هل الجنة في الأرض أم في السماء ؟ – بقلم: رمضان عيسى

لو راجعنا تاريخ عرب شبه الجزيرة العربية لوجدنا أن هناك الكثير من المفاهيم التي تعتبر من أساسيات العقيدة الاسلامية مثل : الله ، الرب ، النبي ، الأنبياء ، الجنة ، النار ، جهنم ، الحج ، الطواف ، الكعبة ، الصلاة ، الضحية أو القربان . كانت معروفة عند عرب شبه الجزيرة .
ما هي الجنة ؟
وردت كلمة جنة في القرآن عدد 66 مرة .
الجنة هي الفردوس ، الجائزة ، النعيم ، الحياة بدون حروب وصراعات ، ولا غيرة ، وحسد ، ولا مرض ، ولا جوع ، ولا عطش . انها الحياة الأبدية . فالجنة هي تضخيم صفات الأشياء المرغوبة لدى عرب شبه الجزيرة العربية ، فكل شيء تفتقر له حياة البدو في شبه الجزيرة العربية جرى تصويره بأحسن الصور ، وجرى اطلاق أحسن الأوصاف عليه ، وأنه موجود في الجنة .
أما عن الحياة في الجنة فيقول محمد صالح المنجد أن الناس في الجنة لا ينامون ، لهم طعامهم وما يشتهون ، ولا ليل ولا نهار ، هم في نور دائم ، وظلال وحدائق وأعناب وبها ثمار في كل الأوقات. يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً .
ونجد أن مسميات الأشياء الموجودة في الجنة مثل مسميات الأرض ، مثل جنة عدن ونهر النيل والفرات وسيحان وجيحان ، كلها أنهار موجودة على الأرض .
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ”
+ وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل يخرجان من الجنة ، وفي البخاري ( من أصل سدرة المنتهى ) .
عن النبي أنه قال :عُرض علىّ ليلة أُسرى بي جميع الجنان فرأيت فيها أربعة أنهار : نهـــر من مــاء ونهـــر من لبـــن ونهــــر من خمــــر ونهــــر من عســـل كما قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ [ محمد:15].
وفي (سنن الترمذي) بإسناد صحيح عن حكيم بن معاوية (وهو جد بهز بن حكيم) أن رسول الله – صلعم – قال: ((إن في الجنة بحر العسل ، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر الماء ، ثم تنشق الأنهار بعد)) . فأنهار الجنة تنشق من تلك البحار . وبهذا تكون مشروبات الجنة مشابهة لمشروبات الأرض ، من ماء وخمر وعسل ولبن .
كما أننا نرى أن مسميات الفواكه الموجودة في الجنة هي نفس مسمياتها التي يعرفها ساكني الأرض ، مثل : التفاح والرمان والقصب ، وفيها من كل الأثمار المعروفة في الأرض .
والفواكه في الجنة مُركبة كما الفواكه في الدنيا وتستطيع أمعاءنا هضمها ، فحسب الرواية أن النبي حينما أُسري به الى السموات أكل تفاحة من الجنة ، وهضمتها معدته واستفاد منها جسمه ودخلت في تراكيبه وجزيئاته ، فقد ورد في الحديث أن النبي كان يٌقبل ابنته ” فاطمة ” كثيرا مما استثار غيرة ونقد عائشة فكان جوابه أنه حينما أُسري به الى السموات أكل تفاحة من تفاح الجنة فهضمها وسرت في جسده وتكونت منها النُطف فجامع زوجته ” خديجة ” وكانت ابنته هذه نتاج ذلك ، فهي تحمل في جسدها أجزاء من التفاحة التي أكلها في الجنة . كما ورد في الحديث :
((أن النبي صلى الله عليه وآله لما عُرج به إلى السماء أكل من ثمار الجنة رطبها وتفاحها، فحولها الله تعالى ماء في ظهره فلما هبط إلى الأرض واقع خديجة، فحملت بفاطمة عليها السلام ، ففاطمة حوراء إنسية ، وكلما اشتاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى رائحة الجنة كان يشمها فيجد منها رائحة الجنة ورائحة شجرة طوبى. وكان يكثر لذلك أيضا تقبيلها وإن أنكرت عليه بعض نسائه لجهلها بشرف محلها )) .
من هنا فمادة الفاكهة الموجودة في الجنة مثل مادة الفاكهة في الأرض ، ولم يذكر النبي أن طعمها مختلف ، وأنها تُقيت الجسد وتغذيه كما هي فواكه الأرض حينما يأكلها الانسان .
نساء الجنة
وأيضا نساء الجنة يشبهن نساء الأرض في الأساسيات من مُكونات الجسم البشري ، فنساء الجنة لهن وجوه وشفاه وخدود وعيون وأرداف وفروج ، وأجساد متناسقة ، ولكن بالدرجة القصوى من الكمال والروعة والشفافية والليونة والجاذبية والاستثارة ، وفوق هذا مطيعات عند الاشتهاء والطلب .
أما الفرق بين موجودات الدنيا وموجودات الجنة الموعودة ، الحياة الأبدية ، الفرق هو أن موجودات الجنة الموعودة تمتلك الدرجة العالية من الحُسن في المذاق والطعم ، والجمال في المنظر الذي لا يمكن تصوره . وفي الجنة الرجال والنساء والولدان والعصافير على صورهم في الدنيا ، ولكن بشكل أكثر روعة وجمالاً وشفافية تفوق الخيال. فقد ورد في القرآن أن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت .
وقد جاء وصف ” حور العين ” بأنهن ” ، ( وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) الواقعة/22، 23 .
والحوراء : التي في عينها كحل وملاحة ، وحسن وبهاء ، والعِين : حسان الأعين وضخامها ، وحسن العين في الأنثى من أعظم الأدلة على حسنها وجمالها .
( كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) أي : كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي ، المستور عن الأعين والريح والشمس ، الذي يكون لونه من أحسن الألوان ، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه ، فكذلك الحور العين ، لا عيب فيهن بوجه ، بل هن كاملات الأوصاف ، جميلات النعوت . فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر ” انتهى .
” تفسير السعدي ” (ص 991) .
قال ابن حجر رحمه الله :الحور التي يحار فيها الطرف يبان مخ سوقهن من وراء ثيابهن , ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون .” فتح الباري ” ( 8 / 570 ) .
واقرأ كيف حال نساء الجنة في سورة الواقعة : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا ) الواقعة/35-37 .
” قوله ( عُرُباً ) : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني : متحببات إلى أزواجهن ، وعن ابن عباس : العُرُب العواشق لأزواجهن , وأزواجهن لهن عاشقون ………
وقوله ( أَتْرَابا ) قال الضحاك عن ابن عباس يعني : في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة ……..
وقال السعدي : ( أترابا ) أي : في الأخلاق المتواخيات بينهن ليس بينهن تباغض ولا تحاسد ، يعني : لا كما كن ضرائر متعاديات ” انتهى .
وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/25 .
قال ابن القيم : ووصفهن بالطهارة فقال : ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) طهرن من الحيض والبول والنجو (الغائط) وكل أذى يكون في نساء الدنيا ، وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم . ” روضة المحبين ” ( ص 243 ، 244 ) .
وهذه الأوصاف تسلب العقول وتُحرك نوازع الشهوة عند السامعين لدرجة أن السامع المحروم سوف تتملكه نوازع تدفعه للقيام بأي عمل من شأنه التسريع في الحصول على هذه الوعود .
وهذا ما يُفسر التحاق العديد من الشباب بالمنظمات الدينية التي تُنظر أن الانتماء اليها هو أقصر طريق الى الجنان المليئة بالحور .
والملاحظ أن الصورة التي ينشرها الاسلام عن الجنة الغيبية الموعودة ، أن الشهوة الجنسية عند سكانها هي المشتعلة ، وهي شغلهم الشاغل ، وسكانها في حالة شبق مستمر ، ويكون نهم الاشباع والتلذذ الجنسي هو المسيطر ، هو العادة السائدة ، لأنه لا عمل في جنة الغيب إلا ملاقاة الحور العين ، ولا يعملون ولا ينتجون ، وليس عندهم ليل ولا نهار ، فقط هم يشتهون ويتلذذون !!! فليس لهم من عمل غير إشباع شهواتهم الجنسية ، فكل ما كانوا محرومون منه في الدنيا موجود وبوفرة تفوق التصور ، ففيها الخمر واللذة القصوى مع النساء ، وما لا عين رأت ولا أُذن سمعت .
ان هذا التضخيم ضروري لكي يجعل المؤمنين يتشوقون لرؤية الجنة والتلذذ بشرب الخمر من أنهارها ويتذوقون مذاقات فواكهها وأطعمتها ، والتلذذ بنوعية كانوا يفتقدونها من ” حور العين ” من النساء .
ولزيادة الترغيب الجنسي ، نجد أن هناك وعدا للمؤمنين أن الرجل في الجنة يجامع نساء ” حور العين ” في كل مرة ما يساوي قدر عمره في الدنيا من السنين .
== ما هو وجه المقارنة بين نساء الدنيا والحور العين ؟
حسب ما قرأت في الكتاب والسنة ، نساء الأرض المؤمنات ليس لهن شيئا في الجنة ، فهن سيكونن على أشكالهن دون تغيير ، فقط سيكونن في سن الشباب ، ولكن لا يوجد ” رجال حور ” متميزون في الأشكال واللحم كما حور العين النساء ، ولم يذكر الله لهن شيئا ولم يصف لهن شيئا ينتظرهن ، فقط عليهن أن يشتهين . ولهن ذلك ، ولكن ماذا يشتهين ، وما هي أوصافه ؟ لا ندري !!!
طبعا أزواجهن سيهربون منهن الى “حور العين ” ، لأنه لا مقارنة بين نساء الأرض وحوريات الجنة . فنساء الأرض شيوخ غفر ، متوحشات ، بالنسبة للحور العين حسب وصف البخاري وابن حجر وأبي هريرة لهن في الحديث والتفسير .
إن هذا يبين لنا شدة الاغواء الجنسي المقصود من هذه الشروحات والتي تجعل من الجيل الشاب دواعش بامتياز !!!
ومن وجهة نظر أُخرى ، لا بد من السؤال ، هل المتعة في الجنة حسية ، لذيّة ، أم معنوية ، روحية ؟
يسمع الشباب وصف حور العين فيصابون بهوس جنسي يدفعهم للالتحاق بالمنظمات الاسلامية المتطرفة . ولنا قول في هذا : لا حياة جنسية في الجنة ، فهناك – حسب الدين سيكون الناس في ضيافة الرحمن ، والحياة ملائكية، روحية ، عباداتية ، تسبيحية ، فقط ، والسؤال : هل الملائكة يتواصلون جنسياً ؟
الجواب : لا — هم فقط يسبحون ويطيعون . من هنا فالحياة في الجنة – حسب الدين – معنوية ، روحية ، ملائكية . فالجنس نجاسة ، ولا تجوز النجاسة في حضرة رب العزة والجلال ++
= اذن ، لماذا هذه الوعود للناس بالجنس ؟ انها لا تزيد عن الترغيب ودفع الناس لكي يتسارعوا لفعل الخير .
وحول هذا الموضوع يقول : الدكتور أنور عشقي (رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية) في مقالة في “الحور العين والجنس”:
إن الحور العين ليسوا للمتعة الجنسيّة وذلك لأن الدوافع الجنسية غير موجودة في الجنة!!! وان آدم لم يغادرها إلا بعد انكشاف سوءته (عورته)، وأن الاستمتاع بالحور العين ليس جنسياً بل هو معنوي!
فالجنة لا جنس فيها، لأن الأجهزة التناسلية للإنسان تختفي، لأنه ليس في حاجة إليها في الجنة ، كما أنه ليس في حاجة إلى كل الغرائز التي تسبب الكثير من المشاكل ، والتي ابتلى الله بها الإنسان على وجه الأرض لتستقيم الحياة.
الجنة ليس فيها جنس وليس فيها خوف، بل تنعدم فيها معظم الغرائز!!
قال السيد المسيح لليهود عن الحياة الأُخرى في القيامة : ” فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاء “.
== فهذه بشرى مُحزنة للدواعش ، فربما تجعلهم يفكرون ألف مرة قبل أن يُفجروا أنفسهم في الأسواق ، فهم وقعوا في خسارة دنيا وما فيها من حور العيون الحقيقيات !!
وفي الحياة نجد هناك موقفين من هذه الوعود بخيرات الجنة .
الأول : موقف الأغنياء الذين يملكون المال والمصانع والأراضي وهذه تمنحهم الامكانية للاستمتاع بملذات الدنيا ، بمأكلها ومشربها ونسائها ، ومن خلال مراقبة سلوكهم الدنيوي نرى أنهم لا يعتقدون بوجود جنان أُخروية موعودة ، فنجدهم أكثر انغماسا في ملذات الدنيا . وفي الجانب الآخر نرى الأغنياء يقولون أن هذه نعمة سبغها الله عليهم ، أي قدر الهي وليس سرقة خيرات المجتمع بوسائل ما أنزل الله بها من سلطان . وبالمقابل نراهم يدعون الناس الفقراء الى التعفف عن الملذات وأن جنة عرضها السماوات والأرض في انتظارهم بعد الموت .
ان دعوة الفقراء للقناعة والاستسلام للقدر الالهي والايمان بأن هناك جنات “عدن ” بعد الموت حتى لا يثوروا على الأغنياء وينتزعوا منهم ممتلكاتهم من العقارات والمصانع والأموال وبالتالي تزول عنهم مقومات النعمة والاستمتاع .
اننا نجد أن الأغنياء يتحالفون مع بعضهم ويستولون على جهاز الدولة ويضعون قوانين لتخدم طبقة الأغنياء ومالكي الأرض ومصادر الدخل والغذاء ، وتجدهم مسعورون لتضخيم ممتلكاتهم وأموالهم ، وهم أبعد ما يكونون عن القناعة والتعفف .
الثاني : موقف الفقراء فنراهم يميلون الى القدرية وتصديق الوعود بالجنان الغيبية لأنهم يفتقرون لها في حياتهم على الأرض .
ان هذا تعبير عن الجهل بأسباب الفقر ، فالفقر ليس قدرا الهياً منحه الله لبعض الناس وحرم الآخرون منه. فالفقر هو نتاج خلل في توزيع خيرات البلاد على المواطنين ، فهناك مجموعة صغيرة تسرقها بوسائل ملتوية وتحرم الآخرون . فما زاد في كفة إلا نقص من الأُخرى ، فاذا زاد غنى البعض ، زاد فقر الكثير من السكان في البلاد .
== من هنا فأشياء الجنة الموعودة موجودة في الأرض ، والفرق في الوفرة ، لأنه يوجد في الأرض أُناس يستحوذون على الكثير من الخيرات ، بينما يُحرم الكثير من الناس من هذه الخيرات ، والسبب ناتج عن وجود الطبقات ، واشتعال نوازع التملك ، وبالتالي وجود الاستغلال الطبقي والقهر والحرمان والجوع ، والصراعات بين الأفراد والشعوب على مصادر الغذاء ومصادر الاشباع والمتعة .
الجنة في الأرض ، ونحن أدواتها ، فإذا لم تُصبح جنة ، فنحن السبب في عدم جعلها جَنة ، فإذا عقدنا العزم في السير نحو الأفضل في التنظيم والتعليم واعلاء شأن الانسان وقيمته ، فلن تختلف جنة الأرض عن جنة السماء الموعودة ، وجنة الأرض واقعية نحس بها ونتذوق مأكلها ومشربها ونتمتع مع نسائها ، ولكن جنة السماء غيبية وهي وعد بعد الموت ، ولا ندري متى تأتي ؟ بعد مليون سنة أم ملايين من السنين ، أو لا تأتي أبدا ، فلم يذهب اليها أحدا وعاد ، وهي وعود من آلهة غيبية يلقيها المتاجرون بالأديان للجوعى والمحرومين !!!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك