا أختزل عبد الناصر أيها السادة بين نقطتين إحداهما طبق خضار والأخرى وجبة غذاء ساخنة تأتي له من بلاد الألب!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك