ليس المتنبي وحده .. شعراء سبعة قتلهم شعرهم

كثير منا يعرفون قصة النهاية المأساوية للشاعر العظيم أبوالطيب أحمد بن الحسين الشهير بالمتنبي ,

فالمتنبي الذى ظهرت موهبتة الكبيرة منذ نعومة اظافرة سرعان ما دفعه طموحة وأعتدادة بذاته الى القصور ينتقل من بلاط أمير الى أخر حتى أستقر فى بلاط صاحب حلب سيف الدولة ابن حمدان قرابة عشرة سنوات الى أن وقعت بينهم جفوة سببها حسادة وكثرة اعدائه فى البلاط الذين لم يكونوا يسلموا من لسانه الحاد وسخريته اللاذعة , ورواج أشاعات عن محاولة المتنبي التقرب من خولة شقيقة سيف الدولة , فغادر المتنبي حلب وعاد يرتحل بين البلاد و الامراء الى ان أقام فى مصر مادحاً كافور الاخشيدي حاكمها وهو يطمع فى أن يكون لديه أكثر من شاعر فيمنحة حكم أحدى الولايات أو منصب كبير .

ولكن كافور ضن عليه بالمناصب و ظل يعدة خيراً عام بعد عام دون أن ينفذ شىء وقدكان يتوجس منه ومن طموحة الكبير خيفة .

وفى النهاية خرج المتنبي من مصر يوم عيد تاركاً خلفه قصيدة فى هجاء كافور أشتد بها فى اهانتة و الاساءة اليه قال فيها

أكلما اغتال عبـد السـوء سيـده    أو خانه فله فـي مصـر تمهيـد

صار الخصي إمام الآبقين بها    فالحر مستعبد والعبد معبود

نامت نواطير مصر عن ثعالبها  فقد بشمن وما تفنى العناقيد

العبد ليـس لحـر صالـح بـأخ     لو أنه فـي ثيـاب الحـر مولـود

لا تشتر العبد إلا والعصـا معـه  إن العبيـد لأنـجـاس مناكـيـد

ما كنت أحسبني أحيا الـى زمـن يسيء بي فيه عبد وهـو محمـود

ورغم ذلك فان ما تسبب فى قتل المتنبي ليس أحد الامراء أو الملوك الذين كثيرا مامدحهم و هجاهم و انما احد صعاليك العرب يدعى ضبة بن يزيد كان بينة و بين بعض أصدقاء المتنبي نزاع فأحتمى بحصن وجعل يشتمهم و يسبهم من فوقة فرد عليه المتنبي بقصيدة غاية فى الفحش و أنتشرت ككافة قصائدة فأثارت غضب قبيلته و لحظ  المتنبي  السىء  صادف خال ضبة هذا فى جماعة من قومة أثناء سفر له فقتلوا المتنبي وأبنه و غلامة بالقرب من بغداد أنتقاماً لضبة من الرجل الذى أهان ملوك عصرة ولميصل اليه منهم أحد !

اما الشاعر الثاني فهو السليك بن عمرو  أحد صعاليك العرب الذين دفعهم الفقر والجوع الى السلب و النهب فكان السليك شاعرا و زعيم عصابة !

وأثناء احدى غارته على بنى مالك طاردة بعض رجالها فأحتمى بمنزل أمرآة من خثعم تدعى فكيهة واستجار بها فحمته و استغاثت بأخوتها فمنعوة و أنقذوة من القتل فقال فيها

لعمر أبيك والانباء تنمى     لنعم الجار أخت بنى عوارا

من الخفرات لم تفضح أباها   ولكك ترفع لأخوتها شنارا

وما عجزت فكيهة يوم قامت    بنصل السيف واستلبوا الخمارا

ولكن السليك لم يحفظ الفضل  لأهله فعندما حذرته امرآة متزوجة كان يعشقها من خثعم قبيلة زوجها  أهانهم قائلاً

تهددنى كى أحذر العام خثعما      و قد علمت انى امرء غير مسلم

وما خثعم الا لئام أرقة          الي الذل والاسخاف تنمى وتنتمى

فلما سمع بذلك الشعر رجال من خثعم قالوا أيقول فينا ذلك ونحن مجيروه ؟

فأعدوا له كميناً فقتلوة وعصابتة .

والثالث هو الكميت بن زيد قتيل حب أل البيت

ليس حب ال البيت ومدحهم بالأمر المستهجن عند المسلمين , خاصة ان كان الشاعر موزون القول غير مغالي فيهم ولا يخرج عن حدود المقبول أدبا و شرعاً ولكن الكميت الذي أشتهر بمجموعة من القصائد عرفت بالهاشميات كان يحيا فى عصر صعب فقد كانت مدحة لال البيت لا يعنى الا عداء البيت الأموي الذي أشتد فى تتبع شيعة الهاشميين و القضاء عليهم تحسبا لثورتهم ضد دولتهم ولم يكن الكميت يخفي ارائه السياسية ففى قصيدتة الشهيرة التى مطلعها طربت وما شوقا الى البيض أطرب يقول

وقالوا ورثناها أبانا وأمنا               وما ورثتهم ذاك أم ولا أب

يرون لهم فضلاً على الناس   واجباً سفاهاً وحق الهاشميين أوجب

وفى اخرى يقول

بل هواى الذى اجن وأبدى لبنى هاشم فروع الأنام

للقريبين من ندى والبعيدين من الجور فى عرى الأحكام

والمصيبين باب ما أخطا الناس ومرسى قواعد الأسلام

وهم الأخذون من ثقة الأمر بتقواهم عرى لا انفصام

ساسة لا كمن يرى رعية الناس سواء أو رعية الأنعام

لا كعبد المليك أو كوليد أو سليمان بعد أو كهشام

ورغم أن الكميت كان يعرض نفسة للمهالك بمثل هذه الابيات الا انه لم يكن يقول الشعر الا فى ال البيت و لم يكن يقبل منهم عطاياهم فعندما أرسل له أبوجعفر محمد بن الحسين الف دينار وكسوة هدية ردهم قائلاً (والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردت الدنيالأتيت من هى فى يديه (يعنى بنى أمية ) ولكننى أحببتكم للأخرة )

وعندما اهداة عبد الله بن الحسن ضيعة قيمتها أربعة الالاف دينار رفض قبولها ورد اليه صكها قائلاً (بابى انت وأمى أنى كنت أقول الشعر فى غيركم اريد بذلك المال والدنيا ولا والله ما قلت فيكم الا لله و ما كنت لأخذ لى شىء جعلته لله مالاً ولا ثمناً )

وربما كانت منزلة الكميت فى قومة مضر تسبغ عليه قدرا من الحماية ولكن خالد القسري حاكم العراق اراد الانتقام منه فسرب الى جوارى الخليفة هشام بن عبد الملك قصائد الهاشميات فلما سمع هشام هذه القصائد و علم ان الكميت قائها أمر بقتله فبعث خالد الى قوم الكميت و اعتذر اليهم واراهم كتاب هشام بقتله و لكن الكميت هرب ثم احتال الى ان وصل لهشام فاعتذر له فعفا عنه ورغم ذلك فلم ينجوا الكميت و قتل على يد بعض الجند المجهولين المتعصبين  ضد الشيعة دون امر من احد .

و الرابع هو أبى نخيلة وهو نموذجاً واضحاً للشاعر المرتزق الذي يمدح الامراء والخلفاء لعطايهم و جوائزهم  بغض النظر عن سياستهم وطبيعة شخصياتهم دون ان يكون له موقف سياسى ينافح عنه وقد اشتهر بمدح بنى أمية حتى قربة هشام بن عبدالملك الذى قال فيه

الى أمير المؤمنين المجدى رب معد وسوى معد

فى وجهه بدر بدا بالسعد أنت الهمام القرم عند الجد

حتى انه كان يهدية من ثيابة الخاصة وقد كان شديد الهجاء لاعداء بنى امية حتى سقطت دولتهم فأختفى ولكن الخليفة العباسي السفاح أمن الشعراء و عفا عنهم فدخل عليهم ومدحة حتى انه غير من ابيات شعرة فى هشام و غيرة من الامويين فجعلها للعباسيين !

ورغم كراهية العباسيين لابو نخيلة واحتقارهم له الا انه ظل فى أمان حتى أسقطة طموحة فى شر أعماله فقد علم أن الخليفة المنصور يريد توليه عهدة للمهدى بدلا من أخيه عيسي بن موسى فاراد ان يكسب حظوة عند ولى العهد المنتظر فقال

ليس ولى عهدنا بالاسعد عيسي فزحلقها الى محمد

من عند عيسى معهداً عن معهد حتى تؤدى من يد الى يد

فقد رضينا بالغلام الامرد وقد فرغن اغير أن لم نشهد

وانتشرت تلك القصيدة بين العامة والخاصة و بالفعل خلع عيسى من ولاية العهدوعقدت للمهدى و لكن أنتقام عيسى من هذا الذى اضاع منه الخلافة كان مروعاً فقد امر رجالة فطاردوة حتى خراسان فذبح و سلخ جلدة و القى بلحمة الى الطيور الجارحة تنهشة ولم يبقي منه شىء يدفن .

اما الخامس فهو صاحب المعلقة الشهير طرفة بن العبد الذى نشأ يتيما فقيرا فذم الفقرفى شعره كثيرا كقولة

إذا قل مال المرء قل صديقه ولم يجل فى قلب الخليل أخاؤه

إذا قل مال المرء لم يرض عقله بنوه ولم يغضب له أولياؤه

واصبح مردوداً عليه كلامه وإن كان منطيقاً قليلاً خطاؤه

ولما عرف بالشعر نادم عمرو بن هند ملك الحيرة مع شاعر أخر يدعي الملتمس فبينما كانوا يشربون أشرفت عليهم أخته وهو لا يعرفها فقال فيها الشعر فأصرها عمرو فى نفسه و أن لم يؤذية حتى لا يعير بقتل ضيفة حتى وصل اليه شعراً له يهجوة و يصفة بالبخل فأنتظر حتى عاد لقومة ثم ارسل اليهما بكتاب و فية ان يذهبا لعاملة بالبحرين ليتلقيا جائزة فشك الملتمس فى الامر ففتح الرسالة فوجد فيها الامر بقتله فهرب أما طرفة فلم يشك وذهب للبحرين بحسن نية فقتل بها عن ستة وعشرين عام فقط .

اما السادس فعبد الرحمن بن اسماعيل  الملقب وضاح اليمن لوسامته والذى ذاع صيته لمغامراته العاطفية كشاب جرىء لا يعدم حيلة للوصول الى من تعجبة من النساء وانكان كثير المبالغات كقولة

قالت ألا لا تلجن دارنا أن أبانا رجل غائر

قلت فإنى طالب غرة منه وسيفى صارم باتر

قالت فإن القصر من دوننا قلت فإنى سابح ماهر

قالت فحولى أخوة سبعة قلت فإنى غالب ماهر

قالت فليث رابض بيننا قلت فإنى أسد عاقر

قالت لقد أعييتنا حجة فأن اذا ما هجع السامر

فأسقط علينا كسقوط الندى ليلة لا ناه ولا زاجر

ولكن وضاح طمع الى شهرة أكبر و أن يكون شاعر قصور وليس شاعر عامة فكان فى طموحة هلاكة

فقد ذهب وضاح مع صديقة الشاعر كثير  الى مكة فى موسم  الحج الذى ذهبت فيه أم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك فأمتدح صديقة كثير وصيفتها بقصيدة فنال جائزة و ضمن مقعدا فى صفوف شعراء البلاط المعدودين .. ولكن طموح وضاح أوصلة الى ان يتغزل فى زوجة الخليفة نفسها قائلاً !

أصحوت عن أم البنين وذكرها وعنائها

وهجرتها هجر أمرىء لم يسل صفو صفائها

قرشية كالشمس اشرق نورها ببهائها

زادت على البيض الحسان بحسنها ونقائها

لما أسبكرت للشباب وقنعت بردائها

لم تلتفت للداتها ومضت على غلوائها

لولا هوى ام البنين وحاجتى للقائها

قد قربت لى بغلة محبوسة لنجائها

لتنتشر القصيدة أنتشار النار فى الهشيم ومعها أشاعات عن علاقة ام البنين بوضاح ويعلوا ذكر وضاح كما كان يرغب و على الرغم من ان الخليفة الوليد تجاهل الامر فى البداية بل و اجزل لوضاح العطاء لما مدحة بقصيدة الا ان تكرار وضاح للتغزل فىزوجتة بجراءة زائدة عن الحد ظناً ان الوليد لا يؤذية حتى لا يثير الاشاعات عن ان ما قيل فى الشعر ليس خيال وأنما حقيقة  لم يجعل للوليد بديلاً سوى ان يسكت هذا الشاعر للأبد و كان يمنع الوليد عن قتله ابنه عبد العزيز الذي قال ان قتلته فضحتى وحققت قوله لما تعدى الى ذكر أخته فاطمة زوجة عمر بن العزيز كانت نهاية وضاح ان وضع بصندوق و دفن حيا فى مكان مجهول فلم يعرف له قبراً.

والسابع بشار بن برد الذى ولد أعمى مشوة الخلقة يصفة الاصفهانى بانه (أقبح الناسعمى وأفظعه منظراً ) وعلى ذلك كان فقراً من ابناء الموالى أتهم بالكفر و الزندقة الشعوبية و أشتهر بسبب فحش قولة وشعرة و العجيب ان مصدر رزقة كان فحشة وعنف هجاءة فكان يدفع له اتقاء لشرة حتى لا يقول فيمن يبخل عليه قصيدة يعير بها !

وكان بشار يبدىء فيمدح الوزراء و الامراء و المشاهير فأما يعطونه فيرضى اويهجوهم حتى يعطونه فيسكت وقد مدح الوزير يعقوب بن داود فلم يعطية فهجاة فأسرها فى نفسه حتى تخطى بشار كافة الحدود فهجا الخليفة المهدى نفسة !

فدخل يعقوب على الخليفة وقال يا أمير المؤمنين أن هذا الاعمى الملحد قد هجاك فقال باى شىء فابى ان يقول ولكن دفع اليه بكتاب فية هجاء بشار ومنه :

خليفة يزنى بعماته يلعب بالدبوق والصولجان

أبدلنا الله به غيره ودس موسى فى حر الخيزران

فأمر المهدى به فحمل فى سفينة و جلد بها حتى زهقت روحه ثم القى جثمانة فى نهردجلة .

أحمد فتحى سليمان

https://www.facebook.com/ahmed.fathie.7

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






-->

تعليقات الفيسبوك