تعرف على تجارة البشر – بقلم: سامح عبد الله

تجارة البشر!
(human trafficking )

في القرن الخامس عشر الميلادي كان من المألوف أن نجد سفناً تجوب البحار والمحيطات تنقل البشر من هنا إلى هناك.
كان من المألوف أن تجد عبيداً مقيدين بسلاسل حديدية في انتظار ميناء الوصول حتى يُقتادوا إلى معسكرات في اميركا وإنجلترا واسبانيا والبرتغال وهولندا وغيرها لكي يُسخروا للقيام بأشق الأعمال وأدناها دون أدنى اعتبار لكونهم من بني البشر.
كانت تجارة الرقيق تمثل نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية ،و الحقيقة فإن الحضارة لم تخل من استغلال الإنسان حتى أن الحضارة الرومانية وهى إحدى الحضارات الكبرى في التاريخ قد قامت على أكتاف بشر كانوا يسمونهم عبيداً.

وفي العصر الحديث كان الأفارقة السود يُساقون إلى العالم الجديد الذي يسمى أميركا من أجل اعماره وإِقامة حضارته الجديدة وهكذا كانت البرتغال تستقبل ما بين 700إلى 800 من الرقيق كل عام.
كانت البشرة السوداء كافية لأن تسلب من الإنسان صفته كإنسان مُكرّم إلى شيء أقل من الآلة وأدنى من الأداة.
في عام 1792 كانت الدنمارك أول دولة أوربية تلغي تجارة الرقيق وتبعتها بربطانيا وأمريكا بعدة سنوات.
في عام 1840 عقدت الدول الأوربية معاهدة لمنع تجارة الرقيق . وفي 1856 نص الدستور الأمريكي بعد اعلان الاستقلال على الغاء الرق واعتباره شراً.وفي عام 1906 عقدت عصبة الأمم مؤتمر بشأن العبودية وتقرر منع العبودية بكافة أشكالها وقد سار تطور مكافحة العبودية بصدور عدد من المواثيق والمعاهدات حتى وصلنا إلى إتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية لعام 2000 وماتفرع عنها من برتوكول منع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل للاتفاقية سالفة البيان حيث جاء بالمادة الثالثة من هذا البرتوكول تعريفاً محدداً إلى حد كبير للاتجار بالبشر على النحو التالي “يقصد بتعبير الاتجار بالأشخاص تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال الجنسي أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبية بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء”
إذن صور الاتجار بالبشر قد عددتها المادة السابقة وهي تمثل كحد أدني كل صور الاستغلال الجنسي وأعمال السخرة وكافة الممارسات الشبيهة بالرق والاقتصاد ثم في النهاية نزع الأعضاء أو فيما عرف بتجارة الأعضاء وهو ما نفصله بعض الشيء.

إذن ما هو المقصود بنزع الأعضاء كإحدى صور الاتجار بالبشر؟(Organ trade )

أريد قبل أن أتعرض إلى التعريف القانوني أن أشير إلى المأساة التى تنطق بها هذه الجريمة .
أريد أن أصور مشهداً تخيلياً لما يحدث في هذه المأساة الإنسانية ..
رجل بالغ الثراء يعاني من اعتلال صحته وآخر بالغ الفقر لا يمتلك شيئا سوى سلامة جسده وشخص ثالث يمسك مشرطاً ينزع به عضو من جسد الفقير السليم ثم ينقله إلى جسد الغني المريض ثم متعهد يقبل الثمن يعطي فتاته لهذا الفقير الذي غالباً لا يتخطاه الموت!

أما لو جئنا للتعريف القانوني فهناك عدة تعريفات تعرضت للاتجار بالبشر منها الآتي”جعل أعضاء جسم الإنسان محلا للتداول وإخضاعها لمنطق البيع والشراء”
ومنها” قابلية أعضاء جسم الإنسان للتعامل المالي والسماح بتداولها بيعا وشراء بعد فصلها عن صاحبها رضاء أو بالاكراه والسماح بنقل ملكيتها إلى شخص آخر ”
وهى أيضا ‘ توفير الأعضاء البشرية على نحو غير مشروع لأولئك الذين يحتاجون إليها ويستطيعون تحمل تكلفتها وعلى أخذ هذه الأعضاء ضمن الأفراد الذين يعانون فقرا مدقعا والذين يكونون أو قد لا يكونون على بينة كما تنطوي عليه هذه العملية أو من عواقبها”
وأخيرا يمكن أن نقول أن الاتجار بالأعضاء يقصد به” التعامل في الأعضاء أو الأنسجة أو جزء منها بغرض الاستغلال وهو صورة من صور الاتجار بالبشر ”
ومكونات عملية الاتجار هي مجموعة من أفعال(Actions ) ومجموعة وسائل(Means ) ثم أخيرا الغرض الاستغلالي (Purpose ).
وكلها منصوص عليها حرفيا في المادة الثالثة من برتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة السابق الإشارة إليها.

وواضح أن القاسم المشترك من كل التعريفات أن هناك أشخاص رئيسية لن يكون هناك مشهد لتجارة الاعضاء إلا بهم.
فهناك رجل معدم يعيش في غير مدقع ولا يملك إلا بنيان سليم ينتظر أن يبتاع منه جزء مقابل حفنة من النقود .
وهناك رجل بالغ الثراء يعاني جسده مرضا ينتظر بأمواله قطعة الغيار المناسبة التى تقتلع من جسد الفقير وتركب بجسده هو.
وهناك رجل كان يفترض به أن يكون حافظاً لجلال وسمو رسالته لكنه يخون وتجري عملية النقل هذه بيديه وهو الطبيب .
ثم هناك المتعهد أو السمسار الذي يقبض من الثري فيحتفظ بالجزء الأكبر لديه بيننا يحصل الضحية على فتات ثم لا يخطئه الموت.

إن هذا المشهد بعد بلا شك هو الأسوأ في تاريخ الإنسانية وهو الأدنى في درجات حقوق الإنسان لأنه في الحقيقة هو إبادة للإنسان.
لم يعد القانون الوطني قادرا في حالات كثيرة من بينها مثل هذه الجرائم التى سميت في اتفاقية الأمم المتحدة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية على مواجهتها فكان لزاما على المجتمع الدولي كله في مواجهة هذا النوع البشع من الجريمة التى يتحول فيها الإنسان إلى سلعة والتي تأتي في المرتبة الثالثة بعد تجارة السلاح والمخدرات.

في الماضى كانت تجارة الرقيق تحتكر الإنسان وتسخره وتستعبده فكان الإنسان وكانه يباع جملة أما في هذا النوع فإنه يباع مجزءا وأن هذا العالم الذى أقام جزءا كبيرا من حضارته على أجساد هؤلاء هو المطالب الآن أن يكفر عن خطاياه بأن يحفظ الإنسان جسده وكرامته وكيانه.
وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك