قراءة في العجز الفكري لدى ميشيل دو مونتين وعزاءات الفلسفة – “نورة الثميري”

قراءة في العجز الفكري لدى ميشيل دو مونتين وعزاءات الفلسفة – “نورة الثميري”

في جنوب غربي فرنسا، على قمةِ تل من الغابات وعلى بُعد ثلاثين ميلًا من شرق بوردو، توجد قلعة جميلة مبنية من الحجارة الصفراء وسقوف من اللون الأحمر الداكن. كانت هذه القلعة منزلًا لنبيل في منتصف العمر، مع زوجته فرانسواز، وابنته ليونور، وخدمهم وحيواناتهم. وكان جدّ ميشيل دو مونتين قد اشترى هذا العقار من عائدات تجارة السمك المملح، وقام الحفيد الفيلسوف مونتين بالاعتناء بهذه القلعة رغم قلة خبرة فيلسوفنا بالعقارات ومعرفته المعدومة بالزراعة، فهو بالكاد يميّز بين الخس والملفوف، إلا أنه كان يقضي معظم أيام حياته ومعظم ساعات يومه في الطابق الثالث من قلعته حيث مكتبته ذات التصميم الدائري، التي تحتضن ما يقارب الألف كتاب في شتّى المجالات والعلوم، بالإضافة إلى قلب مونتين وعقله. هنا قرأ صاحبنا أعمال أفلاطون، وأبيقور، ولوكريتيوس، وأعاد كثيرًا قراءة سينيكا الذي أحبّه كما يحبه هو كثيرًا، أظهر مونتين ذكاءً عاليًا في صغره، وذهنًا متوقدًا وشغوفًا بكل حرف وسؤال (كانت القراءة مصدر راحة فعلي له كما هي لي وللآخرين: “كانت مصدر تعزيتي في عزلتي، كانت تريحني من وطأة التبطل الباعث على الاكتئاب، ويمكنها في أي وقت أن تخلصني من الرفاق المملين، فالالتجاء إلى الكتب هو كل ما أحتاج إليه كي أطرد الأفكار الكئيبة”).

حينما تكون في مكتبة مونتين ذات الألف كتاب، والأرفف الدائرية، كل ما عليك حينها هو أن ترفع رأسك للسقف لتجد ما يقارب الستين لوحة مثبتة على الأعمدة، وقد حُفر عليها عبارات من الكتاب المقدس والكتب الكلاسيكية، ترمي معظمها إلى مأساة الإنسان وعجزه الأبدي، مثل عبارة سوفوكليس التي تقول لنا بأن “الحياة الأكثر سعادة هي أن تعيش دون تفكير”، أو تذكير بليني الدائم لنا بأن “لا شيء أكثر بؤسًا وافتخارًا من الإنسان”.

فقد كان مونتين مهووسًا بالإنسان لا من حيث كونه كائن مفكر، بل بكونه بائسًا عاجزَا؛ فالعقل المعرفي والعمل الفكري لدى مونتين أدوات لتعاسة الإنسان الأبدية، فهل وضعت فينا إلا لتعذبنا؟ فما فائدة المعرفة لو فقدنا الهدوء والسكينة التي ينبغي أن نتمتع بها؟

وبعد دراسته المستفيضة حول حياة أرسطو يقف مونتين متسائلًا عن النفع الذي اكتسبه أرسطو من سعة اطّلاعه الهائلة؟ هل حررته من العلل البشرية؟ أو هل خلّصته من الخيبات التي تحدث لأي بواب عادي؟ هل للمنطق أن يعزيه بشأن أية مرض؟

لم يتوقف مونتين عند هذا الحد من نقد أرسطو فقط، بل يزداد تبجُّحًا في الحديث عن شيشرون والذي كان بطبيعته مفتونًا بالعمل الفكري فهو الذي لا يملّ من ترديد “ليس ثمة مهنة أجمل من البحث الفكري، البحث هو الوسيلة لزيادة معرفتنا طالما أننا في هذا العالم، علّمنا الورَع والاعتدال وعَظمة القلب، إنه حقًا ينتشل أرواحنا من الظلمة ويبيّن لها كم هي الأشياء سامية، ويمدّنا بوسائل البحث والعيش براحة وسعادة، إنه يعلّمنا كيف نعيش حيواتنا من دون استياء” 

كان هذا الثناء المبجل من شيشرون نحو العمل الفكري الذي يمارسه الإنسان ككائن عاقل كفيل بأن يغيظ مونتين الذي لا يرى في العقل إلا منبع البؤس الذي لا ينضب، مونتين لم يتردد في قول أن ثمة آلاف النسوة العاديات ممن يعشن في القرى هن أكثر هدوءًا واستقرارًا من شيشرون؛ مونتين الذي وصل به بؤسه ليقول ملء فمه: ” نادمين على أننا لم نولد نملًا، أو سلاحفًا، أو ماعزًا حتى” فقد انجذب للبحث نحو مزايا العيش كحيوان، إذ أن غريزة الحيوان لديه أجلّ قدرًا من دماغ الإنسان وعقله، وبه أصبح وضع الإنسان أسوأ من وضع خنزير على حد تعبيره.

يعجز الإنسان كثيرًا عن رؤية ما تحت قدميه، ورغم ذلك نراه متفلسفًا محدقًا في السماء مفكرًا فيما وراءها، جهولًا وظلومًا، هكذا هو الإنسان قد نسي أن بإمكانه أن يفكر فيما وراء السماء بعد أن ينهي تأمله في الأرض فيما تحت قدميه على الأقل، لذا يطرح مونتين سؤالًا عميقًا عن سرّ النزعة لممارسة أنشطة نخبوية كالعمل الفكري مثلًا على حساب أعمال  بسيطة ومتواضعة كتحسين علاقته بأسرته أو إتقانه لعمل وجبة غداء بسيطة؟!

أظن أنه  يجب علينا أن نُذكّر الإنسان بأن ينظر إلى ما تحت قدميه أولًا، قبل أن يحلّق نحو السماء ليهبّ ساقطًا على وجهه في كل مرة، فليس من الحكمة لدى مونتين أن تقضي ساعات يومك في فك شفرة كتاب فكري أو فلسفي صعب اللغة وأنت لا تعرف أن تصنع وجبة عشاءك مثلا،  أما بالنسبة لهؤلاء الحمقى الذين قرروا أن يسردوا الكتب بلغة مبهمة  (فهم يلجأون إلى استخدام “عملة” يستحضرها المتعلمون كي لا تكشف عن خواء دراساتهم) ولعل دهشة الإنسان الساذجة بكل ما هو مبهم وغامض جعل هؤلاء وأشباههم أنموذجًا للذكاء البشري رغم افتقادهم لأبجديات الحكمة الأزلية الأولى، حيث بساطة اللفظ ووضوح المعنى. وعلى الرغم من النقد الشديد الذي يوجهه مونتين نحو ساردي الأفكار، وأن ذلك السرد المغيّب ما هو إلا ضريبة بشعة لحب الكتب حيث تجعل الإنسان متوجسًّا من نفسه خائفًا من المغامرة لقول ما يراه حيث سيبدو كل شيء يقال ساذج مقارنة بما قاله الأولون، رغم ذلك لا يتوانى مونتين عن نقل أفكار كل من أرسطو وأفلاطون وسينيكا والمتتبع لنصوصه سيجد مئات الاقتباسات مبررًا ذلك بقوله” أجعل الآخرين يقولون ما عجزت عن إدراجه بنفسي، بسبب ضعف لغتي، وأحيانًا لضعف افكاري، لا بد أن أُخفي ضعفي تحت شهرة أولئك العظماء”.

يتجلّى مونتين هنا هشًّا أكثر مما مضى، يكشف عن مدى عجزه الفكري والثقافي ويعبر عن دائرة خوفه بوضوح تام، وبمرارة العجز الفكري الذي يعبر عنه يعزي نفسه برؤيته نحو الحياة الفاضلة، كونها الساعية حتمًا إلى الحكمة، فقليل من الحكمة تجعل حياة المزارع  أفضل من حياة أكثر الفلاسفة علمًا ومعرفة.

رغم ذلك البؤس الطافح في أحاديث مونتين عن العمل الفكري، إلا أنه يدعو إلى الحكمة  في مواضع كثيرة، “الحكمة لا العلم”.

يدّعي مونتين أن الإنسان نجح نجاحًا باهرًا في نقل العلم، ولكنه أخفق وتعثّر في فشله حينما حاول نقل الحكمة، وذلك ما تقوم عليه الأنظمة التعليمية والتربوية في كل مجتمع؛ تركيزها الدقيق نحو غزارة العلوم بدلًا من الالتفات نحو الأفضلية، فالحكمة ترتبط بنوعية المعرفة لا كمها.

فتتجلى الحكمة في أن تعرف ما يعينك على حياة فاضلة، بدلًا من تزجية وقتك في مقارعة أفكار مجردة وغير واقعية، فقط لأنها قد تبدو مثيرة بالنسبة لك.

 

وأخيرًا أقول: الفلاسفة لا يعبّرون عن معاناتك كإنسان عاجز وبائس محطم القلب، بل إنهم يعيدون تشكيل حياتك لتكون أكثر تبصّرًا في آلامك؛ كم عدد هؤلاء الذين يتحدثون بلسان سينيكا ويقولون: “ندين بحيواتنا للفلسفة، وهذا أقل التزاماتنا حيالها”.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك