ماذا يفعل أوباما الآن؟ ومن أين يحصل على المال؟

باراك أوباما! أين أنت؟ عبّر الكثير من الأمريكيين عن افتقادهم أوباما؛ لأسباب كثيرة، مثل قدرته على التواصل مع الشباب وخطاباته البليغة والمؤثرة، ورغبته الواضحة في توحيد الشعب الأمريكي، وشعبيته المتزايدة بعد كل قرار، بعكس شعبيةترامب التي تراجعت مع أول شهر في ولايته.

خلال فترة ولايته التي استمرت ثماني سنوات، قدمت الصحافة أوباما نموذجًا نسويًا، وشيوعيًا، ويهودي، وباعتباره المسيح، وسوبر مان، وجورج واشنطن، وفرانكلين روزفيلت، ويوليوس قيصر، وباعتباره مسلمًا، وإرهابيًا، وإلهًا هندوسيًا، وهذا التنوع والتناقض أحيانًا بين أوصافه عكس ربكة تحيط بشخصية أوباما، ووجوده دائمًا خارج مستوى التوقعات.

Embed from Getty Images
أوباما هو الرئيس 44 للولايات المتحدة. عندما نُصِّب أول رئيس للبلاد، جورج واشنطن، في 30 أبريل (نيسان) 1789، كان السود في أمريكا عبيدًا. والآن بعد 220 عامًا، كان لدينا رئيسٌ أمريكيٌّ أسود، هو أوباما. ربما كانت هذه الفكرة خيالية في وقتٍ ما، ولكن أوباما جعلها حقيقة، قال السياسيون إن أمريكا غير مستعدة لرئيس أمريكي – إفريقي، وأنّ البيض لن يصوتوا لمرشحٍ أسود، أو له أقارب مسلمون؛ بسبب اسم باراك أوباما الأوسط – حسين – وحتى إن فعلوها؛ فسيتمّ اغتياله قبل أن يرى مكتبه بالبيت الأبيض، لكن أتاهم أوباما خبير القانون الدستوري، مجسدًا لمُثُل الحلم الأمريكي العليا، وربما أول من سمح للضحكات بالانطلاق داخل جدران البيت الأبيض؛ لكونه رئيسًا خفيف الظل.

ماذا لدينا اليوم يا ميشيل؟

الآن وبعد ثماني سنوات من العيش في فقاعة البيت الأبيض يبدو أن باراك وميشيل يتوقان لتجارب صغيرة لذيذة افتقداها. بالنسبة لميشيل فقد انضمت إلى تدريبات التأمُّل، وتوقفت عن كي شعرها؛ فاستعادت تمويجاته الطبيعية، وظهرت على الشاطئ بجيبة قطنية مريحة، وعادت لغدائها المحبب من الفلفل الحار والديك الرومي والسلمون، تتناوله بينما تضحك على مقاطع الفيديو على فيسبوك مع أصدقائها في مكتبها لمنظّمة أوباما، أما باراك فقد وجد الوقت مناسب لارتداء سترته الجلدية بعد سنوات من لفّ ربطة العنق كل يوم، والبدلة الكاملة في الصيف والشتاء دون تفريق، والقليل من اللعب والمرح يستعيد بهما شبابه.

بعد ثماني سنوات من العمل الشاق، لا يمكن إلقاء اللوم على رغبة أوباما في تغيير نمط حياة البيت الأبيض التي اعتادها، ومن أجل الهروب من دائرة الضوء المسلطة على البيت الأبيض، سافر أوباما وأسرته في أكثر من إجازة إلى «بالم سبرينجز» وبحر الكاريبي وهاواي، وبعد لقائه الأخير بالمديرين التنفيذيين لكبرى الشركات التقنية توجه أوباما إلى أواهو، حيث لعب الجولف مع أصدقائه، وتناول في عشائه اللحم المشوي في مطعم باز لانكاي في كايلو، وإلى جزيرة خاصة بكاليفورنيا اتجه باراك والملياردير ريتشارد برانسون على طائرة الأخير، حيث يتعلم باراك رياضة التزلج المائي بالمظلات، ومنها إلى جزيرة صغيرة فرنسية اسمها تيتياروا.

بينما وصل أوباما إلى تيتياروا وهي جزيرة كانت مملوكة للممثل مارلون براندو، قضي شهر في فندق صديق للبيئة، حيث كان الوجهة المفضلة للمشاهير، مثل ليوناردو ديكابريو، ويبدأ سعر الليلة الواحدة بالفندق من ألفي دولار، ويختلف السعر حسب التاريخ والواجهة التي تطل عليها الغرفة. خلال هذه الخطط اختار أوباما أن يكتب مذكراته في البيت الأبيض، وهي المعلومة التي نقلها شخص مطلع على خططه، وطلب من صحيفة الإندبندنت عدم الكشف عن هويته.

Embed from Getty Images

من أجل استقرار أكثر، فإن الرؤساء الأمريكيين السابقين نادرًا ما يسكنون واشنطن بعد نهاية رئاستهم، يعيش أوباما الآن في قصر مستأجر في حي كالوراما؛ حتى تتخرج ابنته الصغرى ساشا من المدرسة الثانوية، في وقت انتشرت فيه تكهنات عن عودة الأسرة لشيكاغو، حيث بدأت الحياة السياسية لأوباما لأول مرة، فقال عنها «كل خطى حياتي هناك، أصبحت رجلًا حقيقيًا على أرض شيكاغو، وهناك قابلت زوجتي، وجاء أطفالي».

وقال البروفيسور بيتر سليفين، مؤلف سيرة ميشيل أوباما، «حياة»: في الوقت الذي تسعى فيه نيويورك إلى تقديم الكثير لهذه الأسرة، هم يسعون لمكان يحظون فيه بالهدوء وخفوت أضواء الشهرة، وهذا يتوفر بشيكاغو.

أوباما صديقي.. أوباما عدوي

حاول ترامب منذ فوزه بالانتخابات مرارًا استضافة أوباما؛ ليلومه على الفوضى التي أحدثها خلال فترته الرئاسية، وأورثها لترامب، وصرح ترامب عن رغبته هذه، واتهمه بإشعال الأزمة في الشرق الأوسط وكوريا الشمالية، ولكن عرض الصداقة بين الطرفين انتهى بمجرد دخول ترامب البيت الأبيض، فلم يتحدثا منذ ذلك الوقت.

لم يترك ترامب أية فرصة للبقاء على علاقته بأوباما، فلم يرحمه بتغريداته على تويتر، يتهم ترامب أوباما – دون أية أدلة –بمراقبته دون تصريح قانوني في برجه، بينما يجهز لحملته الانتخابية، وهو الادعاء الذي أغضب أوباما بشدة، ونفاه عنه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي وأعضاء البرلمان من الحزبين.

ربما يكون سبب ضيق ترامب هو أنه في الوقت الذي كرس فيه رؤساء سابقون سنوات تقاعدهم للعمل السياسي وإكمال دورهم من مكان آخر، فإن الاهتمام المستمر بأوباما، ورغبته في البقاء بالعمل المدني، جعلاه في موقف غير عادي لـرئيس سابق، فقبله ترك جورج دبليو بوش منصبه مع فرص أقل في العمل؛ لفشله في فترته الرئاسية، وعاد جون فوستر دالاس لكتابة المذكرات والفن التشكيلي، أما بيل كلينتون فقد ترك نيويورك ومعها السياسة، واتجه لتقويم حياته الأسرية، ومساعدة زوجته هيلاري في مشوارها السياسي.

أوباما على عهده

في سبتمبر (أيلول) الجاري خرج أوباما عن صمته وندد بمشروع ترامب لقانون يهدف إلى تقليص الهجرة الشرعية إلى الولايات المتحدة، وكتب على حسابه على فيسبوك إن استهداف هؤلاء الشباب جريمة؛ لأنهم لم يرتكبوا خطأ، ويريدون بدء حياة جديدة، وعمل جديد، ويجرون تجاربهم في معاملنا، ويخدمون في جيشنا، ويساعدوننا في جعله بلدًا أفضل، لتواجههم الدولة بكل قسوة.

وكتب أوباما: ربما تكون الهجرة أزمة في الوقت الحالي، فنحن جميعًا نريد الأمان وتحصين حدودنا، واستقرار للاقتصاد، وقد يكون للحكماء بيننا اختلاف حول كيفية إصلاح قانون الهجرة، وفرض مزيد من القواعد عليه، ولكن القرار الذي اتخذه البيت الأبيض اليوم، يخص شباب تربوا في أمريكا، الأطفال يدرسون في مدارسنا، والشباب يعملون في شركاتنا، والمحبون لوطنهم الجديد يتعهدون بالولاء لعلم دولتنا. هؤلاء الحالمون أمريكيون في قلوبهم، في عقولهم، في كل خطوة يخطونها، أتوا مع آبائهم، والصغار منهم قد لا يعرفون وطنًا آخر غيرنا، ولا يتحدثون غير الإنجليزية، وغالبًا لا يخطر ببالهم أنهم غير مسجلين كمواطنين أمريكيين، إلا إذا تقدم لوظيفة أو الدراسة بجامعة أو استخراج رخصة قيادة.

كان ترامب أيضًا يرغب في إصدار قانون الرعاية الصحية الأمريكي بديلا لقانون باراك أوباما، المعروف ببرنامج «أوباما كير» للرعاية الصحية، من أجل التوفير في الموازنة الفيدرالية بواقع 337 مليار دولار في عشر سنوات. ومن المتوقع أن يفقد 14 مليون أمريكي غطاء التأمين الصحي في 2018 بموجب الخطة الجديدة للجمهوريين للرعاية الصحية، وفقًا لتحليل أجراه مكتب الموازنة التابع لمجلس الشيوخ الأمريكي، وقال مكتب الموازنة الأمريكي: إن عدد الأمريكيين خارج مظلة التأمين الصحي سوف يرتفع إلى 24 مليون شخص بحلول 2026.

مذكرات زوجين في البيت الأبيض

عقد باراك وميشيل أوباما صفقة مع دار بنجوين البريطانية لنشر مذكراتهما في البيت الأبيض مقابل 60 مليون دولار، وقد صرحت صحيفة فاينينشال تايمز عن تقاتل الناشرين من أجل الفوز بحقوق نشر المذكرات التي بكل تأكيد ستحتفظ بصدارتها قائمة الأكثر مبيعًا، ولكن جاء فوز دار بنجوين محبطًا للناشرين مع آمال المدير التنفيذي للدار لحدث غير مسبوق وتوزيع الكتاب على مستوى عالمي لأهميته البالغة.

يكتب أوباما عن فترته الرئاسية بشكل محدد في حين تكتب ميشيل زوجته قصة حياتها لإلهام الشباب الصغير، ولم يتم الكشف عن شروط العقد بين أوباما ودار النشر، ولكن المعروف هو أن أوباما سيتقاضى عن مذكراته أضعاف ما حصل عليه بيل كلينتون لسيرته الذاتية عام 2004، والتي قُدرت بـ 15 مليون دولار.

Embed from Getty Images

صدر لأوباما بالفعل مؤلفان عن حياته، وكانوا من الكتب الأكثر مبيعًا في وقتها: فكتب: أحلام من أبي، سيرة ذاتية عام 1995، عن طفولته وسنوات الجامعة، وجرأة الأمل 2006، وكانت سلسلة من مقالاته عن قناعاته السياسية عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ عن إلينوي.

كما كتب: أنا الأغنية، عام 2008، وهو كتاب للأطفال يحكي قصة 13 شخصية ملهمة في التاريخ الأمريكي، وذهبت جميع عائدات هذا الكتاب في شكل منح جامعية لأبناء الجنود القتلى والمعاقين، وقد أشار الزوجان إلى أنهما ينويان التبرع بجزء كبير من عائد مذكراتهما القادمة عند نشرها للجمعيات الخيرية.

سأعمل من أجلكم وإن اخترتم ترامب

علمني هذا المجتمع أن الأشخاص العاديين عندما يتعاونون في عمل يمكنهم تقديم نتائج غير عادية. *باراك أوباما

في أبريل (نيسان) عاد أوباما للحياة العامة، ربما بغرض توضيح كم هو كبير الفارق بين إدارته وإدارة ترامب، وجلس أوباما وسط مجموعة من الشباب يشاركون قصصهم في العمل لخدمة المجتمع، وشاركهم أوباما الحديث عن دافعه الأول للعمل بالسياسة، ثم أشرف بعد ذلك على إدارة النقاش، وطرح أوباما أسئلة لإثارة النقاش، مثل استغلال وسائل الإعلام، وهل مازالت وسيلة تثقيفية موثوق بها، ففي غير اللعب والمرح قضى باراك أوباما وقتًا في العمل، فسافر إلى حدود أمريكا ليقابل رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو للحديث عن التزامهما المشترك بتمهيد الطريق لجيل جديد من القادة الشباب.

ووفقًا لتغريدة على حساب منظمة أوباما، فقد ذهب أوباما إلى شيكاغو ليبدأ في تفعيل مبادرته العالمية الأولى لتدريب الشباب على إحداث تغيير في مجتمعاتهم ومن أجل بلادهم وعالمهم، وهي المنظمة التي تستمد دعمها المالي من مشروع مذكرات باراك وميشيل.

Embed from Getty Images

على الرغم من أن الرأي العام يشير إلى ضعف شعبية ترامب بكثير عن شعبية أوباما في نفس الوقت بعد أسابيع من ولايته؛ مما يصعب فهم كيف يمكن لشخصين متناقضين قيادة دولة في انتخابات متتالية، ويتعلق هذا بعلم النفس، فالناخب يميل إلى إحداث تغيير قوي في نهاية ثماني سنوات مع رئيس واحد في البيت الأبيض، وبينما هم يعارضون صفات ترامب ويكرهونها، يسعون حاليًا إلى مرشح جديد يجسد عكس صفاته، فإذا رجعنا إلى فضائح بيل كلينتون برر ذلك اختيار جورج بوش بجموده، ليصل إلى أوباما الشاب النشط المختلف عن السائد، ثم رجل المال والأعمال ونموذج الأمريكي الأشقر دونالد ترامب.

كيف يمكن للجمهور اختيار شخصيتين في انتخابات متتالية لا يتشابهان أبدًا في رأيهما حول ما الخطأ، وكيف يمكننا إصلاحه؟ ولكن التخمين الوحيد هو أن الاستقطاب السياسي المتنامي في أمريكا يدفع لنا بحقيقة أن الكثير من الشعب غير متأكد مما يريده من حكومته، ولا يعرف الدور المفروض عليها نحوه.

 المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك