حكاية عن المنهج العلمي – كيف نميز العلوم الحقيقية عن الزائفة ؟

“في فترة من الفترات.. كانت ألمع العقول تعتبر الأرض مسطحة، وتظن أنها لو كانت كروية لانسكبت البحار منها بالتأكيد. تخيل كم كانوا ليسخروا منك لو أعلنت لهم أنّ الأرض ليست كروية فحسب؛ بل ثمة قوة خفية تثبّت كل شيء على سطحها .. إن كان التاريخ قد علّمنا شيئا، فهو أنّ الأفكار الغريبة التي نرفضها اليوم ستكون يوماً ما أهم حقائقنا”

 دان براون / رواية الرمز الضائع

 هل يعني ذلك أنّنا سنكتشف يوماً ما بأنّ العلوم الزائفة حقيقية، فمثلاً نكتشف إمكانية الخروج والتجول خارج الجسد عن طريق التركيز؟ أو أنّ الأهرامات تحمل في قممها طاقة شفاء عجائبية؟

وهل يعني أن أياً من نظرياتنا العلمية الحالية يمكن أن تلغى وتستبدل بفضل الكشوفات المستقبلية؟ مثلاً، هل يمكن أن نكتشف أنه في الحقيقة الشمس هي من يدور حول الأرض أو أنّ الإلكترونات ليست سالبة؟ هل كون العلم في حالة تطوّرٍ وتحديث دائم يعني أنّ أياً من نتائجه يمكن أن يتمّ نسفها في لحظة ما؟

في الواقع لا، يكمن الاختلاف بين منتجات العلم الزائف وبين النتائج العلمية الثورية (مثل ما قدمه كوبرنيكوس والآخرون عن كروية الأرض، ومثل نظريات أينشتاين ونيوتن) في عاملٍ أساسي يصنع كل الاختلاف: اتباع المنهجية العلمية التجريبية في البحث.

 العلوم الحقيقية هي طرقٌ منظمة للحصول على الحقائق والمعلومات، وهي تعتمد على الفكرة القائلة بأنّ العالم الطبيعي يعمل وفقاً لمبادئ يتم تأكيدها عبر الملاحظة والتجربة.

ولكي نفهم الفرق بين المنهج العلمي والعلم الزائف أكثر، سوف نربط الكلام النظري فيما يلي بمثالٍ بسيط، فتابعوا القراءة لنفهم أكثر.

تبدأ مراحل تكوّن النظريات العلمية باقتراح “فرضية” أو نموذج، وهو محاولة لتفسير الظواهر والمعطيات والنتائج التجريبية والبحث عن النمط أو الإطار الذي يفسرها، وهنا يمكن اقتراح عدة فرضياتٍ معاً قد تكون أي منها صالحة. تخيل أنك عند السير في ممر منزلك لاحظت أن الأرضية تصدر صريراً. فتخيلت عدّة فرضياتٍ قد تفسر هذه الظاهرة:

1. الأرضية الخشبية تنثني تحت الثقل وتصدر صريراً

2. صوت الصرير يصدر عن التلفاز أو الراديو وليس عن الأرضية

3. صوت الصرير ناتج عن حذائك

4. صوت الصرير ناتجٌ عن طاقتك الخفية التي تتوهج عند المرور قرب المرآة

 حتى الآن، وبغياب المعلومات الكافية، أنت تعتقد أن جميع هذه الفرضيات قد تكون مقبولة وقد يكون أيّ منها هو التفسير الحقيقي للظاهرة، ولكن زوجتك فضولية جداً ولا يرضيها إلا أن تقوم بتفسير الظاهرة وفقاً للمنهج العلمي، فماذا ستفعلان؟

يخبرنا المنهج العلمي أن الفرضية لا ترقى لتصبح نظرية علمية إلا إن حققت الشروط التالية:

أولاً- يجب أن تكون مدعومة بالدليل التجريبي ومعتمدة على أكثر من أساسٍ واحد.

في غياب الأدلة التجريبية، لا يمكنك ترجيح أي فرضيةٍ على الأخرى، فإن لم يسمع صوت الصرير أحد من الموجودين إلا أنت ولم يصدر مرة أخرى بعد أن جربت السير عليه بحذاء وبدون حذاء، بتلفاز مشغل أو مطفأ، وكذلك بمرآة أو بلا مرآة، فلا وجود لدليل يدعم أياً من الفرضيات، قد تكون أيّ منها صحيحة وقد تكون أنت تخيلت الصوت لا أكثر. لذلك تقوم ببعض التجارب بمحاولة لترجيح أحد الفرضيات.

 ثانياً – النظرية العلمية محدّدة ونوعية بشكل يمكّن من اختبارها ودحضها، وإن لم تكن كذلك فهي غير مؤهلة لتحمل اسم “نظرية”.

“شيءٌ ما قد أحدث صوتاً ما في مكان ما” تفسير لا يقنع زوجتك، فهو لا يرقى ليكون نظرية لأنه لا يفسّر الظاهرة بشكلٍ نوعيّ واضح.

ثالثاً – النظرية العلمية قابلة للاختبار وبالإمكان تكرار اختبارها والحصول على نتائج مشابهة.

فرضيتك تقول أنّ الحذاء هو ما قد أحدث الصرير، ولكنك جربت السير عدة مرات في نفس البقعة وبنفس الحذاء، كما جربه أخوك جيئة وذهاباً ولم يصدر ايّ صوت يذكر: إذاً فالفرضية غير صالحة.

رابعاً – النظرية العلمية قادرة على التنبؤ بنتائج اختباراتٍ مستقبلية.

إن كانت فرضيتك تنص على أنّ الخشب يميل تحت الثقل ويصدر صريراً، جرب أن تضع عليه ثقلاً آخر، هل نجح تنبؤك؟ جيد. ولكنّ زوجتك تقترح اختباراً أصعب لقدرة الفرضية على التنبؤ: يجب أن يظهر صوت الصرير أيضاً إن أبعدت كلّ العوامل الأخرى المرشحة فعليك أن تمشي بلا حذاء وتطفئ التلفاز وتبعد المرآة ثم تجرب، هل ظهر صوت الصرير ثانية؟ إذاً فقد اقتربت خطوة من التحقق من فرضيتك فاستمر باختبار صلاحيتها. أما إن فشلت فرضيتك بالتنبؤ بنتيجة الاختبار فعليك استبعادها أو تعديلها.

 خامساً – النظرية العلمية تصلح لإجراء اختبارات قد تنجح أو تفشل، أي أنها قابلة للتخطئة.

القاعدة تقول: مئات التجارب الناجحة لا تكفي للتحقق من فرضية، ولكن تجربة واحدة فاشلة تكفي لتخطئتها!

فإذا مشيت مئات المرات فوق الممر وظهر صوت الصرير نفسه، لن تستطيع معرفة إن كان ناتجاً عن الأرضية أم الحذاء. وللتحقق من فرضية أن الحذاء هو مصدر الصرير عليك أن تصمّم تجربة قابلة للتخطئة: كأن تسير حافياً، وفي هذه الحالة لديك احتمالان:

إما أن يظهر صوت الصرير بدون الحذاء وبهذا تكون قمت بتخطئة الفرضية (بفشل تجربة واحدة)،

أو ألا يظهر صوت. فإن لم يظهر الصوت هل يعني هذا أننا تحققنا من الفرضية؟ ليس بعد! فقد يكون الصوت ناتجاً عن تفاعلٍ ما بين العاملين معاً أو عن احتمال آخر لم تأخذه بعين الاعتبار بعد.

 الآن ماذا عن الفرضية الرابعة: الطاقة الخفية؟

هذه الطاقة لا تُرى ولا تسمَع ولا تـُلمَس، تماماً كالأمواج الراديوية التي أيضاً لا تُرى ولا تسمَع ولا تـُلمَس! فما الذي يجعلهما مختلفين؟ والجواب هو أن الثانية لها أثر قابل للقياس. إن الإنسان لا يعتمد على حواسه المحدودة في الاختبارات العلمية بل يقوم بتصميم أجهزة تحوّل المعطيات إلى شكلٍ قابل للفهم والاستيعاب البشري: فالمجهز يكبر الجزئيات الصغيرة كي تصبح مرئية للعين البشرية، والراديو يلتقط الموجات الراديوية وتحولها إلى بثٍّ تسمعه الأذنان، والطاقة الكهربائية والمغنطيسية كذلك يمكن قياس أثرها عن طريق تجهيزاتٍ معينة.

فإن ادعى أحدهم أن هناك طاقة غير قابلة للملاحظة والفهم ولا يمكن قياسها بأي طريقة ولا تعطي أي أثرٍ يدل على وجودها، فهذا النوع من الادعاءات ليس علمياً ولا يمكن أخذه بعين الاعتبار، كما أنه ادعاء غير قابلٍ للتخطئة! فلا تجربة يمكن أن تجعل ذلك المدعي يعترف بأن الطاقة التي يتكلم عنها غير موجودة: فمهما قمنا بتصميم تجارب علمية سيصرّ على ادعائه بأن فشل التجارب لا يعني أنها غير موجودة، وهذا هو العلم الزائف.

 سادساً – النظرية العلمية قابلة للتغيير بناءً على اكتشاف أدلة جديدة، فعلى الفكرة أن تكون ديناميكية ووقتية وقابلة للتصحيح.

القواعد الجامدة التي لا تمتاز بالمرونة وقابلية التطور وفقاً للمعطيات الجديدة لا مكان لها في المنهج العلمي، فحتى أكثر النظريات العلمية قوة يمكن أن يضطر العلماء إلى اجراء تعديلات عليها وفقاً لمعطياتٍ جديدة لم تكن موجودة من قبل، فبعد أن أنهيتما كل تلك الإختبارات بنجاح وقمتما بترجيح فرضية ما بعد تصميم عدة تجارب هادفة متنوعة للتحقق منها، ذهبتما إلى المطبخ فسمعتما صوت الصرير يصدر تلقائياً! هذا يحتم عليكما أن تعيدا الإختبارات ولكن ستقومان هذه المرة بتصميم تجارب مختلفة لاستكشاف التفسيرات المحتملة الجديدة التي ظهرت على الساحة، وهكذا هي رحلة العلم: ليست محدودة ولا تتوقف أبداً.

تلك هي بعض من مقومات المنهج العلمي، علماً بأن التجارب العلمية التي تجرى على أرض الواقع لها شروط أكثر صرامة مثل التحكم الدقيق بظروف التجارب والمتغيرات وتصميم تجارب غفل للمقارنة وغيرها. إن أصحاب العلم الزائف يخالفون واحدة أو أكثر من المقومات السابقة، فمثلاً تجد أغلب كلامهم مبني على أساس واحد فقط ويتشبثون بادعاءات غير قابلة للاختبار كي يتهربوا من تخطئتها، ويقدمون العديد من الحجج والأعذار لكون نتائج “نظريتهم” غير قابلة للتكرار.

 حين يدّعي أصحاب فكرة ما أنها مبنية على “معرفة قديمة” أو “معرفة غامضة” فتلك إشارة إلى أنها لا تستند إلى دليل علمي. في الحقيقة؛ العديد من النظريات المثبتة ليست بذاك القدم، لأنها حلّت مكان تلك الأكثر قدماً مع تطور المعارف وتراكم الأدلة والمعطيات. وبشكل عام، كلما كان الدليل العلمي أكثر حداثة؛ كان ذا أساسٍ علمي أقوى فمعارفنا في ازدياد ومع الوقت تصبح معلوماتنا ذات موثوقية أعلى بسبب قيامنا باستكشاف احتمالات أكثر، تصميمنا لتجارب أعقد، وإجراؤنا المزيد من الاختبارات المتواصلة بهدف ايجاد تفسيرات أدق.

دائماً ما تخضع الاكتشافات الحقيقية للتنقيح من مصادر موثوقة ومحايدة، ويتم نشرها عن طريق الصحافة العلمية، وليس عبر وسائل الإعلام العامة، حيث أنّ من يلجأ للأخيرة لعرض “اكتشافه” فهو يتجنب غالباً خضوعه للفحص الدقيق من المصادر الموثوقة. وعندما لا توافق أيّ جهة موثوقة وعلمية -FDA على سبيل المثال- على فكرة أو منتج ما؛ فقد يلجأ أصحابها لادعاء أنها “مؤامرة” لمنع تسويق منتج في متناول يد الناس مثلاً، وبلجوئهم إلى أعذار “المؤامرة” هم يلجأون إلى فرضية هي بحدّ ذاتها غير قابلة للإثبات ولا الاختبار ولا أدلة عليها سوى إصرار من يدعونها.

 وقد يعمد أصحاب هذه الأفكار أيضاً لتسويق أفكارهم على أنها الأفضل أخلاقياً أو ثقافياً، ويدعمون ذلك ببعض نجوم التلفاز أو أناس يرتدون معطفاً أبيض لجعلها أكثر استساغة لدى الناس، ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكننا الثقة بأي ادعاءات لم تمرّ من تحت مجهر المنهج العلمي المدقق والذي يفصل بين العلم واللاعلم ليقدّم لنا المعلومات الموثوقة التي تحتاجها البشرية لتسير قدماً في طريق العلم والحضارة والمعرفة.

لذا، علينا أن نشجع الأجيال القادمة على التفكير الناقد للتخلص من سوء الفهم في هذا العالم المجنون إن كنا نسعى للمزيد من الاكتشاف والتطوير في مختلف حقول العلم.

 المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.


تعليقات الفيسبوك