القبيسيات

مقالات عامة
2.9K
0

القبيسيات

عندما تكون المرأة خطرة على المجتمع

نافذ سمان

القبيسية هي حركة مجتمعية دينية معروفة لدى أواسط المجتمع السوري السُنّي ، و لمن لا يعرفها فهي حركة دعوية نسائية ظهرت في سبعينيات القرن الماضي ، على يدي منيرة القبيسي و بدعم مباشر من مفتي الجمهورية آنذاك أحمد كفتارو .

انتشرت الحركة التي ركزت مجهوداتها على نصف المجتمع السوري المُهمّش،  و أقصد به نساء الطبقة فوق المتوسطة السنية ، و التي لم يُسمح لهن بعد أن تُشاركن في المجتمع كعضو فعال ، فاستغلت تلك الحركة ذلك الفراغ ، و سرعان ما انتشرت رغم ادعاءات محاربة السلطات لها ( و التي أعلن عن منحها تراخيص العمل رسمياً عام 2006 ) .

ركّزت الحركة المريبة نشاطها على نساء العائلات الدمشقية العريقة ، و اللواتي كُنّ قوّة برجوازية مالية لا يُستهان بها . كما اهتمت الحركة بأصحاب الاختصاصات العلمية منهنّ ، و من خلال ( مُساعداتهنّ ) بدأت الحركة تتوسع و قد قُدّر يوماً أنّ ما تملكه أكثر من 200 مدرسة على امتداد القطر .

طبعاً فإن إطلاق إسم ( القبيسيات ) على هذه الحركة لا يُعتبر أمراً صحيحاً فعلياً ، بل هو نوع من أنواع التمييز لهنّ ، كونهنّ لا يملكن اسماً محدّداً لهنّ ، كما أنّهنّ لا هدف محدد مُعلن لهنّ أيضاً ، و لا كتباً خاصة ( على الأقل كما يدّعين ) .

فالإسم في سوريا جاء من مؤسسة الحركة منيرة القبيسي ، و التي دُعمت فكرياً من محمد سعيد رمضان البوطي ، و سياسياً و لوجيستياً من قبل أحمد كفتارو ، و الذي راقه أن تتبنى منيرة فكره الصوفي على الطريقة النقشبنديّة ، و لعلها كانت صفقة منيرة الرابحة ، حيث ركبت الموجة آنذاك و نجحت كعادتها في تجاوز صعاب تواجد مؤسسة نسائية تزاحم ما اعتاده النمط الدعوي الذكوري .

أمّا في الأردن فقد عرفن بالطباعيات نسبة لزعيمتهم ( الحجة ) فادية الطباع ، و في لبنان بالسحريات نسبة إلى ( الآنسة ) سحر حلبي ، أما لقب آنسة هذا فله قصّة و مكانة لا تحوزها إلا قلّة من المرضيات عليهن ، و اللتين يخوّل لهن أمور ممارسة الدعوة و التنظيم و إلقاء الدروس في المدارس الخاصة بالجماعة ( قُدّر تبعية أكثر من 50 % من المدارس الخاصة و أكثر من أربعين مسجد في أحياء دمشق الراقية للجماعة ) .

بقيت الجماعة هاجساً أمنياً للسلطات السورية حتى مطلع الألفية الثانية ، و كانت نشاطاتها تحظى بمراقبة مكثفة ، كونها كانت بالأصل صفقة ترضية للمجتمع السني بعد نكسة حزيران ( يونيو ) و أحداث الأخوان المسلمين الدامية .

تدين الحركة بديمومتها و انتشارها لحنكة مؤسستها و راعيتها ، خريجة العلوم الطبيعية ، و التي اهتمت بعدم التصادم مع أيّ مكون أو إتّجاه أو تيار في المجتمع السوري ، حتى أنّها تخلّت عن أحلامها بالتغلغل في أوساط المجتمع الحلبي المُحافظ ، و الذي أبدى مقاومة شديدة لإنتشار أفكار الجماعة الصوفية و المُعدّلة .

يتصف تنظيم الحركة بالغموض ، ككلّ تفاصيلها ، إلا أنه من المعروف أن تدرّج المستويات يبدأ من الأعلى ، الحجة ، حيث تُسمى كذلك رئيسة التنظيم ، أو من في حكمها ، أما ( الآنسة ) فهي العصب الرئيسي للتنظيم ، و هي من تقوم بالدعوة و إحياء ( حلقات الذِكر ) و يُطلب منها أن تكون صاحبة كاريزما ( لعلّ من السخرية أن نقول ، أنّ التبحر بالعلوم الشرعية لا يُعتبر شرطاً لبلوغ مرحلة آنسة ) كونها تجمع التلميذات حولها بشخصيتها و رابطة العاطفة ، و هنا مكمن خطورة الجماعة ككلّ .

تعتمد الجماعة على الطاعة المطلقة و العمياء للآنسة ، و التي يُعتبر رضاها من رضى الله و رسوله . فللآنسة سلطة مادية و معنوية على التلميذات ، و اللواتي عليهنّ مكاشفتها بأدق التفاصيل ، و سماع نصائحها و التقيد الحرفي ( الإلزامي أو الطوعي ) بما تقول و تنصح و تقترح . هذه الآنسة التي سرعان ما تم اختراع صفات خارقة لها ، فهي المتحكمة بمزاج التلميذات ، و لها الاطلاع تام على خفاياهن و نواياهن ، فهي ( تشمّ ) خطاياهن و تكشف زوغانهن عن الطريق القويم إن حصل .

ينعكس تقسيم الجماعة على الملابس المستخدمة أيضاً ، فالتلميذات يرتدين ( البالطو القصير ) و يستخدمن اللون الأبيض لحجابهن الإجباري ، و الذي لا يغطي الوجه ، و يتم عقده على الرقبة . ذاك اللون الأبيض الذي يزداد زرقة مع تدرج التلميذة في ( حلقات الذكر ) و براعتها في حفظ و تجويد القرآن الكريم ، إلى أن يتحول إلى أزرق كحلي ، أو أسود بالنسبة للحجة .

ليس هناك مراسم خاصة لترسيم التلميذات ، إلا أنّ الجماعة تلتزم بإقامة تلك الحفلات الفارهة ، و المصروف عليها بكرم ، و التي تُعد في آن أحد أهم مصادر دخل الجماعة ، ثم يُفرض على التلميذة حضور (  حلقات الذكر ) و التي يتم نصيب الآنسة فيها على كرسي عال ، و تتناوب التلميذات على تقديم فروض الطاعة لها ( تقبيل القدم ، نيل البركة ، التهافت على نيل فضالة كأس الماء الخاص بها ) و لحلقات الذكر هذه صفة الهيجان الجمعي ، حيث يتم أحياناً إطفاء أنوار المسجد مكان الحلقة ، و تتبارى التلميذات أيّهن تفقد الوعي أولاً ، حيث أن ذلك يُعتبر كرامة للتلميذة ، و حظوة لها عند الخالق .

الجدير بالذكر أنّ من مبادئ الجماعة الأساسية ، تحريم زيارة النساء للمساجد ، إلا أنه يبدو أنّ هذا المبدأ قد تم التخلي عنه آنفاً ، بعد أن خصّصت السلطات مساجد خاصة بالجماعة .

تنكر الجماعة قولها بالحلول و بوحدة الوجود ، إلا أن كلّ أدبياتها تتناول ذلك و تؤمن به .

تتجسد خطورة هذه الجماعة بسيطرتها على التلميذة المنتسبة ، و تحويلها إلى ما يشبه الدمية بطاعتها المطلقة و ذوبانها في الجماعة ، حيث يتم تحميلها المهمات المتعددة و المتكررة ( و التي تصب في خدمة الجماعة ) مما يؤدي إلى انفصام التلميذة عن المجتمع و تطوراته ، كما يتم شحن التلميذة بأصول الطاعة و تفضيل الذكر و التواكل ، و غالبا ما تودي هذه الأفكار إلى عنوس المريدة ، و تفضيلها خدمة الجماعة على بناء الأسرة ، و كل ما يترتب على ذلك من آثار نفسية مؤذية على التلميذة المكبلة بتقديم خدمات لا نهاية لها للجماعة .

تعمل الجماعة على تشييئ المرأة و التقليل منها ، و هنا تبدو غرابة الأمر ، حيث أن معظم منتسباتها من صاحبات الشهادات العلمية العالية ، إلا أنّ لعب ( الآنسة ) على وتر العاطفة ، يبدو أنّه كان ورقة الجماعة الرابحة ، و بها كسبت تأييد المرأة لكلّ ما يشجع على استغلالها و التقليل من شأنها عن طيب خاطر .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك