ثورة الزنج .. صفحة منسية من التاريخ الإسلامي

لهف نفسى على قصور ببغداد …  وما قد حوته من كل عاص

وخمور هناك تشرب جهرا … ورجال على المعاصى حراص

لست بابن الفواطم الزهر إن لم … أقحم الخيل بين تلك العراص

علي بن محمد .. صاحب الزنج

لا يمكن ان نناقش التغيرات السياسية و الفكرية في مجتمع ما دون أن نتطرق لأثر الطبقية في هذا المجتمع فالأفكار كالبذور لا تنمو وتزدهر إلا ان صادفت بيئة ملائمة وكل فكرة تحتاج لتنتشر ويكون لها اثر واقعي أن تلقي قبولاً من أفراد معينين بالمجتمع وبحسب موضع هؤلاء الافراد في التركيبة الطبقية و نسبتهم في تكوين الطبقة المنتمين اليها و موضعهم بها يكون حظ هذه الفكرة من الازدهار او الاختفاء .

وعندما صعدت البرجوازية العربية في عهد الامويين وأصبح العرب يسكنون القصور و يملكون الضياع  صعدت معها افكارها و اختياراتها الفقهية والسياسية فأصبحت الملكية الوراثية النمط المفضل للسلطة و اعتبرت فكرة الشورى تحريضا على الفتنة و صعدت الاختيارات الفقهية التى تحض علي الطاعة و التعاون مع السلطة و ترفض مقاومتها مع صعود نموذج الدولة الحامية التى تقتصر وظيفتها على حماية امن الافراد و لا تتدخل في حرياتهم الاقتصادية و الشخصية وليس لها من بعد ديني ولا سمت اخلاقي حتى فلا تحاول اداء وظيفة دينية أو الحفاظ على اخلاقيات المجتمع ولكن علي امنه وبصفة خاصة أمن الطبقات الاكثر ثراء منه  .

فسرعان ما تحولت الطبيعة التكافلية التشاركية  لجماعة المسلمين في عهد الرسالة حيث كان يطبق قول الرسول (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له  ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له ) ويجمع الناس طعامهم في صعيد واحد فيذوق كلا منهم من طعام اخيه بلا تمييز الي ذكريات وحكايات .

و سرعان ما تمايزت الطبقات في هذه الدولة الجديدة وبينما عرف العرب في المدن والأمصار ترفا و ثراء لم يكونوا يتخيلوه في أشد أحلامهم جموحاً و ظهرت الارستقراطية العربية مع استقرار الامر لسلالة الامويين كانت الغالبية العظمي تقاسي الفقر والفاقة وتزداد الهوة بين الطبقات أتساعاً ونمت الاحقاد  بين الأعراب و الموالي وشاعت في أوساطهم أفكار وعقائد الحركات الثورية المتعددة وأصبحوا معيناً لا ينضب لحركات الشيعة والخوارج وكافة الافكار الشاذة و المتطرفة بداية من حركة المختار الثقفي و الاضطرابات العنيفة في العراق  وفى نهاية الدولة الاموية ظهرت  ثورة الحارث بن سريج الذي ادعي انه المهدي المنتظر صاحب الرايات السوداء التى تخرج من خراسان كما ورد في أحاديث موضوعة مكذوبة علي الرسول  والتف حوله العديد من الموالي وأبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا في حركته قصيرة العمر .

ومع صعود الدولة العباسية بلغت الحضارة العربية الاسلامية أقصي ازدهار خاصة في عهد هارون الذي سميت ايامه ايام العروس لرخائها و توفي وفي بيت المال 900 مليون دينار ذهبي ثم عهد المأمون من بعده و من بلاط بغداد الذي امتلاء بالشعراء و المطربين و الملحنين انتقل الترف الي القصور على شواطئ دجلة و الفرات حتى أنشأ ابراهيم الموصلي مدرسة لتعليم الجواري الحسان و تدريبهم علي الغناء و الموسيقي و انشاد الشعر وأصول الحياة في القصور وآدابها ليتسابق عليهن الامراء والأثرياء في عصر أصبح اقتناء الجواري الشهيرات فيه علامة الرقي والانتماء لصفوة المجتمع  .

ولكن بجوار القصور الشامخة الممتلئة ترفاً علي شواطئ دجلة والفرات الممتلئة بالمراكب الصغيرة التي تصدع منها اصوات الموسيقي والغناء في نزهاتها البحرية الممتعة كان سكان الأكواخ والبيوت الطينية الصغيرة علي حالهم وفي ظل الصراعات السياسية و المذهبية الحادة كانت الحركات الثورية و حتى الفوضوية تمثل لهم فرصاً للحصول على ما تراه أعينهم ولا تمسه أيديهم من ترف و ثراء .

وكانت الملكيات الزراعية الكبيرة سمة عامة في عراق القرن الثالث الهجري ولتكدس الاموال بأيدي كبار التجار و الملاك الزراعيين بدئت حركة لأحياء الاراضي الموات المحيطة بالبصرة والتى أحتاج استصلاحها أيدي عاملة كثيفة لكسح المخلفات و تطهير القنوات وتجفيف المستنقعات وإزالة الطبقة الملحية من التربة وإعدادها للزراعة  , فتم استقدام جماعات ضخمة من العبيد من شرق افريقيا غلب عليهم أسم الزنج  للقيام بهذه المهمة  تحت امرة وكلاء السادة الاقطاعيين لينشأ نظام أسوء من نظام القنانة الاوربي بمراحل حيث كانت حشود هؤلاء العبيد تعيش في معسكرات عمل جماعية من الذكور بلا زواج ولا تكوين أسر ولا يخرج افرادها من تلك الاراضي التى يعملون بها و يأكلون منها ويدفنون فيها بلا أدني أمل في تغيير اوضاعهم الغير إنسانية إلا انتهاء حياتهم البائسة التى قضوها في خدمة جشع السادة الذي لا ينتهي  .

ومع بداية عصور الانحطاط في الدولة العباسية وتراجع دور الخلفاء و انعزالهم وصعود القادة الاتراك و سيطرتهم علي مقاليد الامور كانت الفرصة لكل مدعي طموح أن يحاول كسب سلطان وإقامة دولة مستغلاً الفراغ السياسي و الفساد الاداري و الاجتماعي الذي ضرب أطنابه كافة نواحي الدولة .

وفي عام 254 ه دخل البصرة علي بن محمد وقد كان زعم انه أحد أحفاد الحسين وان جده هرب للري بعد مقتل زيد بن علي بن الحسين في عهد هشام بن عبد الملك مثل كثيرين غيره أدعوا النسب العلوي في أطار سعيهم للسلطة مستغلين الثقافة الإسلامية السائدة التى تجعل من النسب العلوي سنداً لشرعية الساعي الي السلطة وتكسبه احتراماً في ظل ثقافة يحتل النسب الرفيع بها مكانة كبيرة و بدء دعوته في البحرين دون أن يحقق النجاح المرجو فدخل البصرة مع بعض اتباعه من الاعراب في ظل صراع دموي بين فرق الاتراك العسكرية  .

ولكنه فشل في استثمار الفوضى في القفز علي السلطة وقبض عليه وشتت اتباعه ولكن الحظ كان حليفة فتمكن من الهرب و الاختباء حتى عزل والي البصرة محمد بن رجاء وأنشغل الجنود الاتراك بالصراع الذي تجدد بينهم فأقام بموضع على اطراف البصرة يسمي قصر القرشي وهناك وجد مبتغاة

كانت جموع الزنج التى تعمل في الاراضي الشاسعة أمامه تمثل له الفرصة التى كان ينتظرها .

قوة بشرية هائلة بلا قيادة ولا ثقافة ولا موروث شعبي ولا ولاءات قبلية مستعدة تماماً للانقياد وراء اي داعية لأي فكرة ان بذل الجهد القليل الكافي لجذبها بالوعود و ايقاظ امالها المحبطة .

وهكذا فعندما قام فيهم علي بن محمد خطيباً في عيد الفطر 255 ه معلناً انه رجل من بيت النبوة خرج علي العباسيين غضبا لله و طلباً للعدل يريد أن يحررهم من الرق و يملكهم الدور و الاموال و يرفع عنهم ذل العبودية و يورثهم ما بأيدي السادة من متاع الدنيا الذي حرموهم منه بغيا وظلماً كانت استجابتهم السريعة أمراً متوقعاً فما الذي كان بأيديهم يخافون خسارته ؟

وسرعان ما تحول العشرات الذين استمعوا لخطبة علي وانضووا تحت لوائه  الي مئات وهو يسعى يجمع العبيد الذين يعملون في الاراضي و لما تنبه وكلاء ملاكها وحاولوا استعادتهم امر العبيد فضربوهم  ثم بدء في مهاجمة القرى و نهب الاموال و أطعام و كساء جنده من الزنج وبدء تسليحهم وتدريبهم على القتال وقد أصبحوا الالاف و انضم اليهم من الاعراب و الفقراء والمغامرين الكثير طمعاً في الغنائم وفي غضون ايام معدودة أصبح لعلي جيش مرهوب الجانب !

ثم بدئت غارات جيش علي في الاشتداد و عرض عليه ملاك الاراضي الذين لم يكونوا ادركوا حقيقة الوضع  ان يرد اليهم عبيدهم ويدفعون له فدية خمسة دنانير على الرأس فكان ردة ان  أستهدف البصرة و نهب دورها وأسواقها حتى خرج اهلها لمحاربته فهزمهم هزيمة ساحقة  فاستنجدوا بالخليفة الذي ارسل جيشا لإنقاذهم  ولكن جيش علي حقق مفاجأة وتمكن من هزيمة جيش الخليفة ثم استولي علي أسطول ضخم مكون من 24 سفينة كان متوجهاً للبصرة .

وكانت بغداد منشغلة عن امر البصرة و كل ما يحدث في الدنيا وقتها فقد تأمر بعض القادة على الخليفة المهتدي وأرادوا خلعة بينما رفض قادة اخرين وهددوا بالحرب ان قتل الخليفة او تعرض له أحد فظلت القوي العسكرية حبيسة بغداد وما حولها مستعدة للحرب الاهلية واضطرب الوضع و تصادم الفريقين و قتل المئات بينهم الي ان خرج المهتدي في الشوارع يستنجد بالعامة فلم يجيبوه حتى قبض عليه وقد أثخنته الجراح وسرعان ما وفته المنية بينما اخرج القادة الاتراك احمد بن المتوكل من السجن وبايعوه بالخلافة ولقب بالمعتمد  256 ه

و استغل صاحب الزنج هذه الفوضى فهاجموا ميناء الابلة و اقاموا بها مذبحة مروعة و اشعلوا فيها النيران فاحترقت اغلب مساكنها ثم أستسلم أهل عبادان وسلموا للزنج ما بها من سلاح وعبيد مقابل حفظ أنفسهم و أعراضهم ثم هاجم الاهواز فدمر و احرق وسلب  ونهب وبعد صدامات مع قوات الخليفة بدء في التوجه للبصرة .

وفي مطلع  257 ه بدء صاحب الزنج في حصار البصرة وجمع الاعراب و الزنج و بدء في الضغط عليها و في يوم جمعه بدء الهجوم الشامل من ثلاث جهات في وقت واحد فأعملوا في أهلها القتل واحرقوا المسجد الجامع و جمع من اهلها الكثيرين فعذبوا ليدلوا على اموالها ثم قتلوا ويقدر المؤرخين أن 300 الف نفس قد أزهقت في البصرة بالسيف و الحرق ومن استطاع الاختباء من اهلها قاسي المجاعة حتى أكلوا جثث الموتي .

وأصبحت لعلي صاحب الزنج دولة ضمت اغلب سواد العراق و البصرة والبحرين والأهواز وسلطان مهيب أسسها على الرعب و الارهاب و سفك دماء الابرياء  وأن كان حرر فيها الزنج من الرق و منحهم والإعراب الاموال والمساكن فقد أسترق ابناء العرب و الموالي الأحرار حتى أصبحت بنات العرب تباع بدراهم معدودة ولكل جندي من الزنج خمسة او اكثر منهن  .

وقد حاول بعض المؤرخين أن يصنفوا حركة الزنج في أطار الحركات الشيعية أو حركات الخوارج الأزراقة محاولين تفسير القسوة و الشبق الي الدماء الذى صاحبها ولكن الواضح أن تلك الحركة الفوضوية الدموية لم تكن ذات بعد ايدلوجي أو غاية اصلاحية برغم أدعاء صاحب الزنج نسباً علوياً وقيامة بضرب عملة نقش عليها المهدي علي بن محمد فسلوكه الشخصي فضلا عن سلوك العصابات التى قادها يناقض أي انتماء ايدلوجي فلم تكن هناك من دعوة ولا أفكار تناقش ولا جماعة رأى ولكن فقط القتل و النهب و الاغتصاب .

ولم يكن جيش علي من الزنج و الاعراب بأصحاب فكر ولكنهم لم يكونوا يعرفون من الاسلام إلا اسمه ولم يدخل قلوبهم ولم يهتم احد بدعوتهم و تعليمهم العقائد الدينية على اسس سليمة او محرفة حتى .

وكانت المأساة الانسانية في البصرة جرس ايقاظ للنائمين في بغداد فعهد الخليفة المعتمد لأخيه احمد الموفق بالتصدي للزنج فدخل معهم في حرب ضروس و رغم قوة جيشه إلا ان اسلوب حرب العصابات و خفة المقاتلين الذين اعتمدوا على الغارات والكمائن و القتال في الاحراش والمستنقعات التي اعتادوها أضر بجيشه فتكبد خسائر جسيمة الى ان انسحب 259 ه

وكان هناك خطر جديد يواجه الخلافة  حيث استطاع يعقوب ابن ليث الصفار ان يستقل بفارس فانسحبت قوات الخليفة من قتالهم لمواجهه دولته فاستطاع الزنج اعادة الهجوم على الاهواز و ارتكاب مذابح جديدة مروعة الى ان توفي يعقوب 265 ه و تصالح خلفه مع الخليفة.

وبينما كانت السلطة الاسمية للمعتمد كان احمد اخيه هو صاحب السلطة الحقيقة و المسيطر على الاوضاع حتى حجر على اخيه واستغل أحمد بن طولون الاوضاع و اعلن استقلاله بمصر و ضم معظم الشام اليها واستغل حجر الموفق على الخليفة فجمع الفقهاء وأعلنوا خلعه من ولاية العهد ولكن ذلك لم يفت في عضد الموفق ومنع اخيه من اللجوء لابن طولون بمصر وحدد اقامته.

ولما تفرغ الموفق لحرب الزنج اخيرا كانت حربة المريرة معهم والتى استمرت سنوات عاقب فيها الاعراب وشتتهم و استعاد ما سيطر عليه الزنج من المدن و الاراضي  وأثخن فيهم القتل الي أن حاصر المختارة عاصمة الزنج و أقتحمها بعد معركة دموية قتل فيها من الجانبين الالاف بينما هرب علي بن محمد تاركاً نساءه و ابناءه خلفه فعفي عنهم الموفق وأمنهم .

واستمر الموفق في مطاردة صاحب الزنج ليلتقي معه في معركة أخيرة 270 ه قتل بها و الالاف من أصحابة  و أستسلم الالاف منهم فأمنهم الموفق و تصيد الاعراب الالاف من الهاربين فاسترقوهم من جديد وقضي على من حاول اعادة الكرة من زعمائهم سريعاً .

وهكذا انتهت تلك الثورة الدموية التى و على مدار 14 عام أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن نصف مليون إنسان وأقامت دولة سرعان ما اختفت ولم يبقي منها إلا قطعتين من النقد واحدة بمتحف لندن و الاخرى بباريس منقوش عليهما علي بن محمد امير المؤمنين .

أحمد فتحى سليمان

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






-->

تعليقات الفيسبوك