رؤیة أدبیة لدیوان “حینما أفكر وحیدًا” للشاعر رمضان عیسى – بقلم الشاعر: یحیى الأسطل

أنت والتاریخ أعداء
إلا أن تكون ثورة أو ینقش اسمك فى كتاب
حینما قرأت هذه الومضة الشعریة وجدت نفسي مشدودا لكي أقرأ بتفحص أكثر فوجدت أن الشاعر ینطلق من فكرة راقیة اختارها بنفسه وحكمها في سلوكها وأنماط تفكیره ، فكرة تحمل التحرر بجمیع أشكالها ، وعلى الأخص شكلاه الوطني والاجتماعي ، والمناضل الساعي لانجاز ھاتين المهمتين من واجبه أن یُعرف نفسه ، ومن یكون ، وأین یكون من حیث المبادئ ، ومن حیث الطبقة التي ینتمي إليها ، ومن حیث الإطار الانتمائي والحزبي ، ومن حیث أشكال النضال المتغیرة حسب تغیرات الواقع المعیشي ، والظروف الداخلیة والخارجیة . ولا ضیر في الانتقال من شكل إلى آخر ما دام التمسك بالهدف هو الأساس ، ومن حسن الحظ الذي جاء ت به مصادفة الخواطر الشعریة ، أو جاء به القصد ، أن القصیدة الأولى أو الومضة الأولى للكاتب كما یسميها تتحدث عن الأنا ، فنراه یقول :
أنا نبض وردة … أنا اللیل … أنا الفجر … أنا الصحراء … البحر … الحب … الشاعر .
ففي هذه الظواھر الطبیعیة والإنسانیة رموز شتى ، أقلها الجانب الإنساني والجمالي وفيها جمع للأضداد تمثلا للقول الفلسفي :
” الواحد في الواقع اثنان ” وقد جمع الشاعر لكلمتین متضادتین : اللیل ، الفجر .
وهما كلمتان تعبران عن كنه الشاعر الوامض . فبعد أن یعدد سلسلة الأنا الذي یكونه یستثنى الظلم ، فیقول : إلا الظلم لا أكون … ولا أكون معه . وهذا هو انعكاس لجوهر العقیدة الإنسانیة الصافیة المحمولة في عقل رجل إنساني محب للبشریة المصفاة الخالیة من الظلم والقهر ، وعقیدة الكاتب سلاحه الذي لا یبتغي به صعودا إلى السماء ولا تحقیقا لكسوف شمس ، ولا خسوفا لقمر … بل من اجل الأنا !! فهل الأنا عند الشاعر هي ضرب من الأنانیة أم ضرب من الإیثار … أنا ” في لغة الكاتب هي النحن ” انها كما جاء في نهاية ومضته ” أنا الحیاة ” لذا تراه یصرح بأنه:
عندما : تفوح ریح الموت … والظلم … والآه… لن یطول الانتظار إذا علت النحن وذرة من إخلاص ” . فأناه هي النحن التي تعبر عن طبقة المظلومین المسحوقین المتطلعین إلى الخلاص من الآفات الاجتماعیة العالقة ،التخلص من الجور والغبن… ولا عجب إذا رأینا أن الأنا عنده تشكل قاعدة الارتكاز والانطلاق .
وخوفا من تسرب بعض الأوهام أن ” أنا ” الشاعر هي ” أنا” تحمل نفس سمات الأنا عند أي فرد نراه یقارن بین أناه ، وأنا الآخر فیجعل لها مزیة لا تملكها ” أنا ” الآخر ….. فأصغ ( اسمع ) إلى قوله تحت عنوان ” اعتزاز ” :
: قل ما تقول ما الضیر … إن كنت أنا المارد … وأنت القزم … أنت الحصى ، وأنا الهرم … أنا الحیاة وأنت العدم …
وفي النهایة ( أي نهاية الومضة یقول : لأنا أخر ” الأنت ” : لن تستطیع أن تصادم صلد الهمم .. فرمضان عیسى تأبى كلماته إلا أن تعبر عنه كما یأبى هو إلا أن تعبر عنها فكلاھما في وحدة جدلیة واحدة یعكس إحداھما الآخر ویطوره ، تطوره الكلمات ویطور هو الكلمات … وخلاصة التجربة دائما تقود إلى الأفضل … وإلا ما جدوى التجربة إن لم نرتقي وتتحسن الأحوال …” أناه” متمیزة عن الغیر بحكم نشدان الهدف الأسمى الذي یعتبر أن وجوده مع أترابه وأبناء فكره یشكلون النواة والأداة للتغییر، ففي الإشارة إلى الأتراب تنفي لإمكانیة تحقق الهدف عن طریق القدرة الفردیة ، أو المعجزات والخوارق .. بل یحتاج إلى نظم الصفوف ، وتنظیر
للأهداف وتوصیف لطرق الوصول … فیقول تحت عنوان ” انسان ” :
” اسقط مع أترابي شاقا بطن الأرض كي لا أرى ظلما یسود .. كي لا اسمع نشید الموت فوق كوكبنا ” .
والسقوط هنا سقوط الولادة ، أو هو الانولاد من رحم الجهل، ولادة جدیدة ولادة مستنیرة
ففي اختیاره كلمة ” كوكبنا ” مضاف إلى “أنا” المتحدثین فيها توسع في الإطار الذي یحوي صراعه مع أعدائه ، أو خصومه…. لقد تعدى الأطر القومیة ، والإقلیمیة في الصراع فخطا خطوة أوسع و كأنها رنین كلمات كارل ماركس عندما قال :” یا عمال العالم اتحدوا ”
ف” رمضان عیسى ” یربط نفسه ومصیره بالمظلومین في بلده و بلد غیره لأنه یؤمن بوحدة الكون ، ووحدة الإنسانیة ، ووحدة الأعداء ووحدة المقهورین بغض النظر عن قومیاتهم ولغاتهم ، فكما أن الكون واحد ینبغي أن یكون العالم الإنساني واحد ..
ویجب أن تكون الحریة واحدة غذاء لكل روح ، والحریة لا تأتي كما یقول أھل التجارب إلا عبر الصراع و الانتزاع … و الصراع یولد القتل إما بین الظالمین ، أو إما بین المظلومین فیتولد من ذلك ما اعتبره العرب القدامى الموت الكریم في الذود عن الحمى والأرض والعرض والأوطان ، وما نعتبره نحن الموت “الشهادة “.. فنراه ( أي الشاعر ) یعتبر أن موت الشهيد ھو حیاة بل “الحیاة ” لذا نراه یقول واصفاً الشهيد :
الشهيد یسقط … یلثم الأرض … دفقة جرح . تنساب ، تنغرس معها كل ھموم الأرض .. نار الثأر.. الغضب .. الأحلام .. تنمو شجرة بألف ثمرة …
وفي نهایة الومضة یقول على لسان الشهيد ” أنا الحیاة ” و كأن الحیاة لدى الكاتب لیست هي أیة حیاة ، بل الحیاة الخالیة من الظلم والاستبداد.
وهي الحیاة التي لا تأتي إلا بالنضال و الاستشهاد … فإذا كان موت الشهيد مكتوب له الحیاة في أذهان البشر ، فان الشاعر یعتبر من لم یحصل على الشهادة لیخلد بها ، أن یخلد في الحیاة عن طریق الكلمة النافعة المدونة في عمل فني أو كتاب فكري … أو فلسطیني أو علمي … الخ فنراه يقول وقد اعتبر نفسه مظلوما لم تنصفه الحیاة … تمنى ولم ینل ما تمنى ، وطمح وقصر به الأمل … ” نعم ، نعم لقد غبنت في دنیاك … لم تنصفك الحیاة … فذوى النجم ( والمقصود العمر بالطبع ) إلا النقمة على الظلم ، إلا الغضب ، … الحب و رقیق أحساس … سطرت في كتاب ، سُطر عليه اسمك والعنوان … فهل مت حقا ؟
فالكتابة عزاء النفس الطامحة في الخلود وأنعم بالكتابة … لأنها إذا التزمت كانت نوعا من النضال الراقي …
إذا قمنا بإحصاء المفردات لدى رمضان عیسى لوجدناها تتحدث عن الثورة الظلم ، التمرد ، الحب ، الطبیعة ، فیتساءل عن الأشیاء التي تعجبه والتي لا تعجبه انطلاقا من القدرة على أحداث الأفضل فنراه یسرد صورا من أعلى إلى أسفل بعضها قابل للتغییر ، وبعضها غیر قابل للتغییر ، وربما لجأ الشاعر للتمويه على المطلوب على من لم یلمح والتصریح للألمعي اللماح فیقول تحت عنوان : ” سؤال ” :
أتعجبني الشمس كما هي .. أم أریدها على غیر لونها .. أتعجبني السماء كما هي أم أرید تغییر شكلها… البحر والقمر والشجر ، والصدیق … وزوجتي .. والشیخ .. والحاكم … أیعجبني ؟ والحقیقة أن الكاتب یشعر أن الحیاة تكون أجمل إذا خلت من ظلم بعض المسرود أو المتحدث عنهم في هذه القائمة ، ومن هؤلاء من یعتبر نفسه محتكرا للحقیقة أو أنه هو الحق والسائر على حق ، ورمضان عیسى یرى أن من یدعى أن الحقیقة عنده وینكرها على غیره لا تكون حقیقته ، فاسمعه یقول تحت عنوان : ” نقاء ” :
” أنا على حق … أنا على صواب …. أتصور الحقیقة لي …. أتصور الحقیقة لهم ، فان قبلت فهي الحقیقة … وإلا فهي الضلال ” .
ومن كلامه يفهم هي تصورنا ، هي مفهومنا عن الواقع عن الأشیاء التي تحیط بنا ، وهنا بعضا من الناس یحولون المفهوم عن الواقع وتغییره لصالحهم ولا یقبلون هذا لغیرھم ، من هنا كان الاختلاف یأتي في مجال الاعتقاد والفكر ، وهو من الأمور التي یتصارع عليها البشر منذ الخلیقة ، وكل أصحاب الدیانات یزعمون أنهم على حق وغیرھم على ضلالة … ، وكذا أصحاب المبادئ غیر السماویة …
الكل یسرد اعتقاداته ویسوق أدلته المشفوعة بروحانیات أو مادیات ، ویظل العقل والعلم هو المیزان إذا استطاع العقل أن ینتزع نفسه من سیطرة العواطف والاعتقادات غیر الصائبة . وشاعرنا اعتبر أن العقل میزانا فتراه یقول تحت عنوان ” ميزان ” :
في هذه الدنیا صور عرجاء ، صور ممسوخة … ، تشدني ، تسحبني إلى ظلال الوھم ,,,, أحتاج إلى مقص حاد لأقطع صور الخیال ، كما أهوى ويهوى میزان عقلي …
وكما یرى الشاعر ، أن الإنسان یعیش لكي ینفع ویضر … فهو یرید أن ینفع ویضر ، ولكن لمن منفعته وعلى من ضرره ؟ استمع إلى قصیدة ” دعوة ” حیث یقول في نهايتها:
من أنا أن لم أ كن مع … وضد … ، وترك ما بعد مع فراغا ، وما بعد ضد فراغا .. ، آملا من القارئ أن یكمل مع البؤسـاء ، وضد الظالمین …
فالوجود عند الكاتب مع وضد ، فإذا كنت مع وضد ، فأنت منتم ، والانتماء لابتغاء الحریة ، المطلب المفقود ، والذي رآه الشاعر في انطلاقة الطیر یحلق والسماء له ، لا حدود ولا حواجز ولا جمارك ، ولا حراسات ، ولا حاجة لجواز سفر ، ولا اضطرار لتصاریح إقامة …. حقا إن هول القیود هي التي جعلت الإنسان ینشد الحریة ، ویرغب في الانطلاق ، فما القیود التي أحـس بها كاتبنا حیث یقول تحت عنوان ” قيود ” :
كم قیدا حولي ؟ قید اسمي ….. قید شكلي ….. قید وطني …… قید والدي ….. قید میراث …… قید عقلي …. قید الله….، سينتهي العمر وأنا مثقل بالقیود ……
وفي ھذه القیود التي عددھا الشاعر ما یعكس القدریة أو الجبریة . فهل یتصرف الكاتب بروح القدریة ، أم بروح الطائفة الاعتزالیة في الفلسفة ؟ انه من النوع الثاني ، من أتباع المدرسة الاعتزالیة ” المعتزلة ” الذین یعتبرون الإنسان مسئول عن أعماله ، وإلا لما صحت نظریة الثواب والعقاب ، فنراه یعقد مقارنة بینه، وبین القرین أو الشیطان ، فیقول من الذي یفعل الفعل :
” لي قرین واحد أم اثنین ، للشر واحد وللخیر واحد …. أم هما الاثنان واحد ، إن فعلت الخیر ،
أفعله أنا ، أم قریني الواحد ، وان فعلت الشر أفعله أنا ..,, أم قریني الواحد ؟
فالشاعر یرى أن الإنسان مسئول عن فعله لأنه هو فاعله في الحقیقة ، وأن القرین أو الشیطان مجلوب إليه لتبریر الجانب السیئ من العمل ..
.. الشاعر والمرأة
یحس الكاتب بالغبن الواقع على المرأة ، لا سیما فى تعدد الزوجات ، فیقول متمثلا إیاها :
“أربع إنسانة أنا ؟
فلماذا تكون ربع إنسانة وهي كیان كامل مكتمل له یدان ، وثدیان وجسد ، وإرادة وأحاسیس ومشاعر…. إلخ .
ولقد وحد الشاعر بین الحب للمرأة ، والحب للفكرة بحیث جمع بینما فى ومضة تحت عنوان : ” هي ” .
” إلا هي دوما معي في حضرتي ، في صحوتي ، في سكرتي ، إلا هي حبیبتي “.
فهل المقصود بالحبیبة المرأة أم الفكرة أم كلتاھما معا . فالإنسان لا یحقق سعادته واكتماله واستمراریة حياته إلا بالمرأة ؟.
كما أن الذي یسعي إلى الثورة یجب أن یقترن بفكرة ثوریة ، ومن لم یتزود بالفكرة الثوریة فقد یضل الطریق ، لذا لجأ الكاتب إلي الفكرة الثوریة لكي تحميه وتقيه من شر المتاهة واختلاط الفكر وانطماس المعالم ، لذلك یقول تحت عنوان ” متاهة ” :
( نسق الفكر یحمیني ، یقیني شر متاهة ، أنأى بنفسي عن سرعة حكم .. عاطفة ، اختلاط فكر ، تهجرني المتاهة .
فإذا أحس الكاتب بمیل الناس إلى ركون فان الكاتب أحب الفصول وأرادها ان تكون مزمجرة ، فخذوا مثلا شتاء الكاتب :
” أحب الشتاء .. برق .. ورعد .. وإعصار .. وریح عاتیة تنسف كل بیوت الظلم
والسجون .. فلا أرى لهم من باقیة ” .
خذوا أیضا صیف الشاعر ” الصیف فتوة .. حرارة .. ثورة .. حركة … تمرد … شباب … حیویة … انطلاق … اشتیاق … ” .
ویرمز إلى الخريف بالتساقط وعدم المواصلة للدرب ، فيقول : ” یؤسفني أن بصمات الخریف تؤلمني أكثر من الموت ” فإذا كان الموت ینهشني مرة واحدة ، فالخریف ینهشني مرات ومرات”
وفكرة الموت تطارد كل حي من الذین حققوا والذین لم یحققوا أمالهم ، ویبدو أن شاعرنا من الذین لم یحققوا أمالهم ، والسبب كامن في قوله في قصیدة بعنوان ” أحلام ”
( اعرف أن الفجر بعید وبقایا العمر تتبخر ، وأحلامي ، أحلام أطفال هذا الزمان ، سیقرؤها الأطفال من كتاب شعر ) .
ورغم تباعد الفجر كما المح ھو إلا انه یراه قادما إذا ثبتت الخطي على الطریق المؤدیة إليه ” لا بل ثبت الخطي ترقي إلى القمم … ” فالمشاهد في الواقع :
” الأرض ملئت ظلما وساد فيها الشر ، فأین معاجز الرحمة …
لا أرى غیر مجروح ، ومقروح ، ومبحوح ، من فرط نداه ” .
كل هذه الظواھر لا تزول إلا بالثورة ، وان عدوها الحقیقي من یدعو إلى الصمت والصبر .” الصبر .. الصبر … الصمت الصمت … إلي متى … دقوا دقوا … ارفعوا الصوت عالیا … أما آن للقید أن ینكسر ؟؟ . فمن یعشق العلا لا یتوقف عن السعي إليه.
” إن كنت تعشق الصعود الى الجبل فلا تقل ما أعلاه …
إن كنت ممن یعشق الصعود للآلة
فاطحن الصمت واجعله مرادفا للصلاة ”
كل ذلك من أجل العدل والوطن الذي یعتبره ملكا للجمیع فنراه يقول تحت عنوان ” بلادي “:
بلادي لي … لك … له … لهم … لنا … لیست غنیمة لأحد .
نأمل أن نكون قد ألممنا ببعض شخصیة الشاعر من خلال ما اخترناه .
بقلم : يحيى الأسطل .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك