هل تصدّق أنه يمكنك تعلم اللغات وأنت نائم ؟!

في ظل العالم المفتوح عبر شبكة الاتصالات، أصبح من الضروري أن يجيد الإنسان لغات أخرى غير لغته الأصلية، كي يستطيع أن يتواصل مع أصحاب الثقافات الأخرى ويحقق الاستفادة القصوى، ومن هنا جاء البحث عن كافة آليات تعلم اللغات المختلفة، وإليك عبر هذا المقال إحدى هذه الآليات.

 

هل درست لغة ثانية في المدرسة؟ لعلَّك وجدت نفسك بعد سنوات مُضطرًّا لتعلُّمها من جديد لأنَّك لمتستوعب مما تعلَّمت إلا أقل القليل؛ فالواقع أن هناك آلاف الطلاب يتعلمون لغة ثانية في المدرسة ويقضون وقتاً طويلاً في تعلُّم اللغات ، ولكنهم غالبًا لا ينجحون في تحدثها بطلاقة.

واليوم تخبرنا دراسات كثيرة بأنَّ المشكلة لا تكمُن غالبًا في تقصير الطلَّاب في تعلُّم اللغات، بل في طريقة تدريس اللغة في المدرسة؛ فحفظ الكلمات عن ظهر قلب لا ينفع إلا للامتحان، ومع انتهائه تتلاشى كُل تلك الكلمات.. فهل هناك بدائل في تعلُّم اللغات ؟

الأكيد أنَّ هناك بدائل؛ والأطرف أنَّ هناك بدائل عجيبة، بعضها منطقي وبعضها أشبه بروايات الخيال العلمي!

ورّط نفسك في تعلُّم اللغات !

بعيدًا عن النظريات المعقدة في علم اللغات يقترح «سكوت يونغ» Scott Young و«فات جايسوال» Vat Jaiswal نظريّة لتعلّم اللغات في غاية البساطة، ولا يُمكن تسميتها إلا بنظرية «التورُّط» أو «No English» كما يسميها أصحابها.

«سكوت يونغ» ليس عالمًا، ولكنه يُعَد من أشهر المدونين في مجال التعلُّم. وقد اشتهر عندما قام بإنهاءتعلُّم مساقات علم الحاسوب التي تقدَّم في MIT خلال عام واحد فقط، ولم يكتف بهذا الحد من العلم؛ فقد قرر أن ينطلق هو وصديقه المهندس المعماري «فات» في تجربة فريدة لتعلُّم الإسبانية، والبرتغالية، والصينية، عَبر العيش لفترة قصيرة في إسبانيا، والبرازيل، والصين حيث استطاعا تحدُّث الصينية خلال 3 أشهر ونصف الشهر فقط، والإسبانية في 11 أسبوعًا فقط!

شاهدهما يتحدثان في أحد مؤتمرات TED:

القاعدة بسيطة: «يُمنع أن تتحدث بأيَّة كلمة من لغتك الأم. عليك أن تتحدث اللغة التي تتعلمها فقط»، وبالطبع فإن الأمر قد يبدو مستحيلًا في البداية، ولكن في الواقع فإن وتيرة التعلُّم ستصبح أسرع من أيَّة طريقة أخرى، لأن الطالب سيتعلم كُل ما هو ضروري لحياته اليومية، وسيتعلم الأهم فالأهم، وبعد أسابيع سيجد الطالب نفسه وهو يتحدّث اللغة الجديدة بشكل مُبهر، كما يظهر في الفيلم الوثائقي الذي قام سكوت يونغ وصديقه فات بإنتاجه عن تجربتهما في تعلُّم اللغات «الإسبانية في 11 أسبوعًا»، ففي بداية الفيلم كان واضحًا أنهما لا يفقهان شيئًا بالإسبانية، وبعد 11 أسبوعًا يظهر كيف استطاعا تحدثها بطلاقة!

أيَّة لغة.. في 6 أشهر!

لعلَّ نظرية No English تبدو متطرفةً نوعًا ما؛ فالواقع أن «سكوت» نفسه يعترف في مدونته أن نظريّته لم تكن «ناجحة جدًا» في تعلُّم اللغة الصينية، ولكن الخبير النفسي «كريس لونسديل» Chris Lonsdale لديه تجربة أعمق نوعًا؛ فقد كان مشغولًا مُنذ طفولته بسؤال مثير: «كيف يُمكن أن نسرّع عملية التعلُّم؟». وفي مُحاولته للإجابة على هذا السؤال، وصل إلى الصين لتعلُّم الصينية، واغتنم الفرصة لبحث الوسائل التي تجعل من تعلُّم اللغة أمرًا سهلًا ودونها في كتابه «الأذن الثالثة».

في مُحاضرة «كيف تتعلم أي لغة في 6 أشهر؟» يؤكد كريس أن لا بُد للعقل أن ينغمس في اللغة الجديدة عن طريقة كثرة السماع، بغض النظر إن كان المتعلم يفهم أم لا؛ فالمهم أن تعتاد الأذن على الإيقاعات الجديدة، ويُشير إلى أن تأمل الأطفال يُساعد كثيرًا؛ فالطفل يخلط كثيرًا في الكلام: إن أراد الذهاب للمرحاض يقول: «أنا – مرحاض – الآن»، وهذا يسرّع عملية التعلم؛ فهو يؤكد أن من يُجيد 10 أسماء و10 أفعال و10 صفات يمكنه أن يعبّر عن 1000 شيء مختلف، وكذلك يؤكد أن من يعرف 1000 كلمة من الإنجليزية مثلًا فإنه يجيد 85% منها، ومن يعرف 3000 كلمة فإنها سيجيدها بنسبة 98%.

بالإضافة إلى كل ما سبق، يشير كريس إلى ضرورة وجود «شريك لغوي» يمنح المتعلم الثقة والاهتمام.

تعلَّم وأنت لا تدري

تُعَد الخبيرة «فيرا بيركينبيل» من أشهر نقّاد التعليم في ألمانيا. كانت تقوم على معهد «التعلُّم المستند للعلم» أو «التعلم المنصف للعقل»؛ وقد حاولت خلال حياتها تطوير طُرق دراسية تجعل التعلم أكثر متعة وسهولة، فهي نفسها لم تنجح في الثانوية ولذلك لم تستطع الدراسة في ألمانيا وانتقلت للدراسة في أمريكا لتبدأ هناك مشوارها مع تطوير وسائل تعليمية تستند إلى دراسات الدماغ وعلم الأعصاب.

توفيّت «فيرا» وهي في قمَّة نشاطها العلمي بعد أن أحدثت ضجَّة واسعةً في ألمانيا بسبب مرض السرطان الذي تغلَّب عليها، ولكن كُتبها ومحاضراتها لا تزال تُبث وتُباع، ومن بين أفكارها «الثورية» فكرة أن يدرس الإنسان اللغة بلا عناء وبأسرع وقت ممكن.

تعتقد «فيرا» أنَّ لا بُد لمتعلم اللغات أن يُراقب الأطفال الصغار في تعلُّمهم ويتعلم من تجربتهم؛ وبالتالي فهي تعتقد أنه لا حاجة لكل القواعد اللغوية المعقدة المُملة للمتعلم إن لم يرغب إلا بتحدث تلك اللغة أو سماعها، وبالتالي فإنَّ الطالب لا بُد في البداية أن يعتمد على الترجمة وهو ما تسميه Decoding وما أن ينتهي الطالب من التسلّي بالترجمة كُل كلمة وكلمة فلن يبقَى أمامه إلا الاستماع إلى النص وهو يقرأ ما قام بترجمته.

الأكثر إثارة من كُل هذا، أنه وحالما انتهى الطالب من هذا العناء فإنه ينتقل للاستماع السلبي Passive listening من خلال الاستماع للنص الأجنبي في أي وقت شاء، ودون الحاجة لأي تركيز منه، لأن العقل اللاواعي سيقوم بتعلم المعلومات دُون الحاجة لوعي الطالب، وكلما تم الاستماع أكثر، تجذرت الكلمات في الذهن أكثر، وكلما أكثر من الاستماع سيجد الطالب نفسه وقد بدأ بالتحدث وممارسة النشاطات المختلفة، مثل الحديث وغيره بكل سلاسة.

تعلُّم اللغات أثناء النوم!

تعلُّم اللغاتإن كُنت ترى أن «فيرا بيركينبل» تُبالغ، فإن التعلُّم أثناء النوم سيُبهرك أكثر؛ فالأمر ليس جديدًا ولا هو مُجرد «خزعبلات»، بل عُمره 100 عام تقريبًا حيث ظهر في روايات الخيال العلمي عام 1911 إلا أن الأمر لم يلبث طويلًا حتى بدأ ينتقل إلى حقل البحث العلمي تحت اسم hypnopedia وتم ابتكار جهاز للتعليم أثناء النوم بالاستناد على فكرة قابلية العقل اللاواعي لاستقبال المعلومات أثناء النوم وكان هذا عام 1927.

في عام 2015، قام الباحث الألماني Björn Rasch بتجربة في مختبر للنوم في جامعة «فرايبورغ»، في مُحاولة للتعمق في فهم نظرية التعلُّم أثناء النوم، في تجربته هذه قام باختيار 27 شخصًا لحفظ شيء من الكلمات الهولندية مع ترجمتها الألمانية ثم قام بتكرارها عليهم «مسموعةً» أثناء النوم، في مُحاولة لتعميق حفظها في الذهن.

بعض الطلاب قاموا بسماع الكلمات مع معانيها الألمانية والبعض الآخر لم يسمعوا إلا الكلمات المُتعلَّمة بلا معانٍ، وكانت النتيجة أن الطلاب الذي سمعوا الكلمات وحدها بلا معان حصلوا على نتائج أفضل من أقرانهم، والسبب أنَّه يجب تقليل كُل ما يُمكن أن يُعَد إزعاجًا لعمليّة التذكّر، وبحسب الباحث فإنه لا حاجة لذكر الكلمة والترجمة، لأنَّ الأهم أن تحدث «دفعة» أو «تحفيز» يقوّي عملية التذكّر.

أخيرًا، من الجدير بالذكر أنَّ العلم لا يزال لم يتقدم كثيرًا في هذا المجال، ولكن من يدري لعلنا نعيش أيامًا، نتعلَّم ما نشاء ونحن نيام!

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك