هل كذبنا على الرسول باسم السياسة؟! – بقلم: سامح عبد الله

“استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذى نعمة محسود”. انتهى الكلام عزيزي القارئ ،وبكل تأكيد كلام جميل وسهل ومرشح بقوة لأن يصير من مقومات سلوكك وما أكثر هؤلاء الذين استعانوا على قضاء حوائجهم بالكتمان وكذبوا باسم الكتمان وبخلوا على أنفسهم وعلى الناس باسم الكتمان. هذه الكلمات أجمع الشراح على أنها ليست من الحديث أو على الأقل حديث في درجته القصوى من الضعف . وهذا يعني أن كلمات صارت تُردد نسبة إلى الرسول الكريم طوال قرون دون أن تكون حديثاً وهذا يعني أيضاً أنك تكاد تكون مثلما من ينحت فى الصخر عندما تأتي اليوم لتقول لمن استقرت هذه الكلمات في نفسه وانعكست على سلوكه ومنهاج حياته أنها ليست حديثاً وتطلب منه أن يقتلعها هكذا من رواسخه.

هنا يقترب الأمر من المستحيل، إن لم يكن المستحيل بعينه، لاسيما مع كل هذا الانغلاق الفكري والعقلي الذى نعانى منه اليوم على السواء. والعبارات والمقولات التى على شاكلة هذه كثيرة جداً جداً، وبدت تحتل للأسف مرتبة في عقول الناس ونفوسهم أكثر من النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذا واضح من كثرة ما نتداوله منها على أنها أحاديث، وهى ليست كذلك.

هذه المعضلة الكبرى لم تكن وليدة اليوم أو حتى الأمس القريب.

لقد كانت منذ عصر الرسالة نفسها، ومنذ أن قال الرسول لنا وبلغة تقترب من التحذير ” لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن. ومن كتب شيئاً غير القرآن فليمحه”. ولقد أراد عمر بن الخطاب أن يتدارك كثرة ما شاع وذاع عن الرسول بعد موته، فأراد أن يكتب السنن لكنه عدل عن ذلك وكتب إلى عماله في الأمصار”من كان عنده شئ فليمحه”. لكن الأحاديث ظلت بعد ذلك تتوالد وتتداول حتى جُمع منها ما صح أو ما قادنا الترجيح إلى ذلك.

دعني أحيلك عزيزى القارئ إلى ما قاله حرفياً مفكر كبير هو دكتور محمد حسين هيكل في مؤلفه العظيم “حياة محمد”، يقول المفكر الكبير: “ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخارى من مشاق وأسفار فى مختلف أقطار الدول الإسلامية لجمع الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنه ألفى الحديث المتداولة تُربى على ستمائة ألف حديث لم يصح لديه أكثر من أربعة آلاف، وهذا معناه أنه لم يصح لديه من كل مائة وخمسين حديثاً إلا حديث واحد. أمَّا أبو داود فلم يصح لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة.وكذلك شأن سائر الذين جمعوا الحديث وكثير من الأحاديث التى صحَّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء انتهى بهم إلى نفى الكثير منها”.

هذه هى كلمات المفكر الكبير نقلتها حرفياً من المؤلف سالف الذكر، والأمر فى منتهى الدقة ويحتم علينا أن نتساءل وبكل حرص على ثوابت هذا الدين. من الذى نقل عن الرسول ستمائة ألف حديث ؟! وكيف يصل ما نُسب إلى الرسول ورُوى عنه إلى هذا العدد المقلق للغاية؟! فإذا كان ذلك شأن الحديث ،وقد جهد فيه كما يقول المفكر الكبير جامعوه الأولون ما جهدوا، فما بالك بما ورد فى المتأخر من كتب السيرة؟! وكيف يُستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمى فى تمحيصه؟!

وهل لى بعد ذلك أن اتساءل برفق وبكل ما أكنه من احترام للسنة باعتبارها المصدر الثاني فى مصادر الشريعة الإسلامية من الذى كذب على الرسول ؟! من الذى وضع كل هذا الكم الهائل من المقولات والعبارات ونسبها إليه صلى الله عليه وسلم، حتى أن ستمائة ألف لم يصح منها إلا أربعة آلاف وحتى هذه الأخيرة ليست محل اتفاق العلماء ؟!

قد تكون الإجابة مريرة لكنى أنقلها أيضاً حرفياً من نفس المؤلف ولنفس المفكر: “والواقع أن المنازعات السياسة التى حدثت بعد الصدر الأول من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث؛ تأييداً لها ثم يضيف..لم يجمع (يقصد الحديث) إلا فى عهد المأمون، بعد أن أصبح الحديث الصحيح فى الحديث الكذب كالشعرة البيضاء فى جلد الثور الأسود” ! ولعل ذلك يفسر الأحاديث الكثيرة التى رُويت خلال تلك الفترة وما تلتها، والتى تنصب حول علاقة الحاكم بالمحكوم، وهى قطعاً تأخذ صبغة سياسية طبقا لما يُراد من ورائها!

انظروا أيها السادة الى هذه العبارة “المنازعات السياسية”! إنها المأساة الكبرى فى تاريخنا الإسلامي والتى ماتزال باقية، ولعل بطياتها تكمن إجابة السؤال المرير الذي طرحناه!

وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك