هل هناكَ فرقٌ بين الطغيان والاستبداد؟!

هاتان المفردتان لهما نفسُ الدور المُشابه في تحديدِ وتحقيقِ القمعِ والاضطهادِ الذي يمارسهُ الطغاةُ والمستبدين بلا حدودٍ على مواطني حكوماتهم. ومع هذا، يوجدُ هناكَ فروقٌ بين هذين المفهومين!

فالاستبدادُ هو قانونُ السيِّد المطلق، الذي يحكمُ بلداً ويمارسُ فيه السلطةَ دونَ مشاركةٍ من أحد، أي يستبدُ بالسلطةِ ويستأثرُ بها لنفسه.

أما الطُغيان فهو يعني ”حكومة بلا قانون“ أي حكومة الظلم والتعسُّف وأهواء الحكام، وهي التي لا تُطبِّقُ مبدأ الشرعية*.

وإذا ما وجدنا في هاتين المفردتين شبهاً بفكرة السلطة الفردية* التي يمارسها فرد، أو مجموعة من الأفراد على الآخرين، فإن أصل وطبيعة هذه الأنظمة ليست من النوع نفسه.

مبدأ الشرعية: هو مفهوم سياسي وقانوني ويعني خضوع الحكام والمحكومين للقانون، أو هو بمعنى آخر سيادة حكم القانون في ظل الدولة القانونية وأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ويعتبر مبدأ الشرعية بمعناه العام من المبادئ القانونية العامة الواجبة التطبيق في الدولة الحديثة، ويعد عنصراً أساسياً من عناصر دولة القانون.

السلطة الفردية: وهي الحكومة التي يسيطر عليها فرد واحد، تتركز في يده السلطات ويباشرها بنفسه سواء كان قد وصل إلى منصبه بالوراثة أو بالقوة.

فمنذ ملوك بلاد فارس، وأباطرة الصين، استندَ النظامُ الاستبداديُ على تقليدٍ وحيد، فهو وإن لم يُكتَب، فقد استمد شرعيته من تاريخٍ طويل، وموروثٍ خاص، وهكذا فإن المستبد يستقرُ في حكمه من خلال الديمومة، والقانون الخاص به، فهو قد يبني سلطته على أسطورةٍ، أو على النَسَبِ الإلهي، أو على سلطةِ الأُبُوَّة الموروثة.

في حين أن الطاغية لا يمتلك أي شرعيةٍ للحكم، سوى سطوة القوة التي جاءت به إليه. وعلى عكس المُستبد، يُقيمُ الطاغية سلطته على اللامساواة والقَسر، وذلك بأساليبٍ مختلفةٍ، منها المكر، الدهاء، العنف والقوة الغاشمة، وقد يستطيع أن يستولي على المُلك إذا ما استطاع طرد أو قتل المَلِك أو الحاكم الشرعي، أو أن يستولي على الجمهورية كاملة وذلك بقلب وتحريف النظام القانوني للدولة ووضع نظام قانوني جديد يتماشى مع رغباته وأهوائه، وأيضاً من خلالِ توظيف الدين لخدمة سلطانه وطغيانه. وعلى عكس المُستبد أيضاً، فإن الطاغية يفرضُ نظامَ حكمه، بطريقةٍ غادرةٍ ومخادعةٍ تُفاجِئُ ضحاياه!

بيد أنه حين يستمرُ الطغاة لفترة طويلةٍ في الحكم، فإنهم يتغيرون ويقتربون بطبائعهم من المُستبدين، ذلك لأن الفترة الطويلة التي قضوها في الحكم، تُشكِّلُ لهم نوعاً من الشرعيةِ التي كانوا يفتقدونها سابقاً، وهي الآن قد أصبحت في متناولِ أيديهم التي لا يستطيع مرور الزمن إزالة الدم عنها!!

يوجد إذن أكثر من فرق بين الطغيان والاستبداد، فيما يتعلق بالعبودية والاضطهاد. فالمستبد يمارس قهره واضطهاده للشعب عن طريق القوانين التي يوظفها في خدمته، أو عن طريق الأساطير والحجج الدينية الكاذبة التي تشرعن له ذلك، بينما الطاغية فهو يمارس ذلك دون الحاجة لنصوص تدعمه وغالباً ما يستخدم القوة المتطرفة على مواطنيه، وأحيانا كما ذكرنا أعلاه، يقوم بخلق نظام قانوني جديد يتماشى مع ظلمه وطغيانه.

وتأسيساً على ذلك، ومع أن الأمرين أحلاهما مر، فإن الطغيان يظلُ أشدُ خطراً وأكثرُ بؤساً على الشعوب من الاستبداد. وأخيراً وفي معرض الحديث عن هذا الموضوع نتذكر كلام المُفكر الراحل عبد الرحمن الكواكبي:

الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوقُ الناسَ إلى اعتقادِ أن طالب الحق فاجر، وتاركُ الحق مُطيع، والمشتكي المتظلم مُفسد، والنبيه المدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح كذلك النُصح فضولاً، والغيرة عداوة، والشهامة عُتواً، والحميةُ حماقة، والرحمةُ مرضاً، كما يُعتبر أن النفاق سياسة، والتحايل كياسة والدناءة لطف والنذالة دماثة!

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك