الأساتذة الذين يعنفون التلاميذ يعانون من اضطرابات نفسية – بقلم: حمودة إسماعيلي

كثيرا ما يدفعنا للاستغراب، ذلك الصراخ الناتج عن الفرح والهرولة الهستيرية لدى الأطفال عند الخروج من المدرسة ! وكأن الحدث انفكاك من الأسر، معتقلون يهربون من معسكر نازي للأعمال الشاقة وليس انتهاء من حصص تعليمية، مفيدة لعقولهم وحياتهم.

ولو تعمقنا في القضية، سنجد أن الطفل لا يفرق بين المدرسة والجحيم، جحيم يديره شياطين، وهم بالتالي الأساتذة. طبعا يسهل تفسير هذا الارتباط الشيطاني في مخيلة الطفل، طالما أن الطفل يشعر بأنه يترك الجنة أي بيته وألعابه واهتمام وتفهم أفراد عائلته، ويأتي لمن يصرخون في وجهه ويعنفونه وما سواه من وسائل القمع التعليمي الممارس ضده.

لا أنفي أن للأطفال جانبا فوضاويا ومشاكسا ويثير العصبية. لكن لا يحق للمعلم مهما تبدى من الطفل أن يضع يده عليه، فبالأخير هو تعب سنين وقرة عين أب وأم؛ إضافة إلى أن المعلم يمثل مؤسسة وليس سيدا رومانيا يمتلك العبيد ! عملية المعاقبة يجب أن تتم بشكل إداري، فالتلميذ لا يخرج من المستنقع أو ينزل من الشجرة، بل يأتي من أسرة، من منظومة اجتماعية، بهوية ووثائق ورسوم تسجيل ليأخذ له موقعا بالمؤسسة تمكنه من تلقي احتياجه المعرفي، وليس معتقلا بسجن أبو غريب.. بل وحتى بالمؤسسات السجنية لا يحق لأي جهة تعنيف النزلاء، لأننا حينما نتحدث عن مؤسسة فنحن نتحدث عن تمثيل سياسي لمفهومي الحق والعدالة الاجتماعيين، وليس الثأر الفردي، فكل موظف (منتمي) للمؤسسة هو بشكل عام ممثل للمفاهيم التي تنبني عليها المؤسسة، وهذا كله عبارة عن منظومة مضبوطة يخضع لها، لا يرتجل بقوانين من تلقاء نفسه.

فأن يأتي الأستاذ ويفرغ مشاكله النفسية في الطفل، بناء على خرافة السهر على مصلحة التلميذ، فالأمر لا يعدو كونه عملية تغطية اضطرابه النفسي بطابع أخلاقي عائد للقرون الوسطى، حين كان يسمح لأفراد المجتمع بمطاردة الساحرات بالأحجار والمشاعل.. لا يمكن تعليم الطفل بالعنف، بل حتى الحيوان لا يتم ترويضه بالعنف – الفيديوهات المسربة لترويض حيوانات السيرك بالضرب تؤدي لغلق السيرك – ونحن لا نزال مترددين في التعامل مع الأساتذة المعنفين للأطفال كمرضى نفسيين، ففي الدول الأوروبية يتم تحويل الأستاذ مباشرة للاستشارة النفسية إذا قام بتعنيف التلاميذ شفهيا ! شفهيا أكرر، وقد يتم إيقافه عن العمل بناء على تقريره النفسي.

دور الأستاذ هو تقديم المعلومة – التي صار بالإمكان الوصول إليها بسهولة في عصرنا التكنولوجي، وليس ترويض الأطفال كنمور السيرك، فحينما يأتي أولياء الأمر بأبنائهم وبناتهم للمؤسسة التعليمية، فلدمجهم ببيئة حضارية يتعلم فيها المعنيون كيفية تشكيل دورهم الاجتماعي، وليس تحمل جنون الأستاذ. إن لم يكن قادرا على تحمل جو ومسؤولية الدور، فبإمكانه رعاية الغنم أو تدريب اليوغا في أجواء هادئة وطبيعية. أو نترك الأطفال تدرس في البيت مع أجهزتهم الإلكترونية.

لا يزال البعض ممن يتشبثون بفكرة أن قسوة الأستاذ تصنع الإنسان الصالح (لهذا تصنيفنا يرجع لما بعد المئة في جودة التعليم منذ الخليقة) وأنا أقول لما لا نعود للعصور التي يحق فيها للملك قطع رؤوس المواطنين دون محاكمة ! الضرب في التعليم شيء بدائي ووحشي، كفانا من متلازمة ستوكهولم وتوريث الجهل والقمع والعبودية في الأطفال، ولأجل من ؟ معلم قد يكون مريضا نفسيا ! سيلقنهم ماذا ؟! أن يكبروا مشوهين فارغين وسطحيين يباركون مثل آبائهم أيام كانوا يعذبون في المدارس ! وبالأخير ماذا ؟ لم يخترعوا لنا هؤلاء الصالحون الدارسون تحت رحمة سوط المعلم شيئا أو يضيفوا للساحة العلمية أي اكتشاف ثوري ! مجرد كلام فارغ وسلوكات جعلتنا نحتل أولى المراكز العالمية في إهانة النساء والقمع والبطالة والجرائم الغبية.

بالدخول المدرسي قامت المؤسسات التعليمية بجرد ملاحظات حول مظهر التلاميذ (قصة الشعر والملابس إلخ) بالمنع لكل من يخالف التعليمات. التلاميذ بسنغافورة يخالفون هذه التعليمات (طبعا لا وجود لهذا الخرف التحذيري بالمؤسسات هناك) ومع ذلك يحتلون المركز الأول عالميا بجودة التعليم متقدمين على ألمانيا و الدول الإسكندافية. فكيف تقوم للمعلم توفه التبجيلا وقد يكون مخبولا آشمن رسولا !

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك