حروب الغاز .. من الذي يحكم العالم ؟!

حروب الغاز .. من الذي يحكم العالم ؟! – د. محمد عجلان

إذا كان الاقتصاد هو عصب السياسة، فإن الطاقة هي عصب الاقتصاد، لذا يمكن القول: إن الطاقة هي عصب السياسة. ولا يمكن فهم خريطة الصراع السياسي عالمياً أو إقليمياً دون فهم حقيقة الصراع الدائر حول الطاقة بصفة عامة، والغاز الطبيعي على وجه الخصوص، باعتبار الغاز هو الطاقة الصديقة للبيئة قياساً بالنفط، وهو الأوفر من حيث الاحتياطي، خاصة أن البترول قد استنفدته عقود طويلة من الاستهلاك، وهو على وشك النفاد في ظل عقود خمسة أو سبعة على أقصى تقدير.

ومن يراجع خريطة الاحتياطي الغازي في العالم يمكنه أن يفهم طبيعة الصراع الدائر منذ سنوات في أماكن متفرقة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، التي تمثل بؤرة الصراع الأكثر سخونة.

 1

تأتي روسيا على قائمة الدول صاحبة الاحتياطي الأكبر على المستوى العالمي، تليها إيران وقطر والولايات المتحدة والسعودية. وإذا دققنا في أسماء الدول الخمسة الأولى سنجد أنها الأطراف البارزة في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، وعلى الأرض السورية بشكل خاص، وكذلك في غيره من المناطق في العالم. ولا يمكن تجاهل هذه العلاقة إذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يدور من صراع في منطقة الشرق الأوسط، والتي أصبحت ساحة العالم الحربية.

تحاول روسيا – سيدة الغاز العالمي – أن تفرض نفسها عبر هذه الثروة على السياسة الدولية، باعتبارها لاعباً أساسياً، وتأتي شركة غازبروم لتمثل رأس الحربة الروسية في اختراق العديد من المناطق في العالم، وكما هو واضح في الخريطة التالية مساحة الانتشار الواسعة للشركة، والتي تعني إلى جانب عوائدها الاقتصادية الضخمة للدولة الروسية مساحة النفوذ الذي يسير في خطوط متوازية مع هذا الانتشار الواسع.

 2

ولو استعرضنا خريطة خط السيل الشمالي الروسي سوف نضيف بعداً آخر للمشهد الغازي لروسيا، حيث تقوم روسيا عبر هذا الخط بمد أوروبا بحوالي 34 % من حاجتها من الغاز، بما يمثله ذلك من حضور قوي على الصعيد السياسي، وتحكم لا يمكن تجاهله في الشأن الأوروبي.

3

 

وكان هذا الواقع الذي يمثله السيل الشمالي من تحكم روسيا في سوق الغاز الأوروبي، السبب المباشر لمحاولة الخروج من هذه القبضة الروسية بإنشاء خط غاز نابوكو؛ ليكون البديل للخط الروسي، خاصة أن روسيا كانت تنوي في تلك الفترة إنشاء خط آخر باسم السيل الجنوبي الذي كانت تنوي القيام به شركة غاز بروم الروسية، وبالتالي يحاول نابوكو فك قبضة الروس عن عنق الأوروبيين، بما يحافظ على الدور الأمريكي في أوروبا دون أن يتم اختصامه لصالح المنافس الروسي. ويعتمد خط نابوكو في الأصل على تصدير الغاز من تركمنستان، صاحبة رابع أكبر احتياطي غاز في العالم. وتقوم فكرة نابوكو على تمرير خط أنابيب عبر قزوين يحمل غاز تركمنستان إلى أذربيجان ومنها إلى خط أنابيب نابوكو الذي يمر عبر الأراضي التركية في طريقه إلى دول الاتحاد الأوروبي. فمشروع نابوكو هو مشروع لتحويل تجارة الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى إلى أوروبا دون المرور بروسيا.

4

5




ولم يكن متوقعاً أن تقف روسيا مكتوفة الأيدي بينما يتم ضرب معاقلها، فتحركت بكل قوتها لوقف هذا التهديد بكل الطرق، فلجأت إلى عقد صفقات مع الدول التي سوف يعتمد عليها نابوكو، مما جعلها محتكرة للغاز الطبيعي؛ مما دفع البعض إلى اعتبار خط نابوكو ولد ميتاً، لأنه رغم ما تم إنفاقه عليه لم يعد لديه المصدر الذي قامت الفكرة من أساسها عليه. فقد توجهت روسيا لشراء الغاز المنتج في أواسط آسيا؛ ساعية بذلك نحو احتكار بيعه عبر أنابيبها التي تغطي مساحات واسعة من العالم، فعقدت اتفاقات طويلة الأجل مع الدول التي قامت فكرة خط نابوكو على وجود الغاز بها، كتركمانستان وأوزبكستان وأذربيجان، وبذلك قضت روسيا على خط نابوكو قبل أن يولد.

لكن الولايات المتحدة لم تكن لتسلم بهذه السهولة لغريمها الروسي، فسعت جاهدة ومن ورائها الدول الأوربية صاحبة المصلحة نحو إيجاد بديل يمثل إحياءً لخط نابوكو، فولت وجهها شطر حلفائها التقليديين في الخليج، وكانت قطر هي المنقذ هذه المرة، حيث تمثل ثالث احتياطي غاز في الترتيب العالمي بعد كل من روسيا وإيران، حيث يمر خط غاز من قطر مروراً بالسعودية ثم سوريا حيث يلتقي بخط الغاز المصري، وصولاً إلى تركيا، كي يعبر من خلالها إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر خط نابوكو. لكن كان النظام السوري هو العقبة أمام اكتمال هذا المشروع البديل، حفاظاً على مصالحه مع حليفه التقليدي في روسيا، ومن هنا كانت ضرورة القضاء على هذه العقبة عبر إسقاط النظام السوري، وهذا يوضح أيضاً الدور القطري في الحرب الدائرة على الأراضي السورية، وكذلك يوضح الدور التركي، لأن مشروع نابوكو كان يمثل لها فوائد عديدة، ربما من بينها تحقيق حلمها في الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي سعت لسنوات نحو تحقيقه.

وهنا ظهر الدعم الروسي للنظام السوري منذ البداية، لا دعماً معنوياً لحليف تقليدي كما يتوهم البعض، بل دعم كامل وصل حد المشاركة المباشرة في المعارك، فالهدف هو إيقاف مد هذا المشروع لا الحفاظ على نظام بشار الأسد؛ لكن التقى الهدفان فكان دفاع روسيا عن نفسها يمثل في الوقت نفسه دفاعاً عن النظام السوري. فتحركت روسيا على كافة المستويات كي تمنع مرور خط الغاز القطري، وكان الهدف الظاهر والمعلن هو الدفاع عن نظام الأسد، لكن حقيقة الأمر أنها كانت تدافع عن حقها في السيطرة على خريطة الغاز العالمية، لكن ليس من طبيعة المعارك السياسية أن تعلن الأوراق الحقيقية، طالما أنها تمتلك البديل الوهمي كي ترفعه في وجه المتابعين لما يدور على الأرض.

وحين فشلت هذه المحاولة الأمريكية لم تتوقف عن محاولاتها، وكأننا في لعبة شطرنج رقعتها الشرق الأوسط ولاعبوها روسيا والولايات المتحدة، فكان الحل هذه المرة هو ضرب الاقتصاد الروسي عبر إغراق السوق العالمية بالنفط السعودي، فإن كانت قطر فشلت في ضخ غازها لضرب الدب الروسي، فستحاول السعودية هذه المرة أن تفعلها، وكله لصالح الأب الروحي وحامى الحمى في البيت الأبيض الأمريكي، فأغرقت السعودية السوق العالمية بالنفط، فهبطت أسعار النفط من 130 دولاراً للبرميل إلى 27 دولاراً وكان الخاسر الأكبر من ذلك هو الدول النفطية، بينما استفاد الشريك الأمريكي كثيراً، ولم تكن الضربات المتلاحقة في سلسلة الهبوط الحاد لأسعار النفط كافية لإسقاط الدب الروسي، فتلقى الضربات وتعامل معها بشكل جيد، وبذلك لم تحقق الضربات هدفها، على الأقل حتى الآن، رغم أن المؤشرات تؤكد على إنه لا يمكن الاستمرار في تلك الضربات طويلاً، لعدة أسباب: أهمها اعتماد السعودية على النفط بشكل كبير في اقتصادها، ومن ناحية أخرى أن هذا الهبوط الحاد في الأسعار أوقف إنتاج النفط الصخري الذي كانت تعتمد الولايات المتحدة على نسبة كبيرة منه في سد حاجاتها، مما سيضطرها لاستيراد كميات أكبر من النفط لسد حاجات السوق الأمريكية، مما سيؤدي من جديد إلى ارتفاع الأسعار.

ومازالت المعركة مستمرة بين قطبي العالم، لكن يبدو أن الدب الروسي بدا أقوى مما توقع خصومه، يتلقى الضربات لكنه لا يسقط، ثم يستعيد لياقته ليوجه ضرباته ويتشبث بالأرض التي استحوذ عليها. والخاسر الأكبر في هذه المعارك هم العرب، حيث يحاربون بالوكالة على أراضيهم، فيهلكون شعوبهم، ويبددون ثرواتهم، لصالح هذا الطرف أو ذاك. لكن يبدو من طبيعة هذه المعركة الدائرة بين روسيا والولايات المتحدة، أنها معركة طويلة الأمد، وأن مستقبل الشرق الأوسط مرتهن بنتائجها، وبالتالي بقاء نظام أو سقوطه، لن يتحدد في الغالب بأسباب داخلية، بقدر ما سيتوقف على نتائج معركة تكسير العظام بين الكبار، وسيكون الغاز هذه المرة هو المحدد لمن سيحكم العالم!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك