النساء والانفجار العظيم.. مقال حول أعظم سؤال في الكون – بقلم: حمودة إسماعيلي

في الواقع هناك سؤالان وليس سؤالا واحدا، فلو أخذنا سؤال “ماذا حدث قبل الانفجار العظيم ؟”، مباشرة سيطل علينا ستيفن هوكينغ (أشهر فيزيائي) والذي اعتبر ضمن معرض نقاشات Reddit AMA (ريديت اسألني عن أي شيء) أن المرأة هي أعظم لغز كوني ! لا مشكلة.. سنبدأ بحركة زمنية من المرأة عائدين لما قبل الانفجار العظيم :

حاول العديد من الفلاسفة فهم المرأة ولكن بتعبير مجازي أرادوا وضع الكحل في العين فآذوها ! منذ عهد الإغريق والفصل واضح بين الفلسفة كممارسة ذكورية وغسيل الملابس بجانب الوادي كممارسة أنثوية؛ حتى الفيلسوفة الوحيدة التي استطاعت تحقيق شهرة وتأثير، تعرضت للاعتداء والضرب حتى الموت من جانب المسيحيين المتعصبين، والحديث عن هيباثيا الفيلسوفة الغنية عن التعريف.

جاء فرويد، هذه الشخصية التي اختزلت تاريخ البشر في كلمة (أو بتعبير أدق في نظرية) وهو أيضا صرّح بأن أعظم سؤال/لغز (قبل ستيفن) هو : “ما الذي تريده النساء ؟”. وهذا سؤال اشتهر لديه بلا إجابة.. مع أنه قام بالإجابة عليه بكلمة واحدة (التي تختزل التاريخ البشري) كما ذكر المقربون، وقال Penisneid أي “الرغبة في القضيب”.

ولفهم هذا الطرح الرهيب يلزمنا أن نفهم بالأساس كيف توصل فرويد لهذا العجب : يبدأ الوعي مع إدراك الطفل للمحيط، الطفل يتعامل مع العالم من خلال الجسد الخاص به، والكون عنده أن يأكل ويلعب وينام، ويظل دائما بالقرب من الماما – طالما أنها الشخص الذي يلبي كل احتياجاته. ولكن يجب أن ندرك أن الطفل محكوم بالتعاطي مع الواقع، أي سرعان ما سيبدأ بتدارك اختلالات وأمور غريبة. طبعا عاجلا أو آجلا سيرى جسد الآخر (مثلا عندما تقوم الأم بتحميمه مع أخته أو يسبح مع أطفال آخرين) هنا الطفل يلاحظ خللا – الولد يلاحظ أن البنت لا تمتلك قضيبا والبنت تلاحظ أن الولد لديه شيء لا تمتلكه – بعقلياتهم البسيطة يفهم الولد أن البنت قامت بسلوك غير مستحب وتم نزع القضيب منها كعقاب (ولنتذكر تهديد الختان عندما يتم التخويف بالنداء على صاحب المقص إذا لم يحسن الصغير التصرف) طبعا من يتكفل بالعقاب غالبا هو “الأب” (الأم دائما نبع حنان).

هنا يظهر خوف مضمونه أن من الممكن أن يتعرض الولد لنفس العقاب ويصير مثل البنت؛ أما البنت فشيئا شيئا تدرك أن هناك نقصا بها – أي أنها ولد غير مكتمل.

اجتماعيا نحن محكومون بهذه الصورة : فالقضيب كرمز ذكوري، يجمع عدة خصائص ومميزات (وهي مميزات رجولية) مثل العمل والمال وإثبات الذات والكلمة المسموعة. هذه المميزات لا تصبح مرتبطة بالجنس (ولد/بنت) إنما ببنية القضيب. فالرجل بدون عمل، بلا مال، وغير قادر على إثبات ذاته، وكلمته غير مسموعة، يشعر بالتالي أنه مخصي (بدون قضيب)؛ والأنثى كذلك من جهة أخرى، بدورها تتقاتل لحيازة هذه المميزات (القضيب) سواء بإدارة شركتها الخاصة كشكل مباشر أو تسيطر على رجل ثري (كحيازة قضيب) بشكل غير مباشر. أو يظل هناك حل – طالما أن الأنثى بالأصل مخصية – وهو إنجاب ولد (فكرة يحتمل أن فرويد طورها من نيتشه) بما أن الولد ينزل من جسد المرأة مثل القضيب، بل قضيبا كبيرا بكل رمزيته. وتتمسك بهذا القضيب وتشكّله كيفما تريد، حتى يظل دائما بحوزتها ولا تعود مخصية مرة أخرى ! وهنا تأتي دلالات سيطرة الأم على حياة الإبن (عقدة يوكاسته) ومشاكل غيرتها من زوجته.

لماذا هذه البنية ؟ نوال السعداوي انزعجت من هذه الرؤية وأوضحت أن القضيب بهذه الأهمية لأن التاريخ مكتوب ومصاغ من طرف رجال، وليس هذا فقط، بل تضيف بأنهم رجال جبناء ظلوا خاضعين لمخاوف الطفولة : فلأجل ماذا كل هذه الأوهام حول القضيب (الضخم في الرسومات والنكت وكذب الأصدقاء) ؟

الإجابة بسيطة لأن الرجل لم ينفك عن خياله الطفولي الذي يصوّر له بأن فرج المرأة كهف أو بالوعة قادرة على ابتلاعه ! فحَول العملية الجنسية التي تهدد الرجل بأن يتم ابتلاعه فيها كطفل، ينبثق الهوس بقضيب كبير كأنه قادم به إلى الحرب. والحرب هي تاريخنا، تاريخ PTSD أي المصدومين عند باربرا ويتمر، وهي (الحرب) صانعة المعاني عند فوكو، من ضمن ذلك معنى القضيب كسلاح ! مع العلم أن الأصابع واللسان لهما دور لا يقل إن لم يكن يتجاوز القضيب.

بذلك، وبظل ثقافة ذكورية تفرض على المرأة أن تظل محمية ومخفية من وسط فيه قضيب وهي تفتقده – الأمر الذي قد يؤدي لاختراقها واغتصابها، أي بمعنى جعلها غير صالحة للاستعمال (سلعة معطوبة) – المرأة هنا تعيش (وتنمو نفسيا) في خوف وحذر وكره لهذا الجسد الضعيف، الناقص/غير المكتمل، النجس كذلك من جانب الدين.

ومن الصعب توقع تصرفات إنسان في ظل الخوف، فالشخص المرعوب سيتصرف بناء على الحدس، والبحث عن موقع أمانه الخاص (لا وقت أو مجال لديك لإفهامك شيئا عنه)، فما بالك بمن تشكلت بنيته النفسية وشخصيته على الخوف والحذر، ماذا تتوقع منه ؟ أي أنه تحت أي ظرف سيشعر فيه ولو بأدنى نسبة من التهديد، ستتحفز لديه غريزة الخطر وينقلب ويسعى للتخلص أو التهرب من الموقف. هنا نحاول منح صورة عامة للفهم.. فبالتالي جل هدف المرأة هو الأمان، من الممكن حسب أسباب نفسية أن ترى الأمان في المال وتبدو لك مادية، أو في كثرة الأصدقاء والتسكع معهم وتبدو لك مستهترة – ولا ننسى أننا لا نرى أنفسنا، فمن الممكن أن نبدو نحن كذلك ماديين أو مستهترين في أعين الآخرين.

الأمان تفهمه المرأة في حب الأم والأب (أو أحدهما)، فغالبا هما نموذج الأمان لديها، كما يتضح لها في تجاربها الحياتية. لماذا بعض الإناث، دون حاجة لقول الأغلبية، لا يعدن يفكرن سوى في الزواج : لأنهن تربين باقتناع أن الأمان هو الانتقال من قضيب إلى قضيب؛ هل فهمت ؟ من رعاية/حماية الأب إلى رعاية/حماية الزوج – ليس بالضرورة حسب المعيار الاقتصادي (تَصْرِف عليها) ولكن بحسب المعيار الاجتماعي، أو كما يقال بالمصرية “ظل راجل ولا ظل حيطة”، بغض النظر عما قلناه حول الولادة.

متى تجد الأنثى الأمان ؟ مثلما قلت، حين يتجسد أمامها حب الأب/الأم أو الأمان الأولي : أي عندما تشعر أن هناك من يحبها فعلا. وهذا لا يتبدى لها من دون تأكيد فعلي، سلوكات تدل على الحب. لهذا تجد علاقات الإناث بينهن مفهومة وعميقة أكثر من علاقة الأنثى بالذكر، لأن الأنثى تجد في الأنثى ما لا تجده في الذكر. والسبب طبعا هي الطبيعة النفسية المتشابهة التي تمكن النساء من تفهم وتشارك المخاوف والمشاعر والاهتمامات. الرجل بالنسبة للمرأة – حتى لو كانت تعشقه – هو دائما بنظرها ضبع ! حتى لو صار ستيفن هوكينغ، طالما هو عاجز عن فهم أن كل ما تريده هو الحب الذي يشعرها بالأمان.

حين تصل الأنثى لهذا الإحساس تصبح فراشة – الشِّعر والروايات مليئة بهذا التصوير – تشعر بالحرية والتلاؤم مع الكون، الذي يهمنا أن نعرف من أين أتى ؟

بالنسبة لما قبل الانفجار العظيم، فالصورة ظلت ضبابية لعهود وقد نقول مظلمة، فسعى الفيزيائيون عبر مختلف النظريات محاولة تسليط بعض الضوء على ظلام هذا اللغز.

نشرت وكالة ناسا تعريفا بالنظريات التي تطرقت لهذه المسألة (من إعداد جون بارو). وبالنسبة للنظرية التي تهمنا هنا والتي أشارت لها الوكالة بأنها الأبرز لحد الآن، فهي نظرية “الكون المتعدد الفقاعي”.وسيسهل فهمها من خلال هذا المثال : تخيل وعاء من الماء الساخن الذي وصل لدرجة تشكيل فقاعات على السطح نتيجة الغليان، ولنعتبر أن هذه الفقاعات هي أكوان، بمعنى أن الكون الذي نعيش فيه هو مجرد فقاعة ظهرت من بين عدة فقاعات أخرى.

بحسب النظرية، هذه الفقاعات هي فقاعات مختلفة نسبيا فيما بينها حتى لو تشابهت في الخصائص (مثل اختلاف الإخوة أو البشر إجمالا). ولكن ليست أي فقاعة تصبح مثل الكون الذي تقرأ فيه الآن؛ فالأمر شبيه بالماء الساخن، الفقاعات تظهر وتختفي، لذلك تحتاج الفقاعة أن تظل مدة من الزمن، لتستمر (تتمدد) ويظهر كون كالكون الذي تعيش فيه. فيلزمها أن تظل على الأقل لمدة عشرة مليار عام، حتى تقدر على إنتاج المادة وتشكيل النجوم؛ وهذه النجوم بدورها تتمكن من إنتاج عناصر مثل الكربون والأكسجين، ثم بعدها نستطيع الحديث عن ظهور الحياة وتطور الكائنات الحية وتنوعها وصولا لجيران الحي.

هنا الفقاعة اتسعت وصارت أبرد، ولكن بعملية تمدد دقيقة (كأن القياسات ضمن DNA الكون) فلو تم التمدد أسرع بقليل فإن الكون سيسيح ولن يتم تشكيل المادة ضمن هذا التسارع، ولو حدث وتم التمدد بشكل أبطأ فسيتقلص الكون ويرجع ليختفي.

صحيفة الدايلي مايل البريطانية نشرت تقريرا حول قيام العلماء ببناء نماذج مصغرة في الحاسوب لفهم مسألة الفقاعات الكونية المتصادمة في بينها.. ولكن السؤال هو : ما هو هذا الماء الساخن المسبب للفقاعات الكونية ؟ وكيف يمكن إثبات وجود فقاعات أخرى طالما أن نظرنا محدود بالأفق الكوني – أي أن كل ما يقع خارج فقاعتنا لا يدخل مجال الرؤية وبالتالي القياس ؟

هذا الماء الساخن الذي يغلي وينتج فقاعات، بديله الكوني هو مجال طاقي يسمى حقل هيغز، لأنه مرتبط بجسيم يسمى بوزون بيتر هيغز، لو كنت أنا من تنبأ بوجود هذا البوزون فكان سيدعى بوزون حمودة إسماعيلي. هذا الجسيم هو الذي يمنح للجسميات الأخرى (في تفاعلها بالمجال طاقي) “كتلة”، حتى تتمكن هذه الجسيمات عبر عمليات تفاعلية فيما بينها وضمن المجال، من تشكيل كون مادي. وبذلك تصدر هذا البوزون لائحة المطلوبين في علم الفيزياء الفلكية لحوالي 50 عاما؛ إلى أن جاء يوم أعلن فيه معهد سيرن للأبحاث النووية، أن المعهد رصد جسيم بخواص شبيهة بخواص بوزون هيغز. مباشرة ذهبت جائزة نوبل في الفيزياء لسنة 2013 إلى كل من بيتر هيغز و فرانسوا انغليرت، تقديرا لأبحاثهما في هذا الشأن. لأنه عندما تتحدث عن بوزون هيغلز ف”قم وقف ونتا بتكلمني” ! لأنك عندها تتحدث في نشأة الكون وحول عنصر مرتبط بما حدث قبل الانفجار العظيم.

لأن كونا أو فقاعة مثل التي نعيش فيها هي بحاجة لحقل هيغز حتى تظهر، فبتحول بوزون هيغز من مجال الطاقة للمظهر الفيزيائي (عن طريق التفاعلات) هو الأمر الذي يسبب ظهور هذه الفقاعة التي تقرأ فيها هذا الموضوع.

قد يجد البعض صعوبة في تقبل هذه الفكرة، نشوء كون ضخم من مجال كمي تتفاعل فيه الجسيمات والقوى والطاقة، لكن تذكر دائما فكرة بسيطة، أنك أنت بضخامتك جئت من تفاعل عناصر بسيطة في رحم أمك، فقضية الكون هي قضية الزرافة أو الفيل الضخم الذي يأتي من عناصر صغيرة تفاعلت فيما بينها. وشكرا.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك