كيف عملت السلطة الدينية على تخلف المسلمين؟

لا يُنكِرُ من يعقل، أننا نعيشُ اليوم في أدنى مستويات الحضيض، بالرغم من أننا في الآونة الأخيرة ونتيجة للانفتاح الثقافي والمعرفي الكبير الذي حققته لنا التكنولوجيا، صرنا قادرين على البحث والتعرف على الثقافات الأخرى والإنجازات الإنسانية بمجرد ضغطة زر، ومع ذلك فإن التخلف ما يزال مسيطراً في كل مجالات حياتنا في الوطن العربي.

تخلف المسلمين

ولو أننا بتنا نسألُ اليوم عن سببِ تخلفنا المريع هذا، فإن الإجابة على هذا السؤال في غاية الصعوبة وربما تحتاج إلى عشرات الصفحات من البحث والتقصي، والدراسات الاجتماعية والنفسية والفلسفية المعمقة من أجل إيفائها حقها. ولكن دعونا نحاول بما لدينا من قدرة ومعرفة، على تحليل الأمور واستخلاص النتائج من أجل الإمساك برأس خيط هذه المشكلة، علَّنا نفهم سرَّ تخلفنا الذي بدأ أولاً وقبل كل شيء من أهل الدين ورجالاته!

أولاً: لغَّزوا وعقَّدوا كل شيء

مارسَ الكهنةُ ورجالُ الدين التلغيزَ والتعقيدَ في شرحِ المسائل، فهم يطرحون عِلمَهم كألغاز وبطريقةٍ غامضةٍ صعبة الفهم، فيظنُ العاميّ أن العلم والمعرفة لم يوجدا إلا عند هذا الشيخ. ومن هنا جاء تقديسُ العوام لكهنةِ الأديان على مر العصور. ببساطة إنهم يمارسون نفس طريقة الدجالين والغجر ومُدَعي كشف الطالع، حين يحتالون على الناس بخطاباتهم المليئة بالأسرار والألغاز واللعب في الكلمات، فيظن الضحية أن الدجال قد علم الغيب، وكَشَفَ الحُجُب!

ويحضرُ في ذهني الآن مشهداً كنت قد قرأته في إحدى صفحات فيسبوك، وللأمانة لا أعرف هل وقع حقاً أم أنه مجرد وحي من خيال الكاتب، حيث حصل ذلك —حسب ما ورد في المنشور الفيسبوكي— في خطبة جمعة، أن أحدهم سأل شخصاً بعد نهاية الخطبة: ”لقد لفَتَني أنك كنتَ منتبهاً أشد الانتباه إلى الخطبة، فهل فهمت منها شيئاً؟“ فأجابه: ”ويحَكَ يا هذا، كيف لي أن أفهم كلام هذا العلَّامة الكبير؟!!

وبغض النظر إن كان ذلك قد حدث حقيقة أم لا، إلا أنه من غير المستبعد حصوله —حسب وجهة نظري— فمن يرى ويستمع لأسئلة المشاهدين والمستمعين لرجال الدين على شاشات التلفزيون وإذاعات الراديو، يدركُ عمقَ المأساة!

وفي المقابل، هناك الكثير مِن رجال الدين، الذين يشرحون المسائل بالتفصيل، ويُجيبون على الأسئلة بطريقة واضحة وفي غاية البساطة، تُخاطبُ أقلَّ العقول شأناً، بخطابٍ ملؤه التسامح والمحبة، إلا أنهم وللأسف الشديد، في نظر العوام ليسوا بشيوخٍ ولا علماء! ولا نجدُ لهم الأثر الكبير، ولا تلك الشهرة التي يتحلى بها الكهنة وشيوخ “اللايكات” على فيسبوك!

ولهذا السبب وجدنا نخبة قليلة جداً من الناس هم أهل العلم والدراية والثقافة، أما السواد الأعظم فهم مجرد عوام لا يفقهون شيئاً سوى ما تَلقنوه من أولئك الذين اغتصبوا كرسي الإفتاء والقول بالعلم والدين.

ثانياً: أشبعوا الأمة أساطير وخرافات وتُرّهات

عملت السلطة الدينية ممثلةً بالفقهاءِ وأهل الحديث، بما لديها من سطوةٍ على الناس، على تعطيل العقول والتوجه بأصحابها إلى التصديق بالأساطير والخرافات؛ فألَّهوا ولاة الأمر بالاستناد إلى الحديث: ”عليك بطاعة الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع“، وأغرقوا الأمة الإسلامية في الشعائر والمظاهر والتدقيق غير المبرر على تفاصيل وحركات ومظاهر لا شأن لنا بها أو نفع.

وألَّفوا عشرات الكتب في أحكام الوضوء وحركات الصلاة وأشكالها، وأحكام الطهارة والجنابة والحيض والنفاس والاغتسال …إلخ. وعملوا على تأجيج الشعور بالذات الدينية والتميز على باقي الأمم تحت شعار: ”خيرُ أمةٍ أخرجت للناس“، والذات المذهبية بالاسترسال في شرح وعرض وتفصيل هذا الحديث بمناسبة وبغير مناسبة: ”تنقسم أمتي على اثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة“ وطبعاً كل فرقة صارت تظنُ نفسها هي الناجية! وبذلك فقد ضَمِنوا الجنة لمن بَصَمَ ونفذ دون أي تعقيب أو تعليق، وتوعدوا بالنار لمن سأل واختلف، كأنهم سكريتاريا الله على الأرض!

 ثالثاً: أهانوا المرأة وأنزلوها منزلة المتاع

عملوا على الإعلاء من قيمة الذكر والحط من قيمة الأنثى التي تشكلُ نصف المجتمع والتي تعمل على تربية نصفه الآخر، والمتتبع للكم الهائل من الأحاديث وآراء الفقهاء التي تحط من قدر المرأة وتجعلُ منها مجرد تابعٍ للرجل أو إنسان من الدرجة الثانية، مهمتها الطبخ والنفخ والجنس والرعاية، ربما يُصعق من هول ما سيرى.

ونذكرُ في هذه المقالة عدة أمثلة على ذلك، وما خفي كان أعظم:

– المرأة أكثر أهل النار، وهي ناقصة عقل ودين.
– المرأة عورة، صوتها عورة، ووجهها عورة.
– زوجها يستطيع أن يعتدي عليها بالضرب.
– المرأة مجبرة على الجنس مع زوجها لأنها لو رفضت ستلعنها الملائكة.
– دية المرأة نصف دية الرجل.
– ”الجنة تحت أقدام الأمهات“ (حديث ضعيف) حسب الشيوخ. بينما ”المرأة تقطع الصلاة مثل الكلب والحمار“ (حديث صحيح)!!

وانظر معي عزيزي القارئ لهذا الحديث الطويل الذي ورد في كتاب الكبائر للذهبي، وسأقوم بنقل جزء بسيط منه نظراً لطوله:

عن الإمام على بن أبي طالب قال: دخلتُ أنا وفاطمة على رسول الله، فوجدتهُ يبكي بكاءً شديداً، فقلتُ: فداك أبي وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ فقال: ليلةَ أُسريَّ بي إلى السماء رأيت نساءً من أمتي في عذابٍ شديد، وذكرتُ شأنهن لما رأيتُ من شدةِ عذابهن؛ رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماء رأسها، ورأيت امرأة معلقة بلسانها والحميم يصب في حلقها، ورأيت امرأة معلقة بصدرها، ورأيت امرأة معلقة برجليها في النار… فقالت فاطمة: أما المعلقة بشعرها فكانت لا تغطي شعرها من الرجال، أما المعلقة بلسانها كانت تؤذى زوجها، أما المعلقة بصدرها فإنها كانت تمتنع عن فراش زوجها، أما المعلقة برجليها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها… ثم قال —صلَّ الله عليه وسلم: ويلٌ لامرأة أغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها.

وبالرغم من أنه حديثٌ موضوعٌ وضعيف، إلا أنه قد انتشر بشكل كبير على شبكات التواصل الاجتماعي، ونستشفُ من ذلك، أن هناك موافقة وقبول من ثلة واسعة من المسلمين على ما جاء فيه، وذلك نتيجة لسنوات طويلة من التقليل من شأن المرأة، حيث صار وعيُ الإنسان المسلم مُشكَّلاً ومُعَداً لتقبل كل ما من شأنه الانتقاص منها دون أدنى تمحيص أو تأكد أو بحث. ولذلك نرى احتقارا وازدراء شديداً بالمرأة وحقوقها في المجتمعات العربية، فمن أُشبع عقلهُ بكل هذا العفن الفكري، لا عجب أن ينظر دوماً إلى المرأة بعين الازدراء والحط منها ومن قُدراتها.

وبالنتيجة لذلك، تخيل معي عزيزي القارئ مجتمعاً لا تُقدِمُ فيه الأمهات لأبنائهن سوى الطعام والرعاية المتعارف عليها، وتبقى مسؤولية تربية الطفل وتثقيفه وتأديبه قابعة على كاهل الرجل، الذي أصلاً لم يتلقَ من والدته شيئاً من العلم والمعرفة والتربية! بل بالأحرى لم يتلقَ من العلم شيئاً، سوى ما تَلقَنَه من خُطب المشايخ، والذي بدوره سيقوم بتوريده إلى عقل ابنه الذي سيكون مثل أباه، مجرد عامي ساذج آخر يحتقر المرأة ويبخسها حقوقها.

رابعاً: قتلوا السؤال في مهده، وأعدموا كلَّ منطق

عندما كان البعض يسأل عن أمورٍ عميقةٍ ودقيقةٍ في الدين، كانوا أولئك المشايخ، إذا عجزوا عن الإجابة يلقون في أوجههم فوراً الآية الكريمة من سورة المائدة باجتزاءٍ يُخلُّ بالمعنى: ”يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ …(101)“؛ ترهيباً لهم من السؤال والتفكير.

 وعندما كان يرفضُ البعض هذه الإجابة، ويصرُّون على طلب الإجابات الحقيقية لأسئلتهم، ألقوا بوجوههم القول المشهور: ”لحوم العلماء مسمومة“، ليمنعوهم من التعرض لرجال الدين والمشايخ بالنقد والنقض والرفض لأجوبتهم.

وإن أصر البعض على الرفض، واتجهوا نحو البحث بشكل أكبر ومحاولة الفهم الأعمق للآيات والمسائل واستخدموا الفلسفة والمنطق، ألقوا بوجههم أخيراً القول المشهور: ”من تَمنطق تَزندَق“ وكلنا نعرف طبعاً ما هي عقوبة الزنديق! ففي هذا القول ترهيبٌ وتهديدٌ بالقتل، أضف إلى ذلك أن من استخدم هذا القول بهذه الصياغة يمتلك من الذكاء والدهاء القدر الكبير!؛ حيث أن كلمة “تَزَندَق” المبنية للمجهول والمشروطة بالتَمَنطُق، تدل بوضوح على أن مجرد التفكير المنطقي سيقودك حتماً نحو الزندقة، حتى لو كان تفكيرك هذا واستخدامك للمنطق لم يبرح رأسك أصلاً!! وبوضوح أكثر، يعني: مجرد أن تفكر بطريقة منطقية فأنت فعلياً صرت زنديقاً كافراً مارقاً على الدين، ولا تحتاج لمن يتهمك بالزندقة.

خاتمة:

بعد هذا الكم من الترهيب الفكري، والجرائم التي ارتكبها الخلفاء بحق المخالفين بتحريض من شيوخ السلاطين، بعد هذا الكم الكبير من تسطيح العقول وتجهيل العوام والتعتيم على الحقائق، بعد كل اقصاء لكل مخالف وصاحب رأي آخر، وبعد الكثير من الممارسات التي قَعَّدَ وأطَّر لها رجالات الدين وشياطين المنابر؛ خرج لدينا العوام الجهلة الذين لا يفقهون شيئاً سوى ما تلقنوه. ومن هنا مُنع السؤال، ومن هنا مُنع التفكير، ومن هنا تخلفنا.

تخيل! نجد يومياً العشرات ممن يسألون في قنوات وبرامج الإفتاء عن حكم التصرفات التي يقوم بها أي شخص عادي يومياً، تخيل أن يُحصر السؤال في: ”هل الشيء أو التصرف الفلاني حرام أم حلال؟“ أهذا هو السؤال الوحيد المسموح عند كهنة الأديان؟! ويكفيك أن تكتب كلمة ”هل يجوز“ على محرك البحث غوغل، لتضحك حتى الصباح على الاقتراحات التي سيعرضها لك!!

طبعاً هناك مئات الأسباب الأخرى التي أدت بنا إلى هذه الدرجة من التخلف، ولكن تبقى هذه من أهمها، برأيي على الأقل.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر موقع دخلك بتعرف.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.


تعليقات الفيسبوك