من أين جاءت تخاريف العقل الباطل وقانون الجذب والتنويم المغناطيسي ؟ – بقلم: حمودة إسماعيلي

علوم الأوهام هي المجالات التي تأتي من جانب علمي، لكن بناء على خرافات علمية؛ مثل قانون الجذب والعقل الباطن والتنويم المغناطيسي. كل هذه المجالات التي تعتمد على الطاقة بين الكون والإنسان، أتت من نظرية الأثير؛ وهذا الأخير هو المجال الكوني الذي اعتقد إسحاق نيوتن أن الأجسام تتحرك فيه؛ ليأتي إنشتاين بنظرية النسبية التي نفت وجود هذا الأثير! وشهرة أنشتاين تزايدت لهذا السبب، لأن الكون كان يتم النظر له من خلال رؤية نيوتن، ليقلب أينشتاين هذه الرؤية.

نظرية الأثير، سيعتمدها طبيب نمساوي يدعى مسمر Mesmer ومن اسمه اشتقت كلمة mesmerize التي تعني التنويم المغناطيسي. مسمر أراد تطبيق هذا الأثير في مجال الطب، وذلك لعلاج الناس عبر جذب الشفاء من طاقة هذا الأثير الكوني (كان لمسمر اعتقاد بقوة الأبراج وتأثير الكواكب)؛ سينتقل مسمر لمدينة باريس لإقامة صالون، يضم ديكورات وألوان وموسيقى، يسبب الجو فيه حالة تنويمية للزائر، ويتاح لهذا الزائر لعب الدور الذي يريد – يقفز، يرقص، يغني، يتشقلب إلخ. تترك هذه التجربة نوعا من الارتياح لدى الزوار؛ لتزداد شهرة مسمر مع هذا الشكل من التنويم العلاجي، فصار الأمر أشبه بحفلات تنكرية. وقد تطرقت لهذه الجوانب بإيضاح في كتاب خطورة الإنسان.

هذا التنويم الذي يعتمد على الرغبة، سيدرسه سيغموند فرويد مع أشهر طبيب في النمسا وهو بروير. وبعد تخرجه كطبيب في مجال الأعصاب، سينتقل فرويد لمدينة باريس للتخصص في علاج الهيستيريا (التي كانت تعالج ساعتها بالتنويم)، وسيدرس تحت رعاية شاركو، الطبيب الشهير الذي يأتي الأطباء من جل أنحاء العالم للاستفادة من جلساته التنويمية. فرويد سيفهم كذلك علاقة الإيحاء بالتنويم مع الطبيب الفرنسي برنهايم.

بالعودة إلى النمسا، سيجد فرويد أن التنويم الذي درسه غير مساعد بشكل فعلي في شفاء المرضى، ولكن التنويم هو الحالة التي يتم الوصول عبرها لذكريات المريض المكبوتة ف اللاوعي – فكرة تلقاها من شاركو الذي أخبره أن الأفكار المرفوضة تهرب لتختبأ في أعماق العقل، والتنويم هو الطريق لجلبها كما في الحلم؛ سيغموند فرويد احتفظ بحالة التنويم دون إخضاع المريض للتنويم (يستلقي كما لو أنه سينام لكن يظل واعيا) – من هنا جاءت عملية الاستلقاء عند المعالج النفسي قبل البدأ بالكلام؛ حالة الاسترخاء هذه الهدف منها هو تسهيل بعث الذكريات، أما الآن فالعملية تتم وجها لوجه كما في الحوار الصحفي.

مع تطور طب الأعصاب، لم يتم إتباث هذا اللاوعي، وكتابات فرويد صارت ممنوعة على أي طالب بطب الأعصاب – تم اعتبار كتاباته خرافات. لكن بعد ذلك، بعض أطباء الأعصاب بدأوا بالاستعانة بأبحاث فرويد – لأن بعض المرضى بعد الجراحة يدخلون في حلم أو يتبنون قصة عجيبة – ليس بسبب اللاوعي ولكن لأن الرغبات متأصلة في دماغ الإنسان، وسرعان ما تتلبس قصة (مثل الحلم)؛ ولهذا السبب تعجبنا القصص، لأن رغباتنا تندمج فيها.

كانت هناك محاولات للإتباث العصبي للاوعي، مثل أعمال أنطونيو داماسيو، لكنه الأمر تعلق بجانب من الذاكرة تظل لدى المرضى، وهو معطى بعيد عن مفهوم فرويد للاوعي. وهناك فصل حول هذه النقاط وضعته بكتاب حشيش الفلاسفة (في فصل فرويد).

ظل اللاوعي الدارج في مجال العلوم الإنسانية هو الذي تطرق له كارل يونغ – تلميذ فرويد، وتخاصما بسببه – ألا وهو اللاوعي الجمعي : مجموعة الأفكار والرموز والتصورات التي تتوارثها الأجيال وتشكل البنية العقلية للفرد، يحتوي المفهوم هنا نزعة أنثروبولوجية. مسألة اللاوعي والخلافات حولها أبرزتها في كتاب عقدة فرويد (سيرة تشخيصية لطبيب).

أحد التلاميذ ويدعى فيلهلم رايخ حاول دمج الأثير الكوني بالتحليل النفسي، لكن النازيين اعتبروه شخصا غريب الأطوار وطردوه، وهو الموقف الذي تعرض له بعدة دول أوروبية، إلى أن ألقي القبض عليه بالولايات المتحدة الأمريكية.

غير أن أفكار فرويد وجدت متنفسا في العلوم الإنسانية مع جاك لاكان وجماعة البنيويين؛ طالما أن أفكار فرويد بالأساس مرتبطة بالقول و بما-لا-يقال. المرض النفسي مع جاك لاكان صار إشكالية لغوية، مرضك النفسي ينكشف عبر كلامك/لغتك، ولغتك هي طريقة تفكير بجانبين – واعي و لاواعي – واعتبر النقاد جاك لاكان محاولة فاشلة لإنقاذ اللاوعي الفرويدي.

في الولايات المتحدة الأمريكية (موقع تلاقي الثقافات) ظهرت حركة ثقافية تجمع بين : طريقة التلقين التي تبناها رجال الكنيسة (عبر الغناء وتنشيط الحضور بالتفاؤل)؛ وأثير مسمر؛ والعقل الباطن (لاوعي فرويد)؛ وتجارب إيفان بافلوف الحيوانية (تغيير السلوك)؛ وقصص الصين وبوذا في الهند (مع مجيء متصوفي شرق آسيا)؛ وطرأ دمج سطحي لهذه الأبعاد الفكرية، أنتج قانون الجذب وحرر عقلك الباطن ودورات استخراج الطاقة الكامنة وكل هذه العلوم الوهمية المبنية على الأثير!

الأثير بالنسبة للكون هو اللاوعي (العقل الباطن) بالنسبة للفرد، مجال مسيطر بدون أي دلالة أو أساس، تعويض حديث للوحوش الكونية والعفاريت عند الشعوب القديمة. ولا يعدو الأمر عن نزعات مرتابطة بالكيمياء الدماغية والنظام الحيوي (رغبات).

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






-->

تعليقات الفيسبوك