شيخ أزهري يتحول إلى بواب في حانة

ابتعدت الرواية العربية عن انحصارها في النمط الواقعي، واتخذت لها طرقا سردية عديدة مختلفة، لكن يبقى الواقع العربي بمكوناته وثقله الكبير وثرائه المادة الروائية الأولى لكل كاتب. وقليلون هم الكتاب الذين يتمكنون من خلق عوالم نفسية وروحية من خلال شخصيات عادية وعناصر واقعية قد تبدو في قشرتها سطحية ولا يمكن استغلالها لبناء عالم سردي متكامل ونافذ يتمكن من خلاله من نقد الواقع وإعادة بنائه.

 مثل أسطورة قديمة لا نعلم إن كانت جذورها من الحقيقة أم هي محض خيال تسير بنا رواية “بواب الحانة” للكاتب والسيناريست المصري عبدالرحيم كمال لنخوض في عالم من الدهاليز، فلا نعرف ونحن داخله إن كنا اقتربنا من الخروج أم مازلنا عند خط البداية.

تمهيد أسطوري

قبل البدء في الرواية يسرد لنا الكاتب حكاية صغيرة في صفحتين اثنتين عن امرأة في الصعيد يضرب بها المثل في الصبر اسمها عجب رأت شيخ الكتاب يأكل طفلا صغيرا فهربت منه واختفت وتزوجت بعد ذلك من أمير، وكلما أنجبت له ولدا يأتي شيخ الكتاب ويخطفه ويضع دما على فمها ويتكرر الحال مع ثلاثة أولاد حتى يطلقها الأمير بعد أن يشك في جنونها وأكلها لصغاره.

وفي النهاية وبعد صبر طويل يعيد شيخ الكتاب الأولاد إلى عجب بعد أن صاروا صبية مهذبين متعلمين لتكون الحكاية مثالا على “الصبر على الظاهر الأليم ثقة في باطن رحيم”، كما يقول الكاتب.

الشيخ الساقي

بعد هذا التمهيد المستلهم من الأساطير تبدأ رواية عبدالرحيم كمال “بواب الحانة”، الصادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع في الجيزة، ومع الصفحات الأولى يدرك القارئ أن عليه ترك المنطق جانبا والاستسلام لخيال المؤلف الذي ينطلق من العراق مع شخصية عبدالله السكران، الرجل الذي يترك أولاده الثلاثة وزوجته ويخرج في شوارع بغداد للاستحمام في نهر الفرات، ثم يغطس في الماء وتأخذه سنة من النوم فيستيقظ فزعا، ويخرج من الماء ليكتشف أنه في نهر النيل في مصر.

تنتقل أحداث الرواية إلى القاهرة ليتوالى ظهور باقي الشخصيات مع رابط رئيسي يجمعها هي الحانة، التي تحتسي فيها الخمر كل ليلة، إلا أن الشخصية المحورية التي يظل الجميع يدور في فلكها هي حسان بواب الحانة.

شخصية حسان تبدو خلفيتها عادية مثل أي ولد تربى وحيدا لأب بائع فول في أحد أحياء القاهرة البسيطة، ولكنه كان شديد الحرص على تعليم ابنه تعليما أزهريا، فينبغ الولد بالفعل ليصبح شيخا نابها، لكن المقدمات لا تشي دائما بالنهايات.

ذات يوم وهو عائد إلى بيته ليلا يلتقي الشيخ حسان بشاب سكير يترنح في الشارع، ويسب بفم معوج وكلام سيء كل المارة، فيصفع الشيخ حسان الشاب صفعة قوية وينهال عليه ركلا وضربا، وينادي على المارة بأن يشاركوه في عقاب السكير المنحل.

وحينما يحكي الشيخ حسان إلى شيخه الأكبر ومعلمه عما حصل مع الشاب السكير لا يجد الإشادة المتوقعة أو الثناء على فعله، بل يتجاهله الشيخ ويعتب عليه عتابا صامتا، مكتفيا بقوله “لو جربت ما ذاق ما هان عليك الفراق”.

يذهب الشيخ حسان إلى الحانة التي خرج منها الشاب السكير ليعتذر له عما أنزل به من أذى أمام الناس بعد أن أدرك أن الإصلاح لا يكون بمثل ما تصرف، لكنه لا يعثر للشاب على أثر. وكان من العجب أن الشيخ حسان دخل إلى الحانة ولم يخرج.

تتطور شخصية حسان خلال مراحل الرواية من شيخ يعاقر الخمر إلى ساقي الحانة ثم إلى مالك الحانة ومديرها.

لكن حسان ليس كأي ساق أو صاحب حانة فقد أصبح الساقي الذي لا يشرب، وشرع في علاج أرواح السكارى المتعبين، يجلس ليسمع لهم، ويتعامل معهم برفق، حتى يقلع من يقلع عن الشرب ويصبر على من استمر.

رواية فانتازية

حكايات روحية

على مدى 174 صفحة من الرواية يسرد عبدالرحيم كمال حكايات مختلفة على لسان زبائن الحانة، تلامس البعض من الظواهر السلبية في المجتمع، مثل الإعلام المضلل والتدين الزائف وحلم الهجرة من الريف إلى المدينة، كما يسلط الضوء على بعض المعاني الأخلاقية مثل الإخلاص في الحب والوفاء للآخر.

ولا تخلو الرواية من الروح الصوفية التي تهيمن على أعمال المؤلف، متمثلة في الإنشاد والمواعظ وحب البطل “للسكارى

الخائبين” حتى ينصلح حالهم على يديه، وهو ما يخلق عالما روحيا عميقا من خلال عناصر بعيدة في سطحها عن هذه العوالم، فقد نجح الكاتب في أن يتخذ من الحانة والسكارى عماد سمائه الروحية التي ينفذ إليها القارئ من خلاله.

ونلفت على أن الرواية هي العمل الإبداعي الرابع للمؤلف عبدالرحيم كمال بعد رواية “المجنونة” والمجوعة القصصية “أنا وأنت.. وجنة وشهد” وكتاب الحكي الصوفي “ظل ممدود”. كما كتب أيضا مسلسلات تلفزيونية شهيرة كان أحدثها “يونس ولد فضة” و”ونوس” اللذان أذيعا في شهر رمضان الماضي.

المصدر: جريدة العرب

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك