عبد الناصر ليس كهنوتاً – بقلم: سامح عبد الله

لكل زعيم سياسي خصومه..هذه حقيقة فى التاريخ وعبد الناصر شأنه شأن أى زعيم سياسي له خصومه وهذا منطقى أيضاً ، فجمال عبد الناصر جزء من تاريخ هذا الوطن بما له وما عليه . إنه تجربة حكم بإنجازاتها وأخطائها بأيام الإنتصار فيها ومرارة الهزيمة بها ..عبد الناصر كان تجربة حكم فريدة لكنه أبداً لم يكن خرافة ولم يكون كهنوتاً .

كان لعبد الناصر خصوم ومازال ..وكان له مناصرون ومازال لكن الغريب أن يكون من بين خصومه هؤلاء الذين يقولون إنا ناصريون !
بعد رحيل جمال عبد الناصر كتب الأستاذ هيكل مقالاً فى ذكرى أربعينه بعنوان ” عبد الناصر ليس أسطورة ” كان يقصد أن جمال عبد الناصر تجربة إنسانية بإنجازتها وإخفاقاتها ..لم يتضمن المقال أكثر من هذا المعنى لكن أعضاء من اللجنة المركزية للإتحاد الإشتراكى دعوا إلى إجتماع عاجل وطالبوا بتوجيه تهمة الخيانة العظمى لهيكل لأنه قال أن عبد الناصر ليس أسطورة !

هؤلاء هم صناع الطواغيت وتجار الآلة الجدد..تجدهم فى كل عصر ومع كل زعيم .

هل تعلمون أن من بين هؤلاء كان أول من إنقلب على عبد الناصر وعلى تجربته عندما إستقر حكم خلفه !

عبد الناصر حكم مصر لمدة ستة عشر عاماً وإذا إستثنينا فترة حكم الرئيس محمد نجيب فخلال هذه الفترة كانت هناك إنجازات وكانت هناك أيضا إخفاقات .

وعبد الناصر فى ظني لم يكن هذا الرجل الذى تطربه كلمات الرياء والنفاق حتى ولو كانت هى الأجواء السائدة حوله وكان يدرك أن ما تحقق من واقع لم يكن على قدر الحلم . ولو تسألني أى المواقف التى تبهرك فى تجربة الرجل سأقول لك بغير تردد إعترافه بأخطائه ! هكذا كان قرار تنحيه عقب هزيمة 5 يونيه 67 الذى أراه رغم تشكيك البعض فى جديته إعترافاً صادقاً لقائد كسرت شوكته الحرب ورغم خطورة نتائجه إلا أنه كان على إستعداد كما قال هو أن يُشنق فى ميدان التحرير..وهكذا كان بيان 30 مارس 68 ..رجل يعترف بكل أخطاء المرحلة ويتعهد بعصر جديد خالياً منها ..تحدث فيه عن الحريات..تحدث فيه للمرة الأولى عن الديمقراطية بمعناها السياسي. خرجت المظاهرات ضده للمرة الأولى دون أن يبطش بها أحد.

يقول حسين الشافعى أنه كان بمرافقة عبد الناصر فى رحلة بالقطار إلي مرسي مطروح وعندما شاهد عبد الناصر عمال التراحيل من نافذة القطار قال له ” الثورة ماوصلتش للناس “.

هكذا كان عبد الناصر تجربة حكم بكل ما تعنيه الكلمة ، كان يدرك أوجه النقص قبل أوجه الكمال فيها . كانت هناك عدالة إجتماعية لكن كان هناك نقص فى الحريات الشخصية بمعناها التقليدى.. كانت هناك تجربة إشتراكية لكنها لم تنجو من فساد بعض جوانبها.. كان هناك حلم القومية لكنه لم ينجو من أنياب المؤامرة والمتآمرين. بإختصار كانت هناك تجربة حكم لها وعليها .

عبد الناصر لم يكن حلماً أو خيالاً..عبد الناصر كان دولة بإنتصاراتها وإنكساراتها..بإنجازاتها وعثراتها.. عبد الناصر ليس أسطورة أو أقصوصة نتذكرها فى يوم ميلاده.. عبد الناصر ليس قبراً أو ضريحاً أو بكاءاً أو عويلاً.. عبد الناصر ليس قصيدة رثاء تُقال فى ذكرى رحيله ولا هو حفل تأبين يقام كل عام . عبد الناصر كان يدرك أنه تجربة حكم.. فقط تجربة حكم فمتى يدرك الكهان هذا !

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك