الحذاء المثقوب (قصة قصيرة) – بقلم: سامح عبد الله

إكستر…. جنوب غرب انجلترا 1937.

عاد توم من مدرسته غاضباً يسأل أمه هذا السؤل الذى نزل عليها مثل الصاعقة..
أمي: هل الله عادل؟!! وجم وجه الأم وقد اختارت كلمات تناسب سن العشر سنوات، وقالت له برفق: بالتأكيد يا بني.. إن الله عادل. وسرعان ما كان رد توم: كيف وأى دليل على ذلك! انظري حولك لن تجدي شيئاً عادلاً. أنت تستيقظين منذ الصباح الباكر تعملين بمزارع الإقطاعيين والأمراء من أجل حفنة نقود، بينما يأتي تشارليز إلى المدرسة بعربة تجرها أربعة من الخيل وهو غبي كما يعلم كل من يعيش في هذه القرية. انظري يا أمي… هذا الغبي يأتي إلي المدرسة بعربة تجرها أربعة خيول يرتدي ملابس من الحرير واحذية من جلود تتخللها خيوط من ذهب، بينما أنا أذكى من في المدرسة وأذهب اليها بحذاء مثقوب! أين العدل يا أمي؟! وهل من العدل أن يخلق الله الناس أكثرهم تعساء ثم يكون هؤلاء الأغنياء من الأغبياء!! أين أبي يا أمي… لما ليس هو بجانبي.. لماذا لم يكن إقطاعياً أو أميراً أو صاحب ضيعة ؟!!

جلست الأم تفكر في كلمات توم الثائر دائماً. في الحقيقة لم تكن هى المرة الأولى التي تصدر عن توم هذه الكلمات. فقد كان دائماً هكذا ثائر ساخط على كل مايراه بعينه أنه غير عادل في الحياة. لم تخبره عن أبيه سوى أنه كان بحاراً ذهب في رحلة على سفينة تجارية ولم يعد، ولم تكن على يقين أبداً من أن توم يصدق هذه الرواية. أخذته مرات إلى الكنيسة وقرأ له الأب فرنسيس بضع آيات من الكتاب المقدس، لكن ذلك ما زاد توم إلا تمردا حتى أنه كان يسأل القس وهو طفل العشر سنوات ما كان يستوقف الرجل الغارق في العلم والقداسة! ولم تعد أمه تصطحبه إلى الكنيسة ولم تعد تطلب من كاهن أو قس أن يقرأ عليه نصاً أو ينشد إليه ترنيمة. بخور الكنيسة كان يخنقه وزيتها المقدس كان يثير حفيظته، أما دماء المسيح فقد كان يراها أنها أُهدرت لأجل من لا يستحقون! فقد خاطب يوماً تمثالاً مجسداً للمسيح عندما تسلل ذات يوم إلى كنيسة سانت نيكولا التي تقع بأطراف القرية وكان من بين ما قاله: لو تعلم كم من الدماء سُفكت بعد هذه الدماء!! لو أنك تعلم كيف أصبح الظلم يسود وأن لا أحد بات يذكر ملكوت السماء!

لم تجد الأم سوى الاستعانة بالأستاذ إسحاق مدرس توم بالمدرسة، وكان يعلم مدى ذكاء الطفل ومدى تمرده على كل ما هو مأثور، حتى ما يعتبره الناس مقدسا، وفى المقابل كان توم يحترمه كثيراً ويقدره ويتعلم منه ويؤمن بأفكاره المستنيرة. ذات ليل اتجه الأستاذ إسحاق إلى منزل توم وقال له أريد أن أخبرك بشىء هام جداً وخطير للغاية، ثم بدأ الأستاذ يقص عليه قائلاً: لقد رأيت رؤية بالأمس، لقد رأيت ملاكا أخبرني عنك وقال أنه علم كيف أنت غاضب وكيف أنك لا ترى شيئاً عادلاً في هذا الكون؛ لذلك أخبرني الملاك أنه سيقوم بعقد صفقة معك. أنت ستأخذ عربة تشارليز التي تجرها الخيل ورداءه وحذاءه في مقابل أن يأخذ هو عقلك وحذاءك المثقوب، وأن عليك أن تخبرني ما إذا كنت تقبل هذه الصفقة عند الصباح الباكر. وانصرف الأستاذ إسحاق وترك توم يفكر!

بالطبع كان توم يعلم ماذا كان يقصد أستاذه، فلم يكن مجرد معلم، بل كان فيلسوفاً ومفكراً، وأنه أراد أن يوجه رسالة إليه لم يستطع القس بكل ما أُوتي من قداسة أن يقدمها. عند الصباح الباكر اتجه توم إلى معلمه ليعطيه قراره رداً على صفقة الملاك وقال له توم: لقد اخترت الحذاء المثقوب!

جامعة إكستر 1960.

كان الشاب النابغة بمكتبه الصغير يستعد لإلقاء أول محاضراته بالجامعة، وكانت عن الاعلان العالمي لحقوق الإنسان. كان ينتظره أكثر من خمسمائة طالب وباحث وعدد من راغبي العلم، فقد عُرف عنه حيويته وطريقته الفريدة عند الإلقاء وعلمه الغزير. خرج الرجل إلى هؤلاء الذين ينتظرونه بشغف ثم قال لهم: أريد أن أبدأ حديثي معكم بقصة قصيرة. قصة طفل اسمه توم وأستاذ اسمه إسحاق وأم كانت عاملة كادحة بإقطاعيات الأمراء ..لقد قص عليهم قصة الحذاء المثقوب.

مرت السنون وأصبح توم أندرسون فقيها مفوهاً، والأكثر من ذلك فقد كان إنساناً مملوءاً بعقل ووجدان. لم يدخل توم كنيسة ولم يستمع إلى رجل دين، لكنه عرف الله وعرف أنه العدل المطلق والكمال المطلق الذي لايمكن أن يحيط به كتاب أو يُعرّفه لنا رجل دين. ظل توم يؤمن بما صنعته له أمه ومعلمه، ولم ينس يوماً حذائه المثقوب!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك