شارع السلطان بين السياسة والتاريخ وكيد العوازل

لم يكن قرار تغيير اسم شارع السلطان سليم بالقاهرة الاول من نوعه فقبلة قامت تركيا بتغيير اسم الشارع الذى تقع به سفارة الامارات الي (فخر الدين باشا ) بعد معركة اعلامية سببها قيام الوزير الاماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان بأعاد نشر تغريدة تتهم فخر الدين باشا بنهب وسرقة ذخائر المدينة المنورة عوضا عن الدفاع عنها في الفترة التى حكمها، قائلا إن هؤلاء هم أسلاف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

و كذلك قام مجلس مدينة واشنطون بتغيير اسم الشارع الذى تقع به السفارة الروسية الى (بوريس نيستوف) المعارض الروسي الشهير الذى تم اغتياله بالقرب من الكرملين 2015 واتهمت المعارضة الروسية الرئيس بوتن نفسه باعطاء الاوامر بالجريمة .
اما فى حالة شارع السلطان سليم فقد أعلنت محافظة القاهرة عن تغيير أسم الشارع بناء على التماس تقدم به الدكتور محمد صبرى الدالى أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، الذي برر تقديمة للمذكرة بأنه لا يصح إطلاق اسم أول مستعمر لمصر على أحد شوارع عاصمتها “السلطان سليم الأول قاد جيشه وحارب مصر، وارتكب كوارث أخرى، وحول مصر من إمبراطورية تضم الحجاز والشام واليمن إلى إمارة تابعة للدولة العثمانية فى يناير 1517، ودمر استقلال الدولة، وحل الجيش المصرى والذى لم يتمكن من استعادة تكوينه مرة ثانية إلا بعد 250 عام من حله، كما أنه أخذ معه بعض الحرفيين المتميزين المهرة وأرباب الصناعات المختلفة إلى اسطنبول”.

و أن هناك شوارع كثيرة فى مصر تحمل أسماء أسماء أجنبية كثيرة باعتبارنا مجتمع متعدد و قابل للآخر، مشيرًا إلى أنه رغم التسامح التى تشتهر به مصر مع الآخرين وتستقبل كل دول العالم ، إلا أنه لابد وأن نتوقف أمام بعض الأسماء التى لا نقبل أن تظل هكذا لحكام استعمروا مصر فى يوم من الأيام فقد تم إطلاق هذا الاسم على الشارع فى النصف الثانى من القرن الـ 19 فى عهد خلفاء محمد على، وهو كان مرتبطا بإنشاء منطقة العباسية والزيتون، ولكن بعد ما أصبحت مصر دولة مستقلة فمن الواجب أن نغير هذا الاسم ونوعى المواطنين بحقيقة هذا الرجل الذى قتل عشرات الآلاف الذين لم يحمهم احتمائهم بالمساجد ومع ذكرى مرور 500 عام على احتلال العثمانيين لمصر من حقنا أن نطالب بتغييره أنه من جاء ليحتل بلدى فى يوم من الأيام لا يستحق أن أكرمه وأخلد ذكراه مقترحاً أستبدال الاسم بـ”على بك الكبير” باعتباره أعاد لمصر أستقلالها حتى تمكن العثمانيين من التخلص منه بالسم .

وقد أنكر د. الدالى ارتباط التماسة بتوتر العلاقات المصرية التركية السياسية مؤكداً على انه باحث تاريخى متخصص ورجل علم ليس له علاقة بالسياسة ” فالهدف هو الذاكرة الجمعية المصرية فنحن لا ننسى، و فرض عين علىّ وعلى أمثالى فى تخصصاتهم قيادة هذه التحركات بشكل علمى ليس انتقاما من أحد، ولكن ردا لكرامة المصريين من حكام أذلوا شعبها، وردا لكرامة سلطان دافع عن مصر وأعاد لمصر استقلالها، والتاريخ لا ينسى، والأمر لا علاقة له بالسياسة، ولكن الهوية المصرية والكرامة تستدعى ذلك، فهل يقبل الاتراك أن يطلقوا على أحد شوارعهم اسم السلطان قايتباى”..

ايسر جوانب الموضوع هو شق المكايدة السياسية فيه فتلك المكايدة فى اتخاذ اجراءات رمزية تعكس العدائية و ان كانت صبيانية ممارسة شائعة ومعتادة وان كانت محبطة لمن يرون السياسة من شئوون البالغين فقط .

ولكن الشق المتعلق بالهوية و التعامل مع تاريخ الدول وتطورها هو ما يحتاج لبعض تأمل ..

وفى الحالة المصرية كنموذجاً ثار فى السنوات القليلة الماضية جدل بين المهتمين بالتاريخ و السياسة حول مرحلة مصر العثمانية فبينما وصف البعض من أصحاب الميول الاسلامية الدولة العثمانية بدولة الخلافة الاسلامية التى تعلوا على الدول القطرية معتبرين تلك الحقبة التاريخية “طبيعية ” وان تفتت الدولة العثمانية الي عشرات الدول نتج عن مكائد الاستعمار الذى أستغل الدعاوي القومية والوطنية لضرب الوحدة الاسلامية وتفكيكها أعلن اخرون ان الدولة العثمانية لا تعدوا كونها مستعمر كغيرها أستعبدت الشعب المصري و نهبت ثرواتة ومواردة .

وبداية فأننا عندما نتكلم عن مصر فيجب ان نفرق بوضوح بين مصر القطرية التى ميزها طابعها الجغرافي على مر السنين و مصر كدولة قومية حديثة الظهور فبينما المصريين عرفوا كابناء القطر المصري وساكنيه على مر التاريخ المكتوب لم يظهر المصريين كأصحاب هوية سياسية ثم قانونية يحملون جنسيتها الا فى اواخر القرن التاسع عشر فى عهد سعيد باشا الذى عرف بأنه صاحب مبدأ مصر للمصريين و اول من رقي أبناء مصر (الفلاحين ) الى رتب الضباط و مناصب مديري المديريات و سمح للمصريين بتملك الاراضي الزراعية و توارثها حسب الشرع بعدما كانت مصر كلها عدا اراضي الاوقاف أقطاع يديرة الملتزمون ولا يملكون منه شىء .

وعلي الرغم من أن الروح القومية المصرية صعدت لاقصي حدودها مع الحركة العرابية الا ان الانفصال التام عن الدولة العثمانية للمفارقة لم يكن أولوية بل العكس فنجد أحمد عرابي ذاته يقول فى حوار مع صحفي اجنبي (كلنا أبناء السلطان ويجب أن نعيش كأسرة في منزل، وكما أن أعضاء الأسرة الواحدة لكل منهم غرفة ينظمها كما يهوى، ولا يحق لرب البيت أن يستبيح حرمتها، فكذلك لكل شعب من الشعوب الإسلامية بلاد يعيش فيها وينظمها على ما يحب ويهوى وقد كسبت مصر استقلالها بالفرمانات وسنبذل كل جهدنا للمحافظة على هذا الاستقلال ولكننا سنخطئ إن طالبنا بأكثر من ذلك ولا يبعد أن نفقد حريتنا في مثل هذه المجازفة)

اما الشيخ محمد عبده فقد ذهب لابعد من هذا فى قولة (إن المحافظة على الدولة العلية العثمانية ثالثة العقائد بعد الإيمان بالله ورسوله فإنها وحدها الحافظة لسلطان الدين الكافلة لبقاء حوزته وليس للدين سلطان في سواها وأنا والحمد لله على هذه العقيدة عليها نحيا وعليها نموت) متهماً من يقولون بالوطنية والقومية بأنهم منفذون لخطط الفرنجة يريدون تشتيت جمع المسلمين وبث الفرقة بينهم بالتعصبات الجنسية فهدم هؤلاء المغفلين العصبية الدينية ثم لم يستطيعوا أن يقيموا مكانها العصبية الجنسية التي يسمونها الوطنية .

اما أول من تولي منصب رئاسة وزراء مصر 1878 بوغوص نوبار باشا فبالأضافة لمواطنتة العثمانية كان يحمل جنسية دولة بروسيا والتى أختفت من الوجود و اصبحت جزء من المانيا 1933 وكان يتقن الفرنسية و الانجليزية والتركية واليونانية ولكنه لم يكن يحسن العربية تحدثا او كتابة !

وحتى بعد الاحتلال الانجليزي وقيام حركة أستقلال مصر نجد مصطفي كامل الملقب (باعث الحركة الوطنية في مصر) الذي منحه السلطان العثماني رتبه الباكوية ثم الباشوية , يرد على سؤال صحفي انجليزى عن جنسيته أنه مصري عثماني ولا فارق بين الجنسيتين لأن مصر جزء من الدولة العثمانية .

ولكن مع الوقت تطور الفكر السياسي المصري وبدئت ملامح الهوية القومية فى الظهور فنجد محمد فريد خليفة مصطفي كامل فى قيادة الحزب الوطني يقول ( إن الأتراك يريدون أن يأكلوا مصر، ولكننا لا نقبل أن نؤكل بسهولة، وغاية ما نقبله أن نكون مع الأتراك مثل المجر مع النمسا ( دولة كونفدرالية) على شرط المساواة في الحقوق والاستقلال التام )

وعندما ظهر أحمد لطفي السيد منادياً بالقومية المصرية وفك الارتباط بالدولة العثمانية و الاستقلال التام عن كل تأثير أجنبي كان لأفكارة برغم عنف الهجوم عليها صدي واسع فى أوساط الطبقة البرجوزاية وكبار ملاك الاراضي و المثقفين الذين بالاضافة لاداركهم مدى ضعف تركيا وقوة الحركة القومية الصاعدة بها دفعهم طموحهم لامتلاك نصيب من السلطة و حماية مصالحهم للتمسك بالافكار القومية كوسيلة وحيدة ليكون أمرهم بايديهم باعتبارهم أصحاب البلد , وفي غضون سنوات قليلة كانت ثورة 1919 ترسم خطاً فاصلاً فى التاريخ وتعلن قيام الهوية المصرية الخالصة .

ولهذا يبدوا نعت الحقبة العثمانية بنعوت الاحتلال و الاستعمار غريباً فهذه الالفاظ مصطلحات حداثية مرتبطة بظهور الدول القومية الحديثة , اما فى عصر الأمبراطوريات فكان الفتح والغزو وضم الأراضى عسكريا السلوك الطبيعى للدول سواء فى الشرق الإسلامي أو الأسيوي او أوروبا التى تكونت دولها بأستيلاء بعض أماراتها ودوقيتها على بعضها و الاتحاد الشخصي بتصاهر العائلات المالكة بين الدول و دمجها فى دولة واحدة كما يندمجون فى اسرة واحدة .

وعلى الجانب الأخر نجد أشكالية واضحة عند هؤلاء الذين يغفرون للعثمانيين كل جريرة لتلقب سلاطينهم بلقب امير المؤمنين و دولتهم بالخلافة وكأن الفيصل و المعيار هو الأسماء والالقاب !

وعلى الرغم من انه يبدوا سخيفا محاولة تقييم تجربة دولة عمرت قرابة الخمس قرون و تصنيفها بميزان الشرع دفعة واحدة الا ان المخالفات الشرعية الصارخة فى تاريخ الدولة العثمانية مثلها ككافة الدول الاسلامية فى الواقع لا تخفي على قارىء جيد وليس باحث مدقق حتى , وان كانت الدولة العثمانية قد حملت لواء الاسلام بلا جدال حقيقي لعقود طويلة الا انها كانت أمبراطورية سياستها كغيرها من الامبراطوريات الشرقية والغربية قائمة على أضعاف ولاياتها أقتصاديا و سياسيا و أجتماعيا وعسكريا لصالح المركز لاحباط محاولات التمرد و نوازع الأستقلال وطموح الولاة في أن يصبحوا ملوكاً بدلاً من موظفين كما حدث و تفككت الدولة العباسية لما ضعف مركزها و قويت ولاياتها ولهذا لا يجد المنصفون من الأسلاميين غضاضة فى تحميل الامبراطورية العثمانية نصيبها المعلوم من وزر تخلف المسلمين عن الركب الحضاري و تأخرهم بينما تقدم غيرهم حتى أتت الحداثة بالاجتياح الغربي العسكري والثقافي دون ان تجد الولايات بأنفسها قوة لدفعها فتحولت الى مستعمرات فى العصر الامبريالى .

تفسد أهواء السياسة الكثير , ولكن ربما ينبغي علينا أن لا نترك عقولنا تستبيحها مكايدات السياسة الطفولية .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك