فورين بوليسي: هل تعود جذور الحضارة الصينية إلى مصر القديمة؟

قالت مجلة «فورين بوليسي» في مقال لها إن دراسة جديدة أعادت طرح فكرة أن الحضارة الصينية القديمة قامت على أكتاف مهاجرين من مصر القديمة، وهو ما أعاد إلى الواجهة جدلًا محتدمًا منذ قرن من الزمان حول أصل القومية الصينية.

فقد ألقى البروفسور سون وايدونغ، أستاذ الجيوكيمياء في جامعة العلوم والتكنولوجيا، محاضرة على حشد من الناس عرج فيها على بعض الوقائع التاريخية. واقتبس فيها كتابات المؤرخ الصيني الشهير «سيما كيان» حول أسرة «شيا» التي أسست الصين. «ينقسم التيار شمالًا ويصبح تسعة أنهار. ثم يتحد مجددًا ويصب في البحر»، هذا ما كتبه سيما كيان في أول علم تأريخ له.

لكن التيار الذي ذكره كيان لم يكن ببساطة «النهر الأصفر» الصيني الشهير. تساءل البروفسور: «ثمة نهر وحيد في العالم يصب شمالًا، هل تعرفونه؟». أجاب أحد الحاضرين «نهر النيل». ثم عرض سون صورة لنهر النيل في مصر بمصباته التسعة في البحر الأبيض المتوسط. وقد أثار ذلك دهشة الحاضرين.

كان قد تفجر جدال كبير في العام الماضي في الصين بعد أن ادعى سون أن الحضارة الصينية بُنيت على يد مهاجرين من مصر. ويرجع أصل هذا الجدل إلى التسعينيات، عندما كان سون يجري مسحًا إشعاعيًّا للبرونز الصيني القديم. فتفاجأ أنه يشبه في تكوينه إلى حد كبير البرونز المصري القديم. وقد أثار ذلك سؤالًا مثيرًا للجدل، من أين أتى شعب الصين؟

يقول سون إن الصين حصلت على تكنولوجيا البرونز، الذي كان العلماء يعتقدون أنه قد جرى جلبه عبر طريق الحرير Silk Road، الذي ربط بين مقاطعة تشيان وسط الصين بمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، عبر البحر. فقد أتى به الهكسوس، الذين حكموا أجزاءً من مصر بين القرنين الـ17 والـ16 قبل الميلاد، حتى طردهم منها. ومنذ أن كان الهكسوس يمتلكون كل التكنولوجيات المتقدمة السائدة في تلك الحقبة من التاريخ، ومنذ أن كانوا قد برعوا في صناعة السفن والإبحار حول العالم، فعلى الأرجح أن نفرًا قليلًا منهم تمكنوا من الفرار من مصر، وجلبوا معهم البرونز إلى ساحل الصين.

وقد أثارت فرضية سون الجدل عندما جرى نشرها على الإنترنت في عام 2015، تحت عنوان «كشف أثري مدوي: أجداد الشعب الصيني قدموا من مصر». وقد تلقفت العديد من المواقع الصينية الشهيرة والمنتديات الصينية الدراسة، وثار جدل كبير حولها، كان في جله يعبر عن الغضب الشديد مما جاء فيها، وأنها لا تحتوي سوى على خرافات لا أساس لها. لكن آخرين رأوا أن الأمر يستحق الدراسة، بصرف النظر عن صحة ما ورد فيها. وأن الأمر ليس مستحيلًا.

وقد رد سون بالقول إن الأمر قد يبدو مثيرًا للسخرية لدى البعض؛ لأن المؤرخين لم يتركوا مجالًا للشك في أن الصينيين أحفاد مملكة «يان»، والإمبراطور الأصفر. وقد اعتبر المؤرخ سيما كيان أن هؤلاء هم أسلاف مملكة هان، وأن حفيد الإمبراطور الأصفر هو مؤسس مملكة تشان الأسطورية. وقد ظل الحال كذلك حتى أقيمت الجمهورية في عام 1912. وقد شعر القادة الصينيون قديمًا وحديثًا بضرورة زيارة قبر الإمبراطور الأصفر تبجيلًا له. فالتاريخ الصيني يبلغ حوالي 5000 سنة، وهي الفترة التي بدأ فيها هذا الإمبراطور الأسطوري حكمه.

كان أحد المناهضين لمملكة تشنغ هو أول من ادعى بذلك في عام 1903. في تلك الفترة، كانت مملكة تشنغ في أفول مقارنة بصعود القوى الغربية. وقد دفع ذلك مناهضي المملكة إلى البحث عن أصل الهوية الصينية، واتجهوا إلى الأبحاث الغربية. وكان ما لفت انتباههم هو ما كتبه عالم فقه اللغة الفرنسي ألبرت دي لاكوبري تحت عنوان «الجذور الغربية للحضارة الصينية الأولى من عام 2000 قبل الميلاد، وحتى عام 200 بعد الميلاد». وقد ورد في الكتاب أن الحضارة الصينية ربما تكون قد انطلقت من بابل، حيث إن الإمبراطور الأصفر قد التقى بالملك ناخون تا، الذي خرج بشعبه من الشرق الأوسط إلى سهول النهر الأصفر في حوالي عام 2300 ق.م.

كان ليو شيبي، أستاذ التاريخ في جامعة بكين، من أول المروجين للأصول البابلية للحضارة الصينية، وذلك في كتابه «تاريخ أمة الصين» في عام 1903. وقد راجت هذه النظرية على نطاق واسع حتى أنه جرى الإشارة للأمر في النشيد الوطني للجمهورية، حيث وصفت الصين بأنها «السلالة الشهيرة لقمة جبل كونلون»، الذي يمتد إلى آلاف الكيلومترات غربًا. وقد أشار مؤسس الجمهورية الصينية، سون يات سن، في محاضرة له عام 1924، إلى أن «نمو الحضارة الصينية يمكن أن يعزى إلى أن المهاجرين نحو أرض الصين كانوا يمتلكون بالفعل حضارة متقدمة للغاية».

وقد مثل هذا الاكتشاف بالنسبة لهؤلاء الثوريين وغيرهم مبررًا لبدء التقارب مع حضارات أكثر تقدمًا في أوروبا، والولايات المتحدة. ولكن خفت هذه النظرية في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، عندما تصاعد العداء الياباني، وسيطر فكر قومي مختلف على الصين. لكن بعض المؤرخين انتقدوا تلك النظرية، وذلك في محاولة منهم للنأي بالصين عن الفكر الإمبريالي. وقد أثبتت الاكتشافات الأثرية الحديثة التي بدأت تظهر في ذلك الوقت العكس. فقد أظهر اكتشاف أوعية فخارية في عام 1928، أن جماعات سكنت الصين قبيل المهاجرين الأوائل الذين حملوا البرونز. وعندما جرى التنقيب عن مدينة ين، وُجدت نقوشات كانت هي الأساس الذي بُنيت عليه اللغة الصينية الحديثة، وتعتبر تلك الدولة مهد الحضارة الصينية.

وقد أصبح شائعًا أن الحضارة الصينية لها منبعان. حيث اختلطت الحضارة الشرقية بالحضارة الغربية، فظهر أجداد مملكة شانغ. وظلت هذه النظرية قائمة حتى منتصف الخمسينيات.

لكن مع صعود النزعة القومية المتشددة في عام 1949، عام تأسيس جمهورية الصين الشعبية، انكفأ مجتمع العلوم على نفسه، وفق وصف المؤرخ جيمس ليبولد، وبحث علماء الآثار الصينيون عن أدلة تثبت أن حضارة الصين أصلية، ولم تتأثر بأي حضارات أخرى.

كما أن الماوية أرادت أن تثبت أن الحضارة الصينية تتوافق مع القوانين الماركسية التاريخية، بدءًا من العصر البدائي وحتى الثورة الاشتراكية. فكافح علماء الآثار لإثبات تلك القوانين لإضفاء الشرعية على الوضع القائم. وقد أوصى مدير مؤسسة الآثار نفسه في عام 1972، بضرورة التمسك بالمبادئ الماركسية واللينينية خدمةً للمستقبل.

لكن التحيز القومي في الصين تراجع إبان حقبة الإصلاحات، دون أن تتأثر سياسة القائمين على اكتشاف الآثار في الصين. كانت الصين قد أطلقت مشروع تشيا تشانغ زو للتأريخ، في محاكاة لقطاع الآثار في مصر. وقد أُعجب أحد المسؤولين الصينيين بتجربة تسجيل التاريخ الفرعوني المصري في جولة له بمصر في عام 1995، واقترح على الحكومة الصينية القيام بالمثل. وقد دشنت الصين المشروع بتكلفة مليار ونصف المليار دولار ليكون أضخم مشروع ترعاه أي حكومة في مجال التاريخ الإنساني منذ عام 1773، حين أعد الإمبراطور شيان لونغ موسوعة تاريخية يبلغ حجمها 20 ضعف حجم موسوعة بريتانيكا.

وقد اعتبر البعض أن الدافع وراء هذا المشروع هو إعادة التاريخ الصيني إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، بما يجعل التاريخ الصيني على قدم المساواة مع التاريخ المصري. فالأمر برمته له دافع سياسي وقومي أكثر منه علمي. وانتقد آخرون النتائج التي توصل إليها المشروع، حيث اعترض أستاذ في علم الآثار من جامعة ستانفورد على حقيقة أن التواريخ المقدرة لمملكة تشيا ربما تكون خاطئة، وذلك لأنه ما من دليلٍ قطعيٍّ على وجودها أصلًا.

لكن البعض دافع عن المشروع بالقول إن الربط بين دراسة التاريخ، والنزعة القومية لا يعني بالضرورة فساد النتائج. فمعظم علماء الآثار لديهم ميل تقليدي نحو الربط بين اكتشافاتهم ونزعتهم القومية. تركز إسرائيل في بحثها الأثري على حقبة العهد القديم، وتركز الدول الإسكندنافية على البحث في تاريخ الفايكنج. والمهم في كل ذلك هو تطبيق الأسس العلمية في عملية البحث.

تعتبر نظرية سون نتيجة لمشروع التأريخ الذي بدأته الصين في عام 1996، حيث قام بفحص الأواني البرونزية عبر التصوير الإشعاعي، فوجد أن معظمها يعود إلى مدينة ين، وأنها تطابق في مواصفاتها مواصفات الأواني البرونزية المصرية، ما يؤكد أن مصدرها هو مناجم أفريقيا.

قام المشرف على رسالة دكتوراه سون، بمنعه من نشر تلك النتائج، وطلب منه تسليم كافة المعلومات التي توصل إليها، ونقله إلى مشروع آخر. ولكن بعد أن أصبح سون أستاذًا، بات مستعدًا للكشف عن كل ما يعرفه عن مملكة ين تشانغ، وثقافة العصر البرونزي.

لا ينكر العديد من علماء الآثار الصينيين أن للحضارة الصينية جذورًا خارجيةً. لكنهم يعتقدون أن الأمر جاء في صورة تبادل ثقافي بين عدة حضارات، وليس بشكل مباشر من الشرق الأوسط. ولكن ثمة إعجاب شديد بالحضارة المصرية القديمة لدى الصينيين. ففي أثناء زيارته إلى مصر في يناير (كانون الأول) الماضي للاحتفال بمرور 60 عامًا على بدء العلاقات بين البلدين، حيا الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالمثل المصري «ما إن تشرب من نهر النيل، فحتمًا ستعود إليه».

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.


تعليقات الفيسبوك