أبو إدريس (قصة قصيرة) – بقلم: رمضان عيسى

في حارتنا أشياء كثيرة ملفتة للنظر، وتستثير الاهتمام، منها أبو إدريس، رجل في العقد الخامس من عمره، متوسط الجسم والطول، ذو قسمات وجه صارمة، قل أن تراه ضاحكاً، قوي الشكيمة، هادئ الطبع، لا يظهر في الحارة إلا مساءً وهو عائد من العمل في بيارات الحمضيات أو في المواصي.

من عادة أبو إدريس أن يذهب للعمل مع أذان الفجر، لا يشاركه في ذهابه للعمل إلا الطورية التي يضعها علي كتفه في الذهاب والعودة، مع منديل كبير يلف به بعض الزاد له في العمل، وتراه يحزم بعض الفاكهة أو الخضار وهو عائد لبيته في المساء.

عرفنا أبو إدريس من سنوات طويلة، لم نره يغير شكله أو سلوكه إلا يوم الجمعة وهو يوم الراحة الإسبوعية. رُزق أبو إدريس من الأولاد أربعة أكبرهم إدريس ويعمل في حقل البناء، أما الابن الثاني فكان محمد الذي أنهى الثانوية بنجاح والتحق بالكلية الحربية، وتخرج ضابطاً برتبة ملازم، وباقي الأولاد لا زالوا صغاراً وتحت طور الاعتماد على النفس.

كان محمد الضابط فخوراً بنفسه معتداً بها، عز عليه أن يرى والده بهذه الحال، أراد أن يظهر نوعاً من العرفان بالجميل لوالده، فتوجه إليه قائلاً: إنني أرى يا والدي أنك تجهد نفسك كثيراً بالذهاب للعمل.

فقال الوالد: إن العمل هو حياتي وقد تعودت عليه، لا أستطيع أن أتصور حياتي بدون عمل.

فقال الضابط محمد: أريدك أن تستريح وتترك العمل فنحن بخير والحمد لله، ولا تشغل بالك من ناحية المصاريف.

فقال أبو إدريس: إن ما تقوله جميل، لكنه يعني ترك العمل، إنه الكسل، التقاعد المبكر.

بعد إلحاح متواصل توقف أبو إدريس عن العمل، جلس في البيت، لكنه بقي محتفظاً بالطورية، فعلقها على فرع الشجرة المزروعة في صحن الدار.

اختلفت حياة أبو إدريس، أحس بفراغ كبير، حيث كان يمضي جل وقته جالساً على وسادة في ساحة البيت، عيناه مشدودتان إلي الطورية كل صباح المعلقة على فرع الشجرة.ولما خلا له الجو وخرج الجميع أخذ ينظر إليها مناجياً. أنا وأنت يكسونا الهم والضجر لأننا منفصلان، أنت تعانقين الشجرة دون حراك، وأنا أعانق الفراش، لا من دافع للحركة.

أنت رفيقتي الخرساء يا من تلبين النداء وقت ما أشاء، أنت تمنحيني السعادة حينما اعزق الأرض بكِ، وأمهدها، فتزهو بالخير الوفير.

يكسوني إحساس بأنك بعيدة عني، لا أستطيع أن أحنو على عصاكِ بيدي، فأنت الآن تعانقين فرع الشجرة وأنا أعانق الفراش، عروقي أصابها الانكماش، أشعر أنها تتيبس لأنك بعيدة عني.

تقلب في فراشه، عيناه لا تتحول عن فرع الشجرة وقال: كنت أعانقك مع كل صيحة ديك، مع كل انبلاج صبح، عناقك يستثير عروقي، فيدب فيها النشاط. ولكن مهما حاولوا إبعادك عني فلن يستطيعوا، سأسكب الماء على الشجرة التي تحتضنك كل مرة أنهض فيها لصلاة. كل هذه الأفكار كانت تهاجم أبو إدريس وهو متكئ على فراشه لا يغادره، ويتقلب عليه وهو ينتظر مواعيد الصلاة والأكل. ورغم انه لا عمل له، فقد بقي على عادته يصحو مبكراً، لا يغادر الدار مصطحباً رفيقته الطورية للحقول.

زاد التصاق أبو إدريس بالفراش فأحس أن أوتاره تنكمش وعضلاته تتيبس، ثقلت همته، هاجمته الآلام في أطرافه، تباطأت حركته، أختل النظام الداخلي لأحشائه، أخذ يشكو من انتفاخ هنا ومغص في الجهة الأخرى وإمساك في القولون، وساءت حالته بشكل ملفت للنظر. أحست الأسرة بحالة أبو إدريس السيئة، لا مفر من عرضه على الأطباء. فعلاً فقد تم عرضه على الأطباء من كل التخصصات، لم يمر يوم إلا ويتم عرضه على طبيب.

فأمس زاره طبيب العظام، واليوم تم استدعاء طبيب الباطنية على عجل، أصبحت حالة أبو إدريس الصحية هي الشغل الشاغل للأسرة، خصوصاً الضابط محمد، الذي أحس أكثر من غيره بأنه هو المسئول عن الوضع الذي آل إليه والده، فأصابه الارتباك في العمل وفي البيت، اختل الوضع المالي له وللأسرة، فكل يوم دكتور داخل ودكتور خارج، ازداد الطلب على الدواء وأصبحت الأسرة تعرف أسماء الكثير من الأطباء، والكثير من الصيدليات، أصبح من الواجب على الضابط محمد معرفة أسماء الصيدليات المناوبة أيضاً حتى يستطيع توفير العلاج المطلوب فوراً ودونما تأخير.

رجع الضابط محمد يوماً من العمل فوجد أم إدريس جالسة وقد وضعت يدها على خدها، تحملق في صحن الدار زائغة النظرات، شاردة الذهن. فقال لها: مالك يا أمي، ايش إلي شاغل بالك؟ فقالت: حالنا تغير بعد مرض أبوك ومش عارفين هو يشتكي من ايش؟ وغلاوتك عندي، والله أبوك لما كان بشتغل عمره ما شكا من أي وجع، ولا قال أخ يا راسي. ومن يوم ما رمى هالطورية هجمت عليه كل الأوجاع.

وقف محمد مشدوهاً مما سمعه من والدته وقال: ما في حل إلا هي…. فتساءلت أم إدريس: ايش إلا هيه؟ فقال الضابط: مش عارفة ايش هيه؟ قالت: لا. فقال: الطورية…الطورية…يا أما هي الحل لكل الأوجاع التي يشكو منها والدي، أسرع إلي الشجرة، انتزع الطورية المستلقية على فرع الشجرة، قذف بها لوالده قائلاَ : خذ يا والدي , هذا هو دواؤك ، فدواء الأطباء عجز حتى الآن عن إخراجك من الحالة التي أنت فيها، ولكن الطورية ستكون الدواء الأمثل.

لقد نسيت أن العمل هو العلاج الأمثل لك جسدياً ونفسياً أيضاً. وهنا مد أبو إدريس يده إلي الطورية، تلمسها، مسح يده عليها باشتياق، وابتسم.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك