جمال حمدان وعبقرية المكان

المفكر جمال حمدان يعدّ من أحد أعلام الجغرافيا الذي سطر مسيرته العلمية باحثا عن ينابيع العبقرية في الشخصية المصرية.

 الناظر بإمعان إلى كتابات حمدان ومنهجه ونظمه الجغرافي؛ يجد أنه كان قد حلَّق بعلم الجغرافيا إلى آفاق بعيدة، لم يستشعر بها أحد من أقرانه الجغرافيين قبله، فحمدان هو روح الجغرافيا الجديدة المتجددة دائمًا وأبدًا، مع أن كتاباته تميل إلى النسق العلمي المتسق بالأدب.

أعمال حمدان تميزت بالعمق الفكري والقدرة على استشراف المستقبل، وليس هذا من قبيل التنجيم أو ما شابه ولكنه كان يعتمد في الأساس على المنهج التحليلي فكان يدرس الظاهرة بحيادية شديدة، فيأخذ مقوماتها وعواملها التاريخية ويحلل عصرها ثم يقوم بوضع الاستنتاجات العلمية لها.

ولد جمال حمدان في العام 1928 ويعدّ أحد أعلام الجغرافيا المصريين، ولكنه كما قيل، لم يكن مجرَّد أستاذٍ للجغرافيا في جامعة القاهرة، بل كان مفكِّرًا وعالِمًا أفنى عمره كلَّه باحثًا عن ينابيع العبقرية في الشخصية المصرية، محلِّلاً للزمان والمكان والتاريخ الذي أدى إلى حفاظ تلك الشخصية على مقوماتها.

كان حمدان يرى أن مصر تحوَّلت من أول أمّة في التاريخ إلى أول دولة، ثم أول إمبراطورية، وتوصل إلى تلك الحقائق من خلال دراسات جادة وأبحاث متعمقة، درس في كلية الآداب- قسم الجغرافيا، وتخرَّج منها في العام 1948 ليعُيِّن معيدًا بها، ثم يسافر إلى بريطانيا في بعثةٍ لدراسة الدكتوراه في العام 1953، وكانت أطروحته بعنوان “سكان الدلتا قديمًا وحديثًا”.

كتاباه “دراسات عن العالم العربي” و”جغرافيا المدن”، كانا أول ما سلّط الضوء على عمله المتميز، ليحصل على جائزة الدولة التشجيعية وعمره حينها لم يتجاوز31 سنة.

ترك جمال حمدان إرثاً عظيماً، ليس أضخمه موسوعته “شخصية مصر ـ دراسة في عبقرية المكان”، و”دراسات في العالم العربي” و”أنماط من البيئات” و”المدينة العربية” و”بترول العرب” و”بين أوروبا وآسيا، دراسة في النظائر الجغرافية” وكذلك ” في الاستراتيجية العالمية” وغيرها. ومن بين رؤاه وتنبؤاته الاستراتيجية يبرز مصير القوى العظمى التي كانت سائدة في زمن جمال حمدان، الذي رسم فيه مسار تلك القوى في العالم بناء على تحليله لأسباب نشوئها ونموها ثم انهيارها.

تفكك الاتحاد السوفيتي

عندما صدر كتاب “استراتيجية الاستعمار والتحرير” الذي تنبأ فيه حمدان بانفصال الكتل الشرقية والغربية وسقوط الاتحاد السوفيتي كان ذلك في العام 1968 أي قبل وقوع تلك الأحداث بواحد وعشرين عامًا حين ظهر زلزال العام 1989 الذي هز أركان أوروبا الشرقية وانتهى بانهيار أحجار الكتلة الشرقية، وتباعد دولها الأوروبية عن الاتحاد السوفيتي، ثم تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي نفسه في العام 1991.

كان ذلك كله مسار جدل وانتقادات كثيرة، ولكن الأيام أثبتت ما كان يرمي إليه الدكتور جمال حمدان، حيث كان يعتقد بأن تفكك الكتلة الشرقية واقع لا محالة، بالرغم من أن الجزء الأخير من كتابه هذا يتكلم استراتيجيا عن هذه الفكرة، قال حمدان “إذا كانت عقدة روسيا الجغرافيا – التاريخية الكبرى والتقليدية، هي الشعور بالحصار المحكم الخانق بين محيطات متجمدة في الشمال وجيران غير أصدقاء من سائر الجهات، وإذا كان حجم الرقعة الهائل وأبعاد الامتداد القاري، هو الحماية المعوّضة التي حلت تلك العقدة، فإن العصر النووي قد جاء أخيرًا وعلى النقيض، ليعقّدها من جديد بل ويضاعفها أضعافًا. فبعد أن كانت روسيا فيما مضى تملك الدفاع بالعمق وتستطيع أن تشتري الزمان بالمكان، وتستدرج العدو الغازي إلى العمق وإلى مقتل محقق، فإن عصر الصواريخ النووية قد حيّد عامل الحجم والضخامة وسلب المكان عمقه دون أن يوفر بالمقابل الأمن والأمان على امتداد الحدود المترامية. ليس هذا فحسب، بل إن الاتحاد يجد نفسه اليوم محاصرًا نوويًّا من كل الجهات تقريبًا: الصين شرقًا وأوروبا الغربية والولايات المتحدة غربًا، بما في ذلك الأساطيل النووية على جانبيه في الأطلسي والهادي والهندي، هذا بالإضافة إلى تحالف أو تقارب هؤلاء جميعًا ضده”.

ويضيف حمدان “وهكذا بات على الاتحاد أن يحقق التفوق والردع النووي ليس فقط ضد الولايات المتحدة وحدها ولكن أيضًا ضد سائر الأطراف، كما صار عليه ابتداء أن يكسر حلقة الحصار تلك بأيّ ثمن أو وسيلة ومن هنا تتحدد أهداف الاتحاد في لعبة توازن القوى الجديدة في تفجير اللعبة عليهم جميعًا في الأساس وقلب المائدة على رؤوسهم بلا استثناء”.

سقوط أميركا

نرى هذا النص من مذكراته التي جمعها الدكتور عبدالحميد صالح حمدان لأخيه في كتابه “جمال حمدان صفحات من أوراقه الخاصة”: الولايات المتحدة (وهي بريطانيا القرن العشرين) تقع اليوم وتمر بنفس المرحلة التي كانت عليها بريطانيا أواخر القرن الـ19 (حوالي 1870/1880 وما بعدها حتى الحرب العالمية الأولى)؛ حيث كانت تتربع على قمة القوة وقوة العالم بلا منافس وتبدو مؤبدة هناك، بينما كانت تتراجع وتتصدع من الداخل وتنحدر بالتدرج غير المنظور، إلى أن جاءت ضربة الحرب الأولى فكشفت البطن وضربت نصف قوتها ثم انتهى النصف الباقي في الحرب العالمية الثانية وتم السقوط.

يقول جمال حمدان : الآن تصارع الولايات المتحدة من أجل البقاء على القمة ولكن الانحدار تحت أقدامها سارٍ وصارم والانكشاف العام ثم الانزلاق النهائي قريب جدًّا في انتظار أيّ ضربة من المنافسين الجدد (أوروبا ألمانيا، اليابان).

فديمقراطية أميركا المزعومة التي تتباهى بها على العالم حتى على أوروبا وتعتبرها مثالية وتجسد المثالية الأميركية المدعاة، فعلاً كانت سابقة لعصرها في وقتها، ولكنها الآن متخلفة تمامًا عن عصرها تنتمي إلى القرن 18 وتحتاج إلى نسف لا أقل، على حد تعبير جمال حمدان.

ويبدو أن دور روسيا الذي اختارته لنفسها بعد انتحار الاتحاد السوفيتي وللمشاركة الشكلية مع أميركا في النظام الجديد (تعلقًا بحبال الهواء) هو أن تعمل “كوكيل لأميركا”.

ويبدو كذلك أن النظام العالمي الجديد، وعالم أميركا، يعتمد على اعتماد مجموعة من الوكلاء الإقليميين الكبار في كل منطقة رئيسية من العالم ـ وكلاء، وأميركا تشرع لنفسها فقط علنًا وقانونيًّا ممارسة الإرهاب الدولي العالمي؛ حيث قررت محكمتها العليا حق أميركا في اختطاف ومحاكمة أيّ أجنبي تطلبه، هذا بالضبط يعني أن أميركا بدأت تعامل العالم الخارجي كما تعاملت مع الهنود الحمر في الداخل: الإبادة والإرهاب الرسمي الشرعي.

لقد بدأت الحرب الباردة بالفعل بين شاطئ الأطلسي، بين أوروبا وأميركا، حلفاء الأطلنطي. انتقلت الحرب الباردة من الشرق ـ الغرب أو الشيوعية الرأسمالية إلى داخل الغرب نفسه، الغرب ـ الغرب، وداخل الرأسمالية والرأسماليين القدامى خاصة فرنسا (+ ألمانيا) وأميركا (+ بريطانيا).

يقول البعض إن أميركا هي “سرطان العالم الإسلامي”، بينما لا تنطبق صفة السرطانية على شيء في الدنيا كما تنطبق على أميركا. وكل خصائص ومشخصات وأعراض السرطان تنطبق عليها كما لا تنطبق على شيء آخر سوى الجسم الإنساني: إفراط النمو، التضخم المرضي القاتل الذي يهدد سائر الجسم “العالم” في صميم وجوده.

أما طريقة الحياة الأميركية كما يسمونها ما هي؟ هي هستيريا حياتية متواصلة، سُعار مستمر مركّز ومصدر ومحرك وموجّه هذه الهستيريا الوطنية هو الإعلام: الإعلام الأميركي هو قمة طريقة الحياة الأميركية المزعومة؛ إنه الجنون والهستيريا المسموعة والمقررة والمرئية.. إلخ والشعب الأميركي قطيع قائده الإعلام، وهو حاكم أميركا الحقيقي حتى الإدارة والحكم ينقادان لموجات الإعلام العاتية ويخضعان لإشعاعاتها الضارة إن عفوًا أو عمدًا.

ولما كانت إسرائيل هي التي تحكم الإعلام الأميركي الذي يحكم العقل الأميركي فإن إسرائيل هي الحاكم النهائي والأخير والحقيقي للدولة الأميركية.

ولولا خطر الهيمنة والتسلط والاستعلاء الأميركي لما توحدت أوروبا سياسيًّا، إنها رد فعل أكثر منها منطقًا طبيعيًّا، إنها سياسة أكثر منها جغرافيا وإن فرضت نفسها في النهاية كجغرافيا سياسية، ولذا فإنها كمعظم حقائق وواقع الجغرافيا السياسية اصطناعية أكثر منها طبيعية أي (غير جغرافية) ولكن على الجغرافيا أن تتعامل معها وإن لم يكن عليها أن تعترف بها.

فمنذ نشأتها وأميركا تدعي المثالية السياسية في كل مجال، والعكس بحديثهم وحواديتهم عن حقوق الإنسان والاستعمار و.. و.. إلخ والعكس تمامًا تمامًا هو ما يفعلون ولكن ما من قوة على الأرض يمكن أن تقنعهم بذلك.

وقد أصبح من الواضح اليوم، أن العالم كله وأميركا، يتبادلان الحقد والكراهية علنًا، أميركا تلعن العالم الوقح الحاقد عليها، والعالم الذي لا يخفي كرهه لها ينتظر بفارغ الصبر لحظة الشماتة فيها حين تسقط وتتدحرج وساعتئذ ستتصرف أميركا ضد العالم كالوحش الجريح.

صار بين أميركا والعالم “تار بايت”، كما يقول جمال حمدان، وأميركا الآن في حالة “سعار قوة” سعار سياسي مجنون، شبه جنون القوة وجنون العظمة وقد نسجل مزيدًا من الانتصارات (العدوانيات) العسكرية في مناطق مختلفة من العالم عبر السنوات القادمة ولكن هذا السعار سيكون مقتلها في النهاية.

الغذاء الداخلي الجديد للولايات المتحدة لم يعد الكاريبي ولا أميركا اللاتينية، وإنما الوطن العربي، والعرب أصبحوا لعبة أميركا المفضلة ومستعمرتهم الخصوصية جدًّا، وحدهم يمارسون قيادتهم المزعومة للعالم.

كيان أميركا ذاته وكله فيه المادة الخام النموذجية للثورة الشيوعية كما حددها ماركس – وهي أرقى الدول الرأسمالية تطورًا وتقدمًا إذن هي المرشح الحقيقي للشيوعية الناضجة القادمة، فشل الاتحاد السوفيتي سببه أن الشيوعية فيه قامت في المكان الخطأ والزمان الخطأ – شبه إقطاعي رأسمالي بدائي فلننتظر.

يبدو أن ما كان يقال عن ألمانيا واليابان استراتيجيًّا سيقال عن أميركا قريبًا، ولكن بالمقلوب، فألمانيا واليابان عملاقان اقتصاديان وقزمان سياسيان كما قيل، بينما تتحول أميركا تدريجيًّا إلى عملاق سياسي وقزم اقتصادي متسارع التضاؤل.

العالم المعتزل

يقرر جمال حمدان الانعزال عن المجتمع في شقته بـحي الدقي، شقته التي تتكون من غرفة واحدة، بعد أن تقدم لنَيل درجة أستاذ مساعد، وأقرت اللجنة العلمية هذا الترشيح مع أستاذ جامعي آخر؛ حيث كانت هناك درجتان تقدَّم لهما أربعة من العاملين بالتدريس بالجامعة، حينها رأى حمدان أن مساواته بزميله إهانة له ولإنتاجه.

تقدم حمدان باستقالته من التدريس في الجامعة، ليضرب على نفسه طوقاً من العزلة الذاتية عن الناس؛ فلم يكن يستقبل أحدًا في منزله، متفرغاً لدراساته وأبحاثه، حتى يوم 16 أبريل 1993 حين عثر عليه محترقاً داخل شقته، بعد تسرُّب الغاز من مطبخه، مع أن خبراء الطب الجنائي والشرعي، أكدوا أنه لم يمت بسبب الغاز ولا الحريق، لكن سبباً غامضاً يقف خلف إنهاء حياة العالم المصري المختلف.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.






تعليقات الفيسبوك