المناخ الثقافي لتيّار الأحناف في الجزيرة العربية قبل الإسلام

المناخ الثقافي لتيّار الأحناف في الجزيرة العربية قبل الإسلام – جمال علي الحلاق 

تمهيد

بدءاً لن أتحدّث في هذا المبحث عن الممارسات الاجتماعية لتيّار الأحناف سواء في مكة أو في الجزيرة العربية قبل الإسلام ، لكنّني سأركز هنا على المناخ / الرحم الثقافي الذي نمت الحنيفية فيه وساهمت بدورها كلحظة اجتماعية ثقافية مغايرة في دعم الحوار الديني وتنميته باتجاه التوحيد الخالص.

بعد أن طاف أغلب أحناف الجيل الأوّل في الأرض، وحاول كلّ واحد منهم أن يلتقي مع أحبار ورهبان الأديان الأخرى، والدخول معهم في حوارات جعلت وعيهم الديني أكثر صفاءً، وأكثر قدرة على الانتقاد، ليس انتقاد عبادة الأصنام والأوثان، بل انتقاد الوثنية داخل الأديان الأخرى أيضا.

وكان نتيجة لهذا الطواف في الأرض أن برزت إلى سطح الواقع الاجتماعي للجزيرة العربية بعض الظواهر بدأت بشكل فرديّ ثمّ تحوّلت إلى ظاهرات اجتماعية، أحاول في هذا المبحث أن أركّز على – الإطار الذهني تحديدا – مؤجّلا الخوض في الممارسات الاجتماعية إلى مبحث آخر.

تخلخل صورة المقدّس الوثني في المخيال الحنيفي

عندما يسقط الإله، ويتلاشى التقديس، تنمو فجوة هائلة داخل بنية العقل الحاضن، فإن لم تُملأ بما يسدّ فراغها فإنّها تقود إلى فوضى قاتلة، تشبه تماما فراغ الدولة من القانون في اللحظة الراهنة، فوجود الإله ضرورة اجتماعية ساهمت بشكل أو بآخر في تنظيم العلاقات الاجتماعية وبلورتها ( أتحدّث عن آلهة ما قبل الإسلام)، لكن حين تخفت قداسة الإله، ويبدأ الإنسان بإضفاء شروطه كشكل آخر للقداسة، هنا تحديدا يبدأ التجاوز على نظام العلاقات الاجتماعية، وتبدأ الفوضى بالنمو داخل بنية المجتمع كممارسات اجتماعية .

يمكن تناول ظاهرة (الحُمس) التي بدأت بالظهور في مكّة بعد عام الفيل نموذجا لهذا التنظير، فقد بدأت قريش كقبيلة تَدْخُل ضمن دائرة المقدّس ذاته، باعتبارها (أهل بيته أو جيرانه)، ودخول قريش ضمن دائرة المقدّس جعلها تفرض شروطها على الناس، زاحفة بذلك على المقدّس ذاته، وشروطها التي سمّيت بالحُمس كانت ذات بعد ( اقتصادي / سياسي ) بالدرجة الأساس، فهي تخدم قبيلة دون غيرها (لا يمكن نسيان التنافس القديم بين ثقيف وقريش)، ولعلّها تضيف إلى نطاقها من تَمُتُّ له بصلة قرابة، لذا كان في عداد أهل الحُمس إضافة إلى قريش كلٌّ من كنانة وخزاعة ومن ولدت قريش من العرب .

لقد بدأ استثمار الحجّ كتجارة، أصبح على الحاج ألا يأكل من طعام جاء به معه، وألا يدخل بيتاً من شعر، ولا يستظلّ إلا ببيت من أدم ما كان محرما، وألا يطوف بثيابه التي قدم بها، بل عليه أن يستأجر ثوبا من أهل الحُمس يطوف به حول الكعبة (المنمق : 128)، وكان محمد بن عبد الله أحد الذين يؤجّرون ثيابهم في مكّة قبل الإسلام، فقد ورد أنّ ( عياض بن حمار المجاشعي ) كان يستأجر ثياب النبيّ عند الطواف (المحبر : 181 )، ومن لا يحصل على ثوب قريشي يطوف بالبيت عريانا، امرأة كانت أم رجلا.

ولا يجوز لقريشي أن يطوف بالبيت عريانا، بل جعلوا ذلك حراما، لذا قال عبد الله بن جدعان لزوجته ضباعة وقد طلبت منه الطلاق وأحسّ برغبتها بالزواج من هشام بن المغيرة: “لا أفارقك حتى تحلفي ألا تتزوّجي هشاما، فيوم تفعلين ذلك فعليك أن تطوفي بالبيت عريانة”، وهو هنا لا يحاول تعجيزها فحسب، بل يحاول بذلك إخراجها من كونها بعض (أهل الحرم)، فلما سمع هشام ذلك ، قال : “إنّه دين وضعه نفر من قريش” ( المنمق : 225 ) .

هذا نموذج بسيط لبعض الممارسات الاجتماعية التي ظهرت على سطح الواقع الاجتماعي في الحجاز وبدأ يفرض حضوره على من يقدم إليه من العرب .

أريد أن أشير إلى أنّ الإضافات التي لحقت ببنية المقدّس كانت من الأسباب التي كرّست الانتباه إلى كيفية تشكّل المقدّس ذاته، فبعد أن كان مكتملاً ينتقل بالوراثة، أصبح ناقصاً وقابلا للحذف والإضافة، أي أصبح للفرد دور في خلق المقدّس أو تأثيثه، أي ما تمّ استحداثه من قداسة ساهم في خلخلة صورة المقدّس لدى الجيل الأوّل من الأحناف، وبالتالي عجّل بتحطيم المقدّس الوثني.

دور الموت في تأثيث السؤال الحنيفي

لعل من أهم الأفكار التي شحنت المناخ الحنيفي بالتوتّر – بعد تحطيم المقدّس – هي فكرة الزوال، لقد انتصب الموت، حتى كأنّ الحياة انزلاق فيه، ينبغي الانتباه هنا إلى أنّ الموت كان ممارسة اجتماعية يقوم بها الناس بشكلٍ يومي، لا أتحدّث عن الموت الطبيعي، بل عن القتل والثأر المتفشيين في تفاصيل الحياة اليومية للإنسان في جزيرة العرب قبل الإسلام .

لكن، مع الأحناف، بدأ الانتباه إلى الموت الطبيعي لا إلى القتل، لقد تمّ التركيز على النهاية الحتمية، وأنّ الخلود وهمٌ أو كذبة، لذا بدأت تُضرب الأمثال بنهاية أعمار المعمّرين كلقمان وأسطورة نسوره السبعة، وأنّ النعيم زائل، وأنّ الجميع صائر إلى ما صار إليه الأوّلون .

لقد تمّ الانتباه إلى الموت لا كممارسة اجتماعية، بل كقانون طبيعي حتمي، وهذا الانتباه ساهم في خلق الإحساس بالضعف والخوف من المجهول، وهو إحساس جديد على الثقافة البدوية تبلور في تجربة الجيل الأوّل من الأحناف، وقد تجلّى ذلك سواء في خطبهم أو أشعارهم، فكان أمية بن أبي الصلت ينشد:

بينا يربّبنا آباؤنا هلكوا

وبينما نقتني الأولاد أفنانا

وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا

أن سوف تلحق أُخرانا بأولانا

وقد عجبت وما بالموت من عجب

ما بال أحيائنا يبكون موتانا

( أمية بن أبي الصلت : 79 )

وكان قس بن ساعدة يصيح في عكاظ: “مالي أرى الناس يموتون فلا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا ؟!” ( البيان والتبيين : 1 / 186 ) .

وكان يقول :

في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر

لما رأيت موارد للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر

لا يرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر

أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر

ومن الملفت للانتباه أنّ الأحناف استثمروا الأحداث التي عاصرتهم بشكل يدعم قلقهم إزاء المعرفة السائدة، وليس أدلّ على ذلك من استثمارهم حادثة الفيل على أنّ ثمّة قدرة أعلى من قدرة الجيش الكبير، بقيت لنا من ذلك قصائد أمية بن أبي الصلت، وأبي قيس بن الأسلت، وبعض جمل وردت عن زيد بن عمرو بن نفيل، واستثمروا حادثة موت النعمان بن المنذر كدليل على ألا خلود حتى ولو كان الفرد من ذوي السلطة المطلقة، ويقيم في قصور كالخورنق والسدير، لقد تحدّث عن موت النعمان كلٌ من لبيد بن ربيعة وزهير بن أبي سُلمى وأبي قيس بن الأسلت والنابغة الذبياني .

فالنهاية قادمة فاغرة فمها لالتهام الجميع، لا يردها جيش كبير ولا تردّها سلطة مطلقة، وبالتأكيد فإنّ الفزع من الحتمية القادمة قاد السؤال الحنيفي إلى أقصاه، حتى قال بعضهم : “ما رأيت موجودا إلا مخلوقا، وما رأيت جائيا إلا ذاهبا” .

الحنيفية هي بداية التدوين عند العرب

هذه الفقرة أيضاً لها ارتباط بالممارسة اليومية للأحناف، ويستطيع القارئ أن يتبيّن صعوبة الفصل بين الذهني والاجتماعي عند الأحناف لتعالق الاثنين حدّ لا انفصام بينهما، وهي إشارة إلى أنَّ تجربة الأحناف لم تكن ذهنية تجريدية، بل بدأ التغيير لديهم بشكل يكاد يكون فوريّا، لأنَّ أفكارهم كانت تترجم مباشرة عبر سلوكياتهم اليومية .

كان من نتائج طواف الأحناف في الأرض أن تمّ تبلور القراءة والكتابة كظاهرة اجتماعية بعد أن ارتفعت من كونها احتياجا كماليا إلى احتياج حياتي ضروري .

مع الجيل الأول من الأحناف أصبحت القراءة والكتابة ضرورة اجتماعية ملحّة للحنيفي بالدرجة الأساس، تدعمه في بحثه عن الدين سواء على مستوى القراءة أو التثبيت، ويندر أن يشار إلى حنيفي في كتب السيرة والأخبار دون أن يشار إلى أنّه “قرأ”، بل إنهم “كانوا يشترون الكتب ويراجعونها ويتسقّطون أخبار أهل الآراء والمذاهب والديانات” ( المفصل : 6 / 357 )، وبالتأكيد فالقراءة والكتابة هنا لا تعنيان النمط المعتاد عند العرب يومذاك كالعهود والمواثيق والأحلاف، بل الإشارة هنا إلى قراءة بحثية متسائلة، وكتابة حِكَمية منتقاة، ليس من الكتب الأخرى فحسب، بل من التجارب الذاتية للأحناف أنفسهم .

وقد تطرقتُ إلى جملة (قرأ الكتب) في مبحثي (خروج الأحناف بحثاً عن الدين)، وأحبّ هنا أن أتوسّع في القراءة قليلاً، لأنّها تفتح لنا لاحقاً نافذة مهمّة في معرفة تأثير وانتشار الأفكار والأسئلة الحنيفية سواء بين الأحناف أو بين المخالفين لهم من الوثنيين وأصحاب الأديان الأخرى .

تقول الأخبار أنّ أوّل من تعلّم الكتابة من قريش كان (حرب بن أمية) وأنّه أدخلها بين قريش، وفي رواية أخرى أنّ (أبا سفيان بن حرب وأبا قيس بن عبد مناف بن زهرة) تعلّما الكتابة على يد (بشر بن عبد الله العبادي) في الحيرة فعلّما أهل مكة (المعارف : 307)، هذا الخبر يشير إلى الخطّ الندّ للأحناف، وأقصد الدهريين الذين سأتحدّث عنهم في مبحث آخر، لكن ما يهمّني من هذا الخبر هو الإشارة الضمنية التي فيه وهي أنّ القراءة والكتابة كانتا قريبتي العهد من ظهور الإسلام، أي أنّهما تتزامن مع صعود التيار الحنيفي في مكة .

مع بدء انتشار القراءة والكتابة تمّ إطلاق صفة ( الكامل ) على كلّ من عرف الكتابة بالعربية إضافة إلى معرفته السباحة والرمي. ووجود السباحة ضمن شروط إطلاق الصفة تجعل القول ناتجا عن قرى قريبة من الماء، أي أنّ هذا القول ليس تجربة مكيّة، ومع هذا – نقلا عن البلاذري – : “دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلّهم يكتب” ( كُتّاب النبي : 17 ) .

علما أنّ البلاذري لم يذكر ضمن هذا العدد ورقة بن نوفل مثلا. ولم تُشِر الكتب إلى قدرة أبي أحيحة سعيد بن العاصي على القراءة والكتابة بينما نجد أنّ كلاًّ من أبان وخالد ابني أبي أحيحة كانا ممن يقرأ ويكتب قبل الإسلام، بل إنّ الحكم بن أبي أحيحة علّم الكتاب بأمر النبي في المدينة ( المفصل : 8 / 93 ) .

ولم يقتصر تعلّم القراءة والكتابة على الرجال، فقد ورد أنّ ( الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية العدوية ) كانت تقرأ وتكتب قبل الإسلام، وأنّ النبي طلب منها أن تعلّم ( حفصة بنت عمر ) الكتابة وقد فعلت (المفصل : 8 / 106)، هذا الخبر يفتح نافذة أخرى للبحث حول إمكانية وجود معلمات أيضا في مكة قبل الإسلام، وأنّ الشفاء نموذجا لهن.

وإطلاق صفة (الكامل) خلق طبقة اجتماعية نخبوية، ليس بالمعنى الاقتصادي حصرا، بل نخبوية ثقافية، لعلّها كانت الجذر البدائي لتأسيس مفهوم المثقّف في الفكر العربي لاحقاً، باعتباره الشخص الذي يقرأ ويكتب .

وكان سويد بن الصامت الأوسي أحد الكُمَلَة، “حكيماً كثير الحكم في شعره، حتى قيل إنّ قومه سمّوه الكامل لحكمة شعره وشرفه فيهم” ( المفصل : 8 / 224 ) .

لم يكتف أفراد الجيل الأوّل من الأحناف بالكتابة نقلا عن كتب الأديان والحكمة، بل بدؤوا يتكاتبون فيما بينهم حول آخر ما توصّل إليه بعضهم مع بعض، أي دخلت المراسلة كظاهرة جديدة خلقها المناخ الثقافي المتنامي، فقد ورد عن ( قس بن ساعدة الإيادي ) أنّه كتب إلى بعض من هو على نحله، ويبدو أنّ بعض هذه الرسائل كان موجودا أو مستنسخا إلى زمن (أبي هلال العسكري) الذي أشار إلى رؤيته لرسالة قس بن ساعدة، لكنّه لم ينقلها حرفيا، بل نقل المعنى (الأوائل: 47)، وقد ذكر السجستاني أنّ ملوك الحيرة والمناذرة كانوا يراسلون (أكثم بن صيفي) ويستكتبونه كذلك فعل أهل نجران، وقد كتب لهم أكثم ما تمّ الحفاظ عليه ( المعمرون والوصايا : 7 )، وهي إشارة إلى أن الخطب والحكم النثرية للأحناف ما قبل الإسلام كانت تُكتب ومن هنا سرّ بقائها، ولعلّهم كانوا يتراسلون بما كانوا يكتبون من حكمة، ولم يقتصروا في الكتابة على العربية فقد جاء عن ( ورقة بن نوفل) أنّه كان يكتب بالعربية مرّةً وبالعبرية مرّةً أخرى .

ما يهمني من إيراد هذه الأخبار هنا، هو أن أستخرج منها أنّ الكتابة كانت ظاهرة اجتماعية قريبة العهد من البعثة المحمدية، وأنّ للجيل الأوّل من الأحناف اليد الطولى في انتشارها رغم سكوت الأخبار عن ذلك. فالحنيفية كانت لحظة قراءة وكتابة في الدرجة الأساس، أي أنّها كانت محاولة أولى في الخروج على الشفاهية.

الخطاب النثري بخاري

رافق نموَّ التيّار الحنيفي على الصعيد الاجتماعي نموٌّ في الميل إلى الخطاب النثري، نمت الحاجة إلى السرد، وأستطيع القول إنّ المحاورات التي دخل فيها الأحناف مع الأحبار والقسسة، وقراءة كتب الأديان الأخرى، إضافة إلى كتب الحكمة كمجلّة لقمان، هو الذي دفعهم إلى الميل نحو الخطابة والسرد، فالحوار الجديد يخلق لغة وذائقة جديدين. وكان المناخ الاجتماعي للعرب قبل الإسلام يوفّر الأرضية الخصبة لانتشار هذا الميل الجديد، فالقبائل – التي تبدو في صراع وتنافر تامّ – كانت تلتقي في مناسبات اجتماعية عديدة خلال العام، وكانت هذه اللقاءات تتيح لذوي الفاعلية الاجتماعية أن يمارسوا نشاطاتهم خارج نطاق قبائلهم، ومنطقيا أستطيع القول أنّ نسبة الأمان بين الناس خلال العام كانت تساوي إن لم تكن أكثر من نسبة فقدان الأمان، وأنّ الأمان هو الذي أدام بقاءهم، وهو الذي فتح المجال للتغيير والإصلاح أيضا. وقد رأينا كيف أنّ الأحناف كانوا يتكاتبون ويتراسلون فيما بينهم أو مع الملوك آنذاك، وهذا يعني خلاف ما ذكره الجاحظ من أنّ العربي يقول كلامه ارتجالا على البديهة “كأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة”، بل مع الأحناف دخل التأمّل والقلق إزاء الحقيقة، لقد تمّ إقصاء المقدّس، وبدأت غربلة الأعراف، وهذا لم يأت ارتجالا، بل كان وليد تجارب تراكمت فأنتجت وعيا مغايرا، وعيا ملتصقا بالسلوك والممارسة، فالعربي ليس ذهنيا ميتافيزيقيا، بل معرفته نتاج حياته اليومية، وخروج الأحناف إلى الاعتزال لم يكن إلا للتوغل في تأمل الحياة، فخطبهم وقصائدهم لم تكن ارتجالية كما ادعّى الجاحظ.

1 – مواسم الأسواق العربية قبل الإسلام : لم تكن أسواق العرب عشرة كما عدّدها اليعقوبي في تأريخه ( ص 230 – 231 )، بل تفوق ذلك حتما، لكن ما يهمني هنا هو الإشارة إلى سوق عكاظ الذي أُفتتح في السنة الخامسة عشرة بعد عام الفيل، أي أنّه زامن صعود التيار الحنيفي في الحجاز، وقد كان لهذا السوق الدور الكبير في تأسيس ذائقة نثرية من خلال نشر الوعي الحنيفي الجديد عبر خطب كلّ من (قس بن ساعدة الايادي) و(أكثم بن صيفي) الذي كان يلقي كلّ سنة خطبة في سوق عكاظ فيتناقلها الناس، ولم تكن خطب أكثم سوى عبر وحكم تدعو إلى تأسيس وعي اجتماعي بأخلاقية أكثر تحضرا، وكان طلاب المعرفة أو الذين يحملون القلق الحنيفي يتوافدون إلى سوق عكاظ يسمعون نتاج أقطاب الجيل الأول، وكان من طلاب المعرفة محمد بن عبد الله وأبو بكر .

2 – مواسم الحج : كان لموسم الحج تأثير كبير في تعجيل نمو وانتشار السؤال الحنيفي بين العرب بشكل عام، فهو أكبر تجمّع عربي في الجزيرة، وكان يتكرّر كلّ عام، وبموعد محدّد تعرفه القبائل كلّها، من هنا كان لأقطاب الجيل الأوّل من الأحناف استعداداتهم الذهنية للتحدّث أو للتساؤل، بثّ القلق الحنيفي بين الناس وقد بقيت لنا من مواسم الحج خطبة ( القلمس الكناني ).

3 – أندية القبائل الخاصة : إضافة إلى الأسواق ومواسم الحجّ، كان للأندية الخاصة للقبائل دور كبير في إطلاق الاستفهام الحنيفي ضمنها، فقد ورد عن قس إنه كان يصيح : “يا معشر إياد”، وكان ( عامر بن الظرب العدواني ) يصيح : “يا معشر عدوان إنّ الخير ألوف عزوف (لا يقرّ له قرار)، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإنّي لم أكن حكيما حتى اتّبعت الحكماء، ولم أك سيدكم حتى تعبّدت لكم” ( البيان والتبيين : 1 / 231 )، إضافة إلى خطب وكيع بن سلمة بن زهير الايادي، والمأمون الحارثي ( الأمالي : 260 ) .

4 – الوصايا : استطاع ( أبو حاتم السجستاني ) أن يجمع أكثر من عشرين وصية لأشخاص ماتوا قبل ظهور الإسلام كوصية (قيس بن زهير)، و(زهير بن جناب)، و(صيفي بن رياح)، وآخرين، وبحسب رأي جواد علي فإنّ أكثر الذي ذكره أهل الأخبار من كلام الخطباء هو وصايا ( المفصل : 8 / 604 )، وفي أكثر هذه الوصايا حِسٌّ حنيفيٌّ يدعو إلى السلم والحلم وطلب المعرفة .

5 – المراسلات : كرسالة ( قس بن ساعدة ) إلى من يشاكله في الاعتقاد التي دونها أبو هلال العسكري، ورسائل ( أكثم بن صيفي ) إلى ملوك الحيرة والمناذرة التي دوّنها أبو حاتم السجستاني .

أي أنّ خطباء الجيل الأوّل من الأحناف لم يتركوا نافذة للخطبة إلا استثمروها، محاولة منهم في نشر السؤال الحنيفي بين أفراد مجتمعاتهم بشكل خاص، وبين مجتمعات الجزيرة العربية أيام مواسمها بشكل عام .

والقول بتأسّس ذائقة نثرية لا يعني توقّف الشعر عن كونه أداةً في نشر الوعي الجديد، فقد كان هناك مثل ( أمية بن أبي الصلت ) الذي ذهب بعامّة ذكر الآخرة على حدّ تعبير الأصمعي ( فحولة الشعراء : 4 )، و(أبي قيس بن الأسلت)، و( لبيد بن ربيعة )، و(النابغة الجعدي) ، و(النابغة الذبياني) ، و(زهير بن أبي سلمى)، وآخرين ، لكن بصيغة أو بأخرى يمكن القول أنّ الشعر بدأ بالانحسار مع نموّ التيّار الحنيفي قبل الإسلام، وأنّ الإسلام توّج هذا الانحسار .

عملية إحياء تعاليم لقمان

لا أريد في هذه الفقرة أن أتحدّث عن لقمان كشخصية تاريخية تضاربت الآراء فيها، لكن ما يهمّني هنا هي عملية إحياء تعاليمه على يد الأحناف في مكة ويثرب، وبالتأكيد فإنّ هذا القول يحتاج إلى تدعيم كثير قبل أن يثبت على قدميه، ومع هذا فقد ورد أنّ (سويد بن الصامت الأوسي) كان يمتلك نسخة من مجلة لقمان، وكان يحملها معه أثناء طوافه في الأرض، وأنّه صادف محمد بن عبد الله في أحد مواسم الحج، فقرأها الأخير وأعطى رأيه فيها بأنّها كلام حسن .

وقد ذُكرت تعاليم لقمان مرّة أخرى على لسان (أبي قيس بن الأسلت) وهو أوسي أيضا، ذكرها أثناء رثائه (لأبي أحيحة سعيد بن العاصي) رأس بني أمية في قريش باعتباره قارئاً لها ومحاججا بتعالميها خصومه في مكة.

ذهبت مجلة لقمان، ولعلّها دخلت في بطون كتب التاريخ باعتبارها أقوال بعض الأحناف أو الصحابة، ومع هذا فقد بقيت شذرات منها هنا وهناك في أمهات الكتب الإسلامية، وردت باعتبارها جزءا من حكم لقمان. ولست هنا في صدد جمع هذه الشذرات، لكنّني أتوقّف عند واحدة منها ذكرها المبرّد جاء فيها أنّ لقمان قال لابنه : “يا بني، إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم الإسلام ثمّ اجلس، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك مع سهامهم، وإن أفاضوا في غيره فخلّهم وانهض” ( الكامل : 1 / 138 ). لست مهتماً الآن باليد التي لعبت بالقول وأدخلت مفردة (الإسلام) بين كلماته، فقد أعاد المبرّد الكلمة إلى جذرها حين قال في شرحها الإسلام: يعني السلام، وهو ما يعنيني الآن.

يمكنني القول أنّ تعاليم لقمان كانت تهذيبة إرشادية أكثر من كونها طقسية دينية، وأنّها كانت تدعو إلى السلام، ولو عبر هذه الشذرة الناجية من الرقابة، وأعتقد أنّ كون تعاليم لقمان تهذيبية هو الذي جعلها قريبة إلى نفوس الجيل الأوّل من الأحناف، فقد خرجوا على الطقوس الدينية للأديان المعروفة يومذاك، دون أن يتوسّعوا في الخوض في علاقة الفرد بالربّ، أو ما يسمى (العبادات) في الفقه الإسلامي، بقدر ما توسّعوا في الخوض في علاقة الفرد بالفرد، أو علاقة الفرد بالجماعة، أو ما يسمّى فقهيا (المعاملات)، كانوا اجتماعيين أكثر من كونهم ميتافيزيقيين.

ولدينا رجلان كرّسا دعوة لقمان للسلام بين القبائل المتحاربة، أحدهما ذُكِرَ بكونه كان يحمل مجلة لقمان والآخر كان يدافع بتعاليمها، واحد في يثرب وآخر في مكة. فمن حسن حظ الحقيقة التاريخية أن تتسرّب معلومة عن ( سويد بن الصامت ) ورد فيها أنّه كان سببا في إنهاء حربٍ بين الأوس والخزرج، بعد أن خطب في قومه الأوس قائلا: “يا قوم، أرضوا هذا الرجل من حليفه ( يقصد مالك بن عجلان الخزرجي )، ولا تقيموا على حرب إخوتكم، فيقتل بعضكم بعضا، ويطمع فيكم غيركم، وإن حملتم على أنفسكم بعض الحمل” ( أيام العرب : 66 )، بينما أنهى ( أبو أحيحة سعيد بن العاصي ) حرباً بين قريش وبني ليث بعد أن حمل دية الجرحى وكانت 1300 ناقة من ماله الخاص ( المنمق: 123).

ما يعنيني من هذين الخبرين ليس الممارسة الاجتماعية، بل المناخ الذهني الثقافي الذي بدأ يتبلور على يد الأحناف كوعي يومي، بدأت العقلية تتّجه إلى السلم والموادعة لا إلى الحرب والمنافرة .

ورد أنّ (القعقاع) و(خالد بن مالك بن سلم النهشلي) تنافرا إلى (أكثم بن صيفي ) فرفض منافرتهما وقال: سفيهان يريدان الشر، ارجعا فإن أبيتم فإنّي لست مفضِّلا أحداً من قومي على أحد، كلَّهم إلى الشرع سواء. وخلا بكلّ واحد منهما يسأله الرجوع عما جاء له (المعمرون والوصايا : 5 ) .

لقد خرج الجيل الأوّل من الأحناف على عبادة الأوثان ليس إلى فوضى، بل إلى تأسيس نظام أخلاقي اجتماعي قبل أن يكون تأسيساً دينيا، من هنا يمكن اعتبار الأحناف مصلحين اجتماعيين أكثر مما هم دينيون، بل إنّ وعيهم الديني تكرّس من خلال الإصلاح الفردي على مستوى ذواتهم بدءا، والاجتماعي بعد أن بدؤوا يوجّهون آرائهم وانتقاداتهم إلى أقوامهم بالدرجة الأساس، وفي مواسم العرب أيضا.

فعلى المستوى الذهني تمّت إزاحة المقدّس بأشكاله الوثنية المعروفة يومذاك، وتمّ إحلال العلاقات الاجتماعية كبديل ثقافي جديد، أي تمّ ملء فراغ الذهن من المقدّس برفع الأعراف إلى رتبة أعلى، لكن ليس على صياغتها التي تتلاءم مع بنية العقل الوثني، ومن هنا أصبح الذهن الحنيفي نشطا في غربلة وانتقاد الأعراف البائدة، أو التي تعيق نمو حركة المجتمع والناس باتجاه السلم والحلم والمعرفة .

لقد انتشر خطباء الحنيفية في الجزيرة العربية تماماً كانتشار الخطباء في باريس قبل الثورة الفرنسية، كانت هناك حمّى للإصلاح اجتاحت الجزيرة العربية بأكملها قبل الإسلام .

المراجع :

1- كُتّاب النبي ، الدكتور محمد مصطفى الأعظمي ، ط – 1981

2- كتاب الأمالي مع ذيل الأمالي والنوادر ، للإمام اللغوي أبي علي اسماعيل بن القاسم بن عيذون القالي، ويليه كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه للإمام أبي عبيد عبد الله البكري الأندلسي، تحقيق الشيخ صلاح بن فتحي هلل، الشيخ سيد بن عباس الجليمي، ط – 2002 ، المكتبة العصرية – صيدا – بيروت .

3 – المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الدكتور جواد علي ، ط1 – 2006 ، آوند دانش للطباعة والنشر

4 – المنمق في أخبار قريش ، محمد بن حبيب البغدادي ( ت 245 هج ) ، صححه وعلق عليه خورشيد أحمد فارق ، ط1 – 1985 ، عالم الكتب – بيروت .

5 – المحبر ، محمد بن حبيب البغدادي ( ت 245 هج ) ، تحقيق محمد حميد الله .

6 – الاشتقاق ، الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ( ت 321 هج ) ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ، ط2 – 1979 ، مكتبة المثنى – بغداد – العراق .

7 – البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( ت 255 هج )، تحقيق د. درويش جويدي، ط – 2006 ، المكتبة العصرية – صيدا – بيروت .

8 – الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد، عارضه بأصوله وعلق عليه محمد أبو الفضل ابراهيم ، ط – 2004 ، المكتبة العصرية – صيدا – بيروت .

9 – أيام العرب في الجاهلية، محمد أحمد جاد المولى بك، علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل ابراهيم، دار إحياء التراث العربي .

10 – الاشتقاق، للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الازدي ( ت 321 هج ) ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ، ط2 – 1979 ، مكتبة المثنى – بغداد – العراق .

11 – الأوائل، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري ( ت 395 هج ) ، وضع حواشيه عبد الرزاق غالب المهدي ، ط1 – 1997 ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

12 – المعارف، لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ( ت 276 هج ) ، ط2 – 2003 ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

13 – تاريخ اليعقوبي، احمد بن اسحاق اليعقوبي البغدادي ( ت 292 هج ) ، علق عليه ووضع حواشيه خليل المنصور ، ط2 – 2002 ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

14 – المعمرون والوصايا، أبو حاتم السجستاني ( ت 247 هج ) ، موقع الوراق www.alwaraq.com

15 – فحولة الشعراء، أبو حاتم السجستاني ( ت 247 هج ) ، موقع الوراق www.alwaraq.com

16 – شرح ديوان أمية بن أبي الصلت، قدم له وعلق عليه سيف الدين الكاتب و أحمد عصام الكاتب ، دار مكتبة الحياة – بيروت – لبنان .

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك