«واشنطن بوست»: لماذا يكون الأشخاص الأكثر ذكاءً أكثر عزلة؟

«الجحيم هو الآخرون.. على الأقل بالنسبة لأولئك الأذكياء حقًا»

يبدو أن «سارتر» لم يكن مخطئًا عندما قال: «الجحيم هو الآخرون»، وهذا ما يثبته بحث جديد مثير للاهتمام أجراه الباحثان «ساتوشي كانازاوا» و«نورمان لي». لا أحد يستطيع إنكار تأثير التواصل الإنساني ووجود الأصدقاء والعائلة على سعادة الإنسان، خصوصًا مع المعاناة الواضحة لإنسان المدن الحديثة من الوحدة والغربة والاكتئاب، وهي حالات سميت جميعها أمراض العصر.

لكن العلماء يحبون إعادة طرح الأسئلة واختبار التجارب مرارًا، للإجابة عن أسئلة قد يعتقد معظم الناس أن إجاباتها منتهية بالفعل. مثل  سؤال: «هل نحن حقًا بحاجة للتواصل لكي نشعر بالسعادة والرضا عن حياتنا»؟ تضمن البحث 15000شخصًا، تتراوح أعمارهم بين سن الثامنة عشر وسن الثامنة والعشرين، يعيشون في مناطق ذات كثافة سكانية متنوعة، ويتواصلون مع من حولهم بمعدلات مختلفة. «كريستوفر إنجراهام» عرض نتائح البحث في صحيفة «واشنطن بوست»، النتائج التي اعتبرت مدهشة ومفيدة في مساعدتنا على فهم أفضل لأنفسنا.

ثلاثة استنتاجات رئيسة للبحث

بعد تحليل نتائج البحث لخص العلماء الاستنتاجات في عدة نتائج:

  • أولًا، الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفة، أقل سعادة.

  • ثانيًا، لكي يشعر معظم الناس بالسعادة، يحتاجون للتواصل بشكل ثابت ومستمر مع الأصدقاء والأشخاص الذين يشعرون بالراحة معهم، وكلما كانت المحادثات أكثر دفئًا وحميمية كلما زادت السعادة.

  • ثالثًا، الأشخاص الذين يتمتعون بمعدلات ذكاء عالية، وبقدرات عقلية متفردة، هم استثناء من هذه القواعد.

إذًا، كلما ارتفع معدل الـ IQ لدى الشخص، كلما انخفض احتياجه للتواصل المستمر مع الآخرين، فالأذكياء يشعرون بعدم الرضا عن حياتهم إذا زاد معدل النشاط الاجتماعي بها، أو زاد معدل تواصلهم مع أصدقائهم، كما أنهم لا يشعرون بالارتياح وسط الجموع.

«بشكل واضح، عندما يقضي الأذكياء وقتًا أكبر مع أصدقائهم، يصبحون أقل سعادة»

الأذكياء لديهم دوائر ضيقة من الأصدقاء

أدمغة الأشخاص الأكثر ذكاء، تعمل بطريقة مختلفة حيال عملية التواصل. فهم يفضلون العيش في جزر منعزلة وعوالم صغيرة. بالنسبة لهم التفاعل الاجتماعي يعتبر شرًا لابد منه وليس احتياجًا جوهريًا في حياتهم. الحقيقة، أنه كلما اضطر هؤلاء العباقرة إلى التواصل بشكل متزايد كلما قلت سعادتهم.

يتحمس الأذكياء كثيًرا للأشياء التي تهمهم بشكل شخصي أكثر من اهتمامهم بالتواصل والعلاقات. يقول الباحث «كارول جراهام» أن هؤلاء الأشخاص يقضون معظم أوقاتهم في العمل على أهداف وخطط «طويلة المدى»، فهم يجدون السعادة في الأنشطة التي تعود عليهم في النهاية بتحقيق أهدافهم. مثًلا، لا يحتاج طبيب يعمل على تطوير علاج للسرطان، أو كاتب يعمل على كتابة رواية مميزة، إلى الكثير من التواصل مع الآخرين. لأن هذا التواصل قد يشتتهم عن مهمتهم الأساسية، والذي يعني ببساطة أنه سيكون له تأثير سلبي على إحساسهم بالسعادة والانسجام الداخلي.

السبب يأتي من الماضي السحيق

تفسر نظرية تسمي «نظرية السافانا في السعادة» ما يطرحه الباحثان، تقول النظرية والتي تفسر الأمر من «وجهة نظر تطورية» أن الإنسان ليس عبارة عن جينات فقط، لكنه أيضًا يحمل ذاكرة أسلافه الذين عاشوا منذ آلاف السنين، أي أن أسلوب حياة الصيادين القدماء مازال يؤثر علينا بشكل عام وعلى إحساسنا بالسعادة بشكل خاص.

نحن نشعر بالسعادة في نفس المواقف التي كان أسلافنا يشعرون بالسعادة فيها منذ آلاف السنين. المجتمع عند أسلافنا في السافانا الإفريقية لم يكن يتعدى 150 شخصًا، مما يعني بمعاييرنا نحن أنهم كانوا يعيشون في قرية صغيرة، كثافتها السكانية شخص واحد لكل كيلومتر مربع. على الرغم من ذلك، كان عليهم البقاء سويًا للتغلب على ظروف بيئتهم القاسية والخطيرة.

الأذكياء يعرفون كيف يتكيفون مع الظروف الجديدة

نحن نعيش الآن في عصر التكولوجيا، محاطين بأعداد هائلة من الآخرين، لكن معظم الناس مازالوا يحملون داخلهم ذلك الإنسان القديم. كأن أجسادهم تحيا في عصر، بينما تحيا عقولهم في عصر آخر. الأجساد تسكن المدن العملاقة التي كثافتها ألف نسمة لكل كيلو متر مربع، والعقول تسكن صحراء السافانا. تنطبق هذه النظرية على معظم البشر وليس جميعهم.

يتمكن العباقرة – بخلاف متوسطي الذكاء – من التغلب على الفجوة التي بين ذاكرة الماضي وظروف الوقت الحاضر. بشكل عام هم أكثر قدرة على التكيف من غيرهم. كأن الطبيعة تحاول من خلالهم إيجاد طريقة لحل المشكلات التطورية الجديدة. لهذا يتمكن العباقرة من العيش على طريقتهم الخاصة دون الارتباط كثيرًا بجذورهم. إن قدراتهم العقلية المرتفعة تمنحهم قدرًا من الحرية يجعلهم غير مضطرين للاعتماد على وجود الآخرين معظم الوقت، مما يعني العمل على أهدافهم بشكل مستقل. هؤلاء الأشخاص منسجمون مع أنفسهم ولا يحتاجون إلا لتواصل حميمي من فترة لأخرى.

عيب محتمل في البحث

نتائج هذان الباحثان الأساسية حول الكثافة السكانية والتفاعل الاجتماعي والسعادة لا تثير جدلًا كبيرًا، لكن «كارول جراهام» يعتقد أن هناك عيبًا واحدًا محتملًا في هذه الأبحاث، أنها اعتمدت في تحديد السعادة على تقارير الأفراد الذاتية عن أنفسهم، أي عن طريق الإجابة عن سؤال: «ما هي نسبة رضاك عن حياتك ككل؟»، ولم تقم وزنًا للسؤال حول خبرة السعادة نفسها عن طريق أسئلة مثل: كم مرة ضحكت بالأمس أو كم عدد المرات التي غضبت فيها بالأمس؟ وغيرها من الاسئلة التي تبحث في معايشة خبرة بعينها. يضيف «جراهام» أن الباحثان يعلمان أن هذين السؤالين بإمكانهما الذهاب بالبحث إلى نتائج مختلفة جدًا.

لكن الباحثين «ساتوشي كانازاوا» و«نورمان لي» يعتقدان أن «نظرية السافانا» لن تتأثر كثيرًا بهذه الجدلية، وأنها لا ترتبط بمفهوم بعينه حول السعادة، لأنهما استخدما في تحليلاتهما التجريبية المعايير العالمية لقياس الرضا عن الحياة.

ربما سيثير هذا البحث الكثير من النقاشات الساخنة لأنه يتناول الأمر من جهة تطورية، لكنه لن يكون مثل الضجة التي أثارها الباحث «كانازاوا» عندما كتب تدوينة لمجلة «سيكولوجي توداي» تحت عنوان «لماذا تتمتع المرأة السوداء بجاذبية جسدية أقل من باقي النساء»؟ أشعلت هذه التدوينة عاصفة من الانتقادات وتم سحبها. يدافع «كانازاوا» عن أبحاثه قائلًا «إن كل ما يقوم به هو محاولة لشرح الطبيعة، وأنه لا يقول للناس ما الذي يجب عليهم فعله أو ما الذي لا يجب عليهم فعله».

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك