تجارة الأعضاء البشرية.. تجارة الشر – بقلم: سامح عبد الله

ربما كانت العصور المظلمة التي شهدتها القارة الأوربية حيث كانت تجارة الرقيق رائجة وكان من المألوف أن نشهد سفناً تحمل أناساً تنقلهم من القارة الإفريقية إلى مزارع أميركا وإنجلترا وهولندا وأسبانيا البرتغال وغيرها لكى يُسخّروا لبناء حضارتها الحديثة ..أقول ربما كان هذا المشهد الذى تُقيد فيه آيادي هؤلاء الرقيق بسلاسل حديدية أقل وطأة مما وصلت اليه شرور الإنسان في الوقت المعاصر، حيث يأخذ الرقيق شكلاً أكثر خسة وحقارة وذلك عندما يُنتزع عضواً من إنسان لكى يُزرع بداخل جسد إنسان آخر!

في تجارة الرقيق كان الإنسان يباع مجملاً أما في تجارة الأعضاء فهو يباع مجزءاً وهذا هو أحط سلوك إنساني على مر التاريخ حيث يتحول الإنسان المُكرّم في جسده ووجدانه إلى أشبه بقطعة غيار تُنزع من جسد هذا لتزرع في جسد ذاك.

“التقدم الطبي ربما كان البداية”

في العام 1954 نجحت أول عملية زراعة جلد ثم بعد ذلك ومع التطور الهائل الذي لحق بهذا العلم توصل الأطباء إلى إمكانية زرع الأعضاء البشرية وخصوصاً الكلى والكبد والرئة وتقدمت هذه الجراحات كثيراً حتى أننا ننتظر كل يوم أن يفاجئنا العالم باكتشافات جديدة في هذا المجال.
ففي بريطانيا على سبيل المثال توصل الأطباء في مستشفى كينجز كولدج(Kings College Hospital ) إلى زراعة كبد بعد الاحتفاظ به خارج الجسد دافئاً حياً بحفظه داخل جهاز بتقنية خاصة تم اكتشافه وتطويره في جامعة اكسفورد (Oxford)وتم نقله إلى جسد مريض بنجاح مما بشر بانتشار هذا النوع من الجراحات.
وكل هذا حسن ويمثل تطوراً ضرورياً لا مفر منه وليس هناك سبيلاً لمجابهته لكن أن يتحول الأمر إلى تجارة.. فلا!
أن يتحول الأمر إلى سوق ينافس رأس ماله سوق السلاح والمخدرات.. فلا!
أن يتحول الإنسان إلى سلعة تُباع حسب الطلب ومقابل سعر.. فلا!
أن تُستغل حاجة الفقراء الذين في حالة استضعاف ومساوتهم على نقل أجزاء من أعضائهم مقابل فتات.. فلا!
أن تُنتهك رسالة الطب السامية ويتحول بعض الأطباء إلى سماسرة ..فلا!

“فلنتعرف عن قرب على تجارة الأعضاء”

(Organ trade)

ورد مصطلح نزع الأعضاء في
المادة الثالثة من برتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال والمكمل لاتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية لعام 2000 حيث جاء بنص هذه المادة يقصد بتعبير الاتجار بالأشخاص “تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة القوة أو التهديد باستعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو التحايل أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال.ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء ”

إذن يتضح من النص السابق أن تجارة الأعضاء هى شكل من أشكال الاتجار بالبشر غاية الأمر أنها وكما أشرنا أن الإنسان يباع فيها مجزءاً والمعنى المشترك لتجارة الأعضاء هذه والتى تمثل بحق رقيق العصر هو جعل أعضاء جسم الإنسان محلاً للتداول واخضاعها لمنطق البيع والشراء وقابليتها للتعامل المالي والسماح بتداولها بيعاً أو شراءً بعد فصلها عن صاحبها رضاءً أو بالإكراه والسماح بنقل ملكيتها إلى شخص آخر!
وقِيل أيضاً في هذا المعنى أن الاتجار بالأعضاء يقصد به” التعامل في الأعضاء أو الأنسجة البشرية أو جزء منها،بغرض الاستغلال وهو صورة من صور الاتجار بالبشر.

المعنى المشترك إذن هو أن يتحول الإنسان إلى سلعة تقبل التداول بالبيع والشراء وربما بعد ذلك الرهن!
تحويل أعضاء الإنسان إلى أجزاء تخضع للتداول بصورة أبشع مما كان يحمله الرق من قسوة وامتهان.

“أفعال الاتجار بالبشر”

(Action)
الاتجار بالأعضاء البشرية هو نشاط اقتصادي غير مشروع ويمثل “جريمة دولية” وأيضا يخضع في الوقت الراهن للتأثيم في التشريعات الوطنية كما هو الحال بالنسبة لمصر حيث صدر القانون رقم 64 لسنة 2010 لتجريم الاتجار بالأعضاء البشرية.
والاتجار بالأعضاء البشرية محدد بعدة أفعال نصت عليها المادة الثالثة سالفة البيان وهى كما جاء بها:
التجنيد أو النقل أو التنقيل أو الإيواء أو الإستقبال وسنعرض في إيجاز لمعنى كل منها.
أولاً التجنيد:
ويقصد به تطويع شخص داخل حدود الوطنية أو خارجها سواء تم عن طريق استخدام وسائل قهرية أو غير قهرية ،بقصد الاتجار بهم.
وقيل فيه أيضاً هو حشد أو جمع الأشخاص فقط وهو في حد ذاته لا يشمل فعلاً إجرامياً إلا إذا اقترن بأفعال خارجية تبين القصد من هذا الحشد والجمع فقد يكون لغرض شيء آخر غير الاتجار بالبشر ،فقد يكون بقصد القيام مثلا بأعمال شعب أو تخريب إن أي شكل من أشكال التظاهر.
هنا يخرج الأمر عن النطاق الذي نتحدث عنه ويدخل في نطاق مجال آخر.
إذن العبرة هى بقصد استغلال هذا الحشد والجمع والقصد هنا هو نزع الأعضاء.

ثانياً: النقل:
ويقصد به تحريك الأشخاص من مكان إلى آخر والنقل على صورتين:
النقل الداخلي للأشخاص من مدينة إلى أخرى في حيز وطني والنقل الدولي من دولة إلى أخرى خارج الحدود الوطنية.

ثالثاً: التنقيل:
ويقصد به النقل الإجباري للأشخاص من مكان إلى آخر وأكثر جرائم الاتجار بالأشخاص تتخذ هذا النوع من النقل الذي تنعدم فيه أبسط الصور التى يجب أن تتوافر بالنسبة لنقل الأشخاص.
فهو الأبعاد القسري في أدق صوره ويتحقق بالإرادة المنفردة للجاني وغالباً ينتج عنه اصابات بدنية بالضحايا تصل إلى حد الموت في أحيان كثيرة.

رابعاً:الإيواء:
وهو تدبير مكان لضحايا الاتجار بالبشر. وفي الغالب يكون مكان آمن لاقامة هؤلاء وتذليل الصعوبات التى تواجههم من أجل اتمام عملية نقل الأعضاء ،فالانسان يتحول في هذه المرحلة إلى سلعة تحت أمر التسليم.

خامساً:الاستقبال:
ويقصد به استلام الأشخاص الذين تم ترحيلهم أو نقلهم داخل الحدود الوطنية أو عبرها.
وتوجد علاقة وثيقة بين الاستقبال والايواء حيث أن الإستقبال أسبق من الإيواء سواء داخل البلد أو خارجها.
وغالباً ما يقترن الإستقبال بالايواء المؤقت لمدة معينة تمهيدا لتسليم الضحايا إلى آخر بعد إتمام إجراءات الكشف الطبي عليهم وإجراء التحليل المناسب حتى تمام الحلقة الأخيرة في هذه التجارة وهى نزع عضو من جسد وروعه بجسد آخر.

هذه هى أنواع السلوك الإجرامي الذي نصت عليه المادة سالفة البيان ولقد أضاف القانون المصري رقم 164 لسنة 2010 إليها صورة أخرى من هذا السلوك تتضمن “البيع والعرض والشراء أو الوعد بهما”
وهى صورة تعكس حقيقة مأساوية يتحول فيها مجموعة من البشر إلى سلعة تخضع للتسليم والتسلم.
أما الحلقة الأخيرة في هذه التجارة هى التعامل
ويقصد به كما جاء بقانون تنظيم زرع الأعضاء 5لسنة2010 “الاتفاق على نقل العضو أو جزء منه أو أحد الأنسجة نظير الحصول على منفعة أو مقابل مادي أو عيني سواء وقع هذا الاتفاق بين المنقول منه والمنقول إليه أو أية أطراف أخرى ”
وجدير بالذكر هنا أن الطبيب يعرض على المريض بيع العضو مقابل مبلغ معين وهنا يتحول الطبيب إلى سمسار في مجال الاتجار بالأعضاء البشرية. وقد أشار القانون سالف الذكر لظروف مشددة لعقوبة الاتجار بالأعضاء البشرية وكذلك القانون رقم 64 لسنة 2010 الخاص بتجارة البشر وهذه الظروف المشددة تتمثل في التهديد بالقتل أو الأذى أو التعذيب البدني والنفسي وغيرها من صور التهديد وكذلك جعل من القرابة ظرفا مشدداً كأن يكون الجاني زوجاً للمجني عليه أو من أصوله أو من فروعه أو كان له الولاية عليه وكذلك إذا نتج عن الفعل وفاة المجني عليه أو إصابته بعاهة مستديمة أو إذا كان المجني عليه طفلاً أو من عديمي الأهلية أو من ذوى الإعاقة أو إذا أُرتكبت الجريمة بواسطة جماعة منظمة.

” الوسائل”
(Means)

بالإضافة إلى مجموعة الأفعال السابقة فإنه يشترط أن تتم من خلال أحد الوسائل حيث جاءت بنص المادة الثالثة من البرتوكول
على النحو التالي:
التهديد بالقوة…استعمال القوة..القسر…الاختطاف…الخداع…استغلال السلطة…الاحتيال…استغلال حالة ضعف…اعطاء وتلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر.

ونظراً لأن الاتجار بالأطفال (Child trafficking) يختلف عن الاتجار بالبشر (Human trafficking ) من حيث إنه لا يُشترط لوقوع الاتجار بالأطفال استعمال القوة أو الخداع لتحققه والعلة في ذلك ترجع إلى عدم قدرة الطفل على اتخاذ قرار مستنير ،فارادته دائماً غير قادرة على موازنة الأمور الدقيقية بشكل يجعلنا نطمئن إلى صحتها ،ومن أجل ذلك فإن هذه الجريمة تكتمل حتى دون الوسائل سالفة البيان عندما يكون الضحية طفلاً.

“العقوبات في القانون المصري”

أشارت نصوص القانون 64 لسنة 2010 بشأن تجارة البشر والقانون 5 لسنة 2010بشأن تجارة الأعضاء البشرية للظروف المشددة حيث جاء بنص المادة 6 من القانون 64 لسنة 2010″إذا ارتكب الفعل بطريق التهديد بالقتل أو بالأذى الجسيم أو التعذيب البدني أو النفسي أو ارتكب الفعل شخص يحمل سلاح.
إذا كان الجاني زوجاً المجني عليه أو من أحد أصوله أو فروعه أو ممن له الولاية أو الوصاية عليه أو كان مسئولاً عن ملاحظته أو تربيته أو ممن له سلطة عليه.
إذا كان الجاني موظفاً عاماً أو مكلفاً بخدمة عامة وارتكب جريمته باستغلال الوظيفة أو الخدمة العامة.
إذا نتج عن الجريمة وفاة المجني عليه أو إصابته بعاهة مستديمة أو بمرض لا يرجى الشفاء منه.
إذا كان المجني عليه طفلاً أو من عديمي الأهلية أو من ذوى الإعاقة.
إذا ارتكب الجريمة جماعة إجرامية منظمة ”
وتصل العقوبة اذا توافر ظرف مشدد من هذه الظروف إلى السجن المشدد وغرامة لا تقل عن مائة الف جنيه ولا تجاوز مائتي الف جنيه وهي عقوبة نراها غير كافية وغير متناسبة لهذا الجرم.

اما بشأن الذي يجرى هذه العملية وهو في الغالب الأعم طبيب فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 5 لسنة 2010 على أنه ” يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه كل من أجرى عملية من عمليات النقل أو الزرع في غير المنشآت الطبية المرخص لها مع علمه بذلك، فإذا ترتب على الغعل وفاة المتبرع أو المتلقي تكون العفو السجن المؤبد.ويعاقب بذات العقوبة المنصوص عليها في الفقرة السابقة المدير المسئول عن الإدارة الفعلية للمنشأة الطبية في الأماكن غير المرخص لها التي تجري فيها أية عملية من عمليات نقل الأعضاء البشرية أو جزء منها أو نسيج بشري مع علمه بذلك”

والظاهر من هذا النص الأخير أن الطبيب يعاقب بهذه العقوبة بمجرد إجرائه هذه العملية خارج المنشآت الطبية المرخص لها مع علمه بذلك ومن هنا قد يكون هذا هو سبب اختيار المشرع لفظ “المتبرع” إذ أن هذه الجريمة تنشأ بمجرد إجرائها بمكان غير مرخص طبياً مع علم الطبيب بذلك وكذلك يعاقب بذات العقوبة المدير المسئول عن الإدارة الفعلية لهذه المنشأة الطبية.
ولا يخفى طبعا حكمة التشديد إذ أن صفة الطبيب هى العنصر الرئيسي في هذه التجارة الآثمة.

“الجانب الأعظم فن المأساة ”

لعل العالم قد اهتدى منذ عقود إلى حقيقة هامة وجوهرية هى أن القوانين الداخلية أو الوطنية قد باتت عاجزة عن مجابهة شكل معين من أشكال الجريمة حينما يتعدى ركنها المادي حدود الوطنية ليمتد عبر حدود دول ذات سيادة لكن هذا النوع من الجرائم يخرق سيادتها بغير شك.
ومن أجل هذا تفقد زهن الجماعة الدولية إلى الحاجة الماسة لأن توجد اتفاقية ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية وهو ما حدث بالفعل عام 2000 ثم صدر عن هذه الاتفاقية بروتكول نص في مادته الثالثة على تعريف يكاد أن يكون جامعاً مانعاً لجريمة الاتجار بالبشر ومن بينها نزع الأعضاء وهى الجريمة الأشد خسة ودناءة عبر التاريخ.

أما الجانب الأعظم في المأساة هو هذا الشخص الذى يمثل أهم أركان هذه الجريمة ونقصد به الطبيب !
ليس هناك تصور بشأن هذا الجريمة بدون هذا الشخص الذي يمثل أعظم رسالة في تاريخ الإنسانية وهى الطب ثم يتحول إلى ناقل أعضاء من وهو يعلم جيداً أنه ينزع سبب حياة من إنسان في حالة استضغاف يستحيل معها إلى سلعة ليزرعه فى جسد آخر يمتلك من المال ما يمكنه من شراء سبب حياة!
فالسمة المميزة كما قِيل بحق للاتجار بالأعضاء البشرية إنها جريمة تقوم بها شبكات منظمة عابرة للحدود الوطنية أو من العاملين بالمهن الصحية والطبية كالأطباء ورجال الإسعاف وأصحاب المستشفيات الخاصة ويتم في الخفاء لذا فهو صعب الضبط والمراقبة.
إن الاتجار بالأعضاء البشرية أشد من صور الاتجار بالبشر بذاءةً وخسة نظراً لأنه يقع غالباً بواسطة سماسرة الأعضاء والذين من بينهم وبكل أسف أطباء ومستشفيات ورجال إسعاف وعمال مشارح وغيرهم.

إن هذه الجريمة العابرة للحدود الوطنية تتجلى مأساتها في أنها تحول الإنسان إلى سلعة..هى عودة إلى الرق في أقسى وأحط صوره.
منذ وقت قريب جداً وخلال النصف الاخير من شهر نوفمبر 2017 اُلتقطت صور تظهر مهاجرين أفارقة يباعون فوق الساحل الليبي مثل العبيد مما دعا فرنسا إلى المطالبة بدعوة مجلس الأمن للانعقاد لمواجهة هذه الظاهرة.
وقد تم اكتشاف بقايا أجساد في صحراء سيناء بعدما نُزعت منها بعض الأعضاء وتبين أنهم أفارقة اقتادهم المهربون عبر صحراء سيناء من أجل تنقيلهم إلى إسرائيل لغرض عمليات نزع الأعضاء البشرية.

إن التقدم الطبي لا بد أن يكون في خدمة الإنسان..في تطبيب جراحة..في تسكين آلامه وليس في المتاجرة بأعضائه وجعلها سلعة تخضع للعرض والطلب.
إن كل قوانين ومواثيق ومعاهدات الأرض تصبح غير ذي جدوى إذا لم تكن تحفظ الإنسان جسده وكرامته.
إن عنوان الحضارة الوحيد هو الإنسان وبغيره تصبح الحضارة بلا عنوان.
وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك