كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً

كيف تصنع مليار دولار من اللاشيء.. حرفياً
في العام 2008 حصل الأخوين كاميرون وتايلور وينكلفوس على مبلغ تسوية قدرة 65 مليون دولار لأغلاق ملف قضية قاما برفعها على زميلهم السابق في جامعة هارفارد مارك زوكربيرج تتهمه بسرقة الأكواد البرمجية الخاصة بهما واستعمالها في صناعة موقع “الفيس بوك” .
لم يعترف مارك بسرقة هذه الأكواد ابدا ولكنه قبل بدفع التسوية حرصا على سمعته و تخوفا من تمكنهما من الحصول على تعويض ضخم ان استطاعا حشد بعض من زملائهما السابقين و الشهادة لصالحهما , وأيضا لتخفيف الضغط عليه في قضايا أخري مماثلة .
حصل الأخوين وينكلفوس على مبلغ 65 مليون دولار دون القيام باي شيء و بعد دفع مستحقات المحاميين و الخبراء الذين ساعدوهما في الحصول على هذا المبلغ وضعا جزء من ثروتها يقدر ب 11 مليون دولار في استثمار من نوع جديد .
في العام 2013 عندما كانت عملة البيتكوين الرقمية (العملة الرقمية عبارة عن كود برمجي وليس لها وجود فعلي و لا قيمة حقيقية على الاطلاق الا بالقدر الذي يحدده لها المضاربون في التعامل ) تقيم ب 120 دولار للبيتكوين الواحد قاما بشراء كمية ضخمة هذه العملة الغامضة (التى لا يعرف من مبتكرها ولا الكمية المتوافرة منها ولا ملاكها بغض النظر عما يتردد كل فترة من معلومات يتضح كذبها لاحقا).
ومن 120 دولار الي 11831 دولار قفزت قيمة البيتكوين في السنوات القليلة الماضية , ومعها تضاعفت ثروة الاخوين الي ما يزيد عن مليار دولار !
تلك العملة التى لا يقابلها اي شيء مادي ارتفعت قيمتها بشكل جنوني بعد استعمالها كوسيلة دفع غير قابلة للتعقب في العالم السفلي للأنترنت فيمكن بيع وشراء أي شيء من المخدرات للأسلحة للمواد الاباحية الغير قانونية بدون القدرة على تعقب متلقي او دافعي الاموال خلافا للأوراق المالية المرقمة و الحسابات البنكية المراقبة , و اشتهرت عندما استعملت للحصول على الفدية في عمليات الاختراق الالكتروني والتى كان أشهرها الهجوم العالمي بفيروس (واناكراي) الذي عطل أجهزة الكومبيوتر في 70 دولة حول العالم و دفع الضحايا الفدية لاستعادة السيطرة على حاسباتهم بعملة بيتكوين دون ان يتم التوصل الي اشخاص المهاجمين الي اليوم .
ليست البيتكوين العملة الرقمية الوحيدة في العالم ولا المحاولة الاولي لصنع عملة عالمية غير ورقية ولا مرتبطة بدولة ولكن الضجة حولها و التى يصعب قبول انها كانت طبيعية جذبت الالاف من المغامرين و الطامحين للمضاربة عليها لتصل الي هذه القيمة التاريخية المذهلة ويحصل من صنعوها و استحوذوا على الكم الاكبر منها على ثروات هائلة نتيجة هذه المضاربات .
ولا نستطيع ان نتجاهل هذا الواقع الفريد من نوعه الذي نشهده .. حيث اصبح الحصول على الثروة من لا شيء فعلياً امراً واقعاً فالأخوين وينكلفوس قد حصلا على ثروة مهولة بدون ان ينتجا اي شيء او يقدما للمجتمع اي شيء .. حتى انهما لا يدفعان ضرائب فثروتهما من تعويض قضائي معفي منها و عملة البيتكوين غير مدرجة في العملات المعترف بها وغير معروف حجمها ولا اصحابها فلا يمكن احتساب ضرائب عليها !
أهمية مثل هذه القضية لا تكمن في أثارتها و الثروة الهائلة المرتبطة بها فحسب بل أنها تطرح أسئلة عميقة حول النظام الاقتصادي العالمي وحول الاخلاقيات الرأسمالية والليبرالية .
فالأخوين وينكلفوس وغيرهما عندما قاما بتكوين هذه الثروة من اللاشيء ودون تقديم شيء الي المجتمع حتى الضرائب استعملا طرقا قد توصف بالاحتيالية و تصم ثروتهما الضخمة انها نتيجة عمليات نصب ..
ولكن قانونا هما لم يرتكبا اي خطأ يؤاخذا عليه بل تعد أفعالهما وغيرهما من ترويج لعملة البيتكوين و قبلة في مقاضاة مارك زوكربيرج للحصول على جزء من ثروته افعالاً مبررة و مقبولة في اطار الليبرالية والنفعية ..
لم يرغم مارك على دفع التسوية و لم يرغم احد على المضاربة في عملة البيتكوين حتى اصبحت قيمتها ترتفع وتنخفض بجنون بين عشية وضحاها و حتى الان التعامل بالتكوين قائم رغم محاولات الصين و الاتحاد الاوربي السيطرة عليها وتقنين التعامل بها للحد من خطورتها الاقتصادية و الجنائية .. فما الذي يجعل صناعة مليار دولار من اللاشيء ( هناك مليارات كثيرة ولكننا لا نستطيع وضع ايدينا عليها بهذا الوضوح ) امراً سيئاً او لا أخلاقيا ؟
ليست الإشكالية في الثروات الجديدة المهولة التى تكونت في أوقات قياسية ولكن الاشكالية انها ليست نتاج عمل او ابداع او جهد و لا تعبر عن اي قيمة مادية او علمية وكأنها نتيجة سحر اسود ! و هل هو من العدل ان يستحوذ بعض الافراد على ثروات تكفي شعوب وبلا جهد ولا عمل ؟
بحسب الرؤية الرأسمالية الليبرالية فهؤلاء لم يرتكبوا اي جرم بل أنهم يمثلون نماذج يحتذي بها بحسب الرؤية النفعية التى تحدد الصواب والخطأ بحسب ما يعود على المريء من ادائهما من الم او متعة .. والحصول على مليار دولار بلا جهد أمر ممتع بالتأكيد .
ولكن هل هذا امر سليم عقليا و اخلاقيا في الحال و المآل ؟ هل حقاَ الرأسمالية والليبرالية مستقبل العالم المشرق ام ان الامر يحتاج لإعادة نظر ؟ لا أدعي التوصل الي رأي حاسم في الموضوع و تقييمه ولكنه يحتاج منا بالتأكيد للكثير من التأمل والتفكر .

أحمد فتحي سليمان

facebook.com/ahmed.fathie.7

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك