سيكولوجية الشهرة: لماذا يريد الناس أن يصبحوا مشهورين؟

تعّد الشهرة بهروبٌ من العزلة، الحقيقية والمتخيلة.

سأعيش إلى الأبد.

سأتعلم الطيران عاليًا

أشعر بأنهما قادمان معًا.

سوف يراني الناس ويموتون. شهرة!:

سوف أصل الى الجنة

سأضيء السماء مثل لهب. شهرة!

سأعيش إلى الأبد.

حبيبي، تذكر أسمي

من أغنية الشهرة الموسيقية (the musical Fame)

أتمنى إقناعك بأن السؤال الذي يبدو تافهًا في العنوان يحمل سرًا وقدرة على إعادة تشكيل العلاقات الإنسانية. أن الرغبة في الشهرة تُخفي وجود أحباط أو عجز، وأضطراب غير مشخص، أشبه بسوء التغذية، إلا أنهُ مرض لهُ جذور في النفس، وليس الجسم. دعني أشرح.

في عالم يُرى الناس على انهم أشخاص مهمين ونكرات, تكثر الإهانات. المصدر الرئيسي للمهانة التي يصنعها الإنسان هو التمييز على أساس المراتب. مقارنة بالعنصرية والتحيز الجنسي، ويعرف التمييز على أساس المرتبة بأنهُ ما يَفعله الأشخاص المهمين للنكرات. من المؤكد أنه ليس كل الأشخاص المهمين يُسيؤن استخدام مزايا سلطتهم. كلنا عرفنا أشخاص مهمين كرسوا سلطتهم لخدمة الاخرين ولم يفكروا في أساءة استخادم مراتبهم ودرجاتهم. قبيل حركات الحقوق المدنية والنسوية كان هناك بيضًا ليسوا عنصريين و رجالًا لم يميزوا جنسيًا. من ناحية آخرى، معظمنا، حتى الاشخاص شبه المهمين، شَعروا بطعم الإهانات التي يتحملها النكرات بشكل روتيني.

التمييز على أساس الرتبة أو الدرجة (Rankism) يظهر الآن على شاشات البحث. و للقيام بذلك فهو يحتاج الى أسم وقد حصل عليه أخيرًا (أذا كان المصطلح جديدًا بالنسبة لك، أبحث في كوكل عن “rankism” ولترى أين تترسخ حُزمة الأفكار). ولكن، العديد من ضحايا التمييز على أساس المرتبة كانوا في مراكز النساء قبل ان تجد كلمة (sexism) طريقها للغة. ضحايا ألتمييز على أساس الرتب يعرفوا أن الإهانات التي يتعرضون لها غير مُبررة، ولكن لا يزال لديهم أدوات قليلة لمقاومة جلاديهم.

طالما الأساءة القائمة على أساس الرتبة تعتبر عملًا كالمعتاد، فأن الإذلال والإهانة ستبقى دون رادع. هناك طريقتان للتعامل مع هذا. يمكننا إما أن نحذو حذو السياسة المرتبطة بالهوية و ننزع الشرعية عن التمييز على أساس الرتبة (كما نزعت شرعية التمييز العنصري والجنسي بواسطة حركات الحقوق المدنية والنسوية، وكما تفعل حركات مثليّ الجنس وذوي الإعاقة للتغلب على الخوف من المثلية الجنسية والتمييز بين الناس بناء على المقدرة الجسمية ableism). أو، يمكننا محاولة الحصول على ما يكفي من القوة لوضع أنفسنا تمامًا في معسكر ألاشخاص المهمين والتمتع بالآمن النسبي الذي يوفره المركز في مجتمع مشبع بالتمييز على أساس الرتبة. الجميع يعلم أنها حماقةٌ وغباءٌ أن تهين شخص ما. مَن لم يتخيل أن يُصبح متساويًا مع أولئك الذين وضعونا في ألاسفل عندما كنا ضعفاء بالتدافع لعرض جوائزنا في وجوههم كالأوسكار أو الإيمي، أو جائزة أفضل لاعب، أو بوليتزر، أو نوبل، أو ببساطة ترقيتنا؟ حقق ما يكفي من الشهرة في الحياة ويمكنك حتى تحقيق الخلود وكما في كلمات الأغنية (عش إلى الأبد).

وتجدر الإشارة إلى أن تجنب التمييز على أساس الرتبة من خلال السعي للمكانة والمنصب والشهرة هو نفس الحيلة التي استخدمها ضحايا هوية المجموعات الذين سَعوا إلى الذوبان في المجموعة المسيطرة. التظاهر بأنك شخص مهم مثل التظاهر بأنك أبيض أو مُستقيم. إلى حين تمكننا من تفكيك وأزالة التمييز على أساس الرتبة، تعتبر هذه الحيلة ملاذ معقول للتهرب من ظلمها القاسي.

الكرامة تؤكد الإنتماء. إنها أكثر من احترام أو مجاملة. العيش بكرامة يتعهد بالتغذية والحماية. الكرامة هي النظير الاجتماعي للمحبة بين الأشخاص. في قصة الحي الغربي ( West Side Story) في ألاغنية الشعبية في مكان ما (Somewhere) عندما يغني العاشقان (هناك مكان لنا) أنهم يدعون الحق في كرامة الاحتواء.

على النقيض من ذلك، في قصيدتها الشهيرة (لا أحد)، إميلي ديكنسون (Emily Dickinson) جسدت إهانة الاستبعاد:

أنا لا أحد. من أنت؟

وهل أنت لا أحد، أيضًا؟

إذن نحن إثنان لا أحد.

لا تُخبر أحدًا – فَهُم سيطردوننا، كما تعلم.

تهمش النكرات الى حد الاختفاء. كون البشر مخلوقات اجتماعية، فالنفي والابعاد يحمل تهديدًا لحرمانهم الموارد الآجتماعية والمادية المهمة للصحة والسعادة، واحيانًا يهدد الحياة نفسها. لا عجب أننا حساسون جدًا للإهانة، فهي تشكل تهديدًا وجوديًا.

تعد الشهرة بهروب من العزلة سواءً كانت حقيقية أو متخيلة. أنها تردع المنتقدين، بل وربما تعتصر بعض الفُتات من التقدير من أولئك الذين استكثروا علينا الإبتسامة بينما كنا نتشبث بطريقنا للخروج من أرض النكرات. ليست مصادفةٌ أن يتمتع الفائزين بألاوسكار بصحة أفضل وحياةٌ أطول من أصحاب المركز الثاني.

مثل الحرية، غالبًا ما نغفل عن الكرامة إلى أن نفقدها. تلميح لعدم الاحترام قد يكون اختبارًا لمقاومتنا للتبعية، أو تذكير بمكاننا في التسلسل الهرمي. أستخفاف أو أستصغار بسيط غالبًا ما يكون المقدمة لتصنيفنا كـ نكرات.

عندما ينهال علينا الغرباء بأسئلة مثل (من أنت؟)، (مع من أنت؟)، أو (أين درست؟) هم على الأرجح يقومون بتقدير طاقتنا التي تكشفها انتمائاتنا.

كلما جمعنا المزيد من التقدير والأعتراف، كلما قل أحتمال وجود شخص يتمع بالجرأة لتجاهلنا. الشهرة حصنًا ضد الإهانة. أنها تصرح بأهميتنا لأي شخص يحاول أن يضعنا جانبًا وتهدده بعواقب في حال تماديه. حتى أنها تساعد على تهدئة الأصوات المنتقدة التي قمنا بكبتها في داخلنا – من الآباء والأمهات، وزملاء الدراسة والمدرسين – صدى هذه الأصوات يبقى في رؤوسنا بعد فترة طويلة من اختفاء هؤلاء المتشائمين.

مستنقع سوء التقدير

ولكن للأسف، كما يعلم الجميع، ليس هناك متسع على السجادة الحمراء. الحصول على الشهرة مثل الفوز باليانصيب: كثيرين يدعون ذلك. ويتم اختيار عدد قليل.

إذن ما الذي يمكننا أن نفعله الى أن تتمكن حركة الكرامة من الحصول على الدعم لوضع (rankism) في مأزق الإحباط مع المذاهب الحقيرة الأخرى؟ لحسن الحظ، هناك ترياق مضاد للمهانة يمكن الوصول اليه بشكل أكثر يسرًا من الشهرة. يسمى الأعتراف أو التقدير. نكسب الأعتراف والتقدير من خلال المساهمات التي نقدمها للأخرين ومن شكرهم. هذه المساهمات لا يلزم أن تكون جديرة بالأوسكار لتكسب لنا الكرامة التي نحتاجها لنزدهر. في الواقع، يمكن أن تكون متواضعة جدًا وتقليدية. ولكن لابد من فهمها بدقة وشكرها من قبل جميع الأطراف المعنية.

يجب أن يُفرّق التقدير الحقيقي عن الثناء الزائف والمبالغ فيه. حركة أحترام الذات تراجعت إلى التشويه و الأساءة الى السمعة ﻷن الإحترام الذي تقدمه كثيرًا ما يكون زائفًا ومبالغًا فيه. ألمطلوب بدلًا من ذلك هو الفهم الدقيق والتقدير لدور كل شخص، وكذلك فهم المساهمات التي يقوم أو تقوم بها من أجل الأخرين. هذه المساهمات يمكن أن تكون أي شيء اُستُثمر فيه الوقت والجهد والإهتمام – منزل أو نظرية أو رقص أو عمل أو حديقة أو فطيرة أو مدون ألكترونية أو أي عمل أتُم بصورة جيدة.

يَشعر الأطفال بالنفاق في المدح المبالغ فيه, و سرعان ما يتعلمون اهماله. التملق الشديد الذي يحصل عليه المشاهير و النجوم يمكن أن يكون قاتلًا. إلفيس بريسلي ومارلين مونرو والأميرة ديانا ومايكل جاكسون إحتفت بهم الجماهير في البداية ومن ثم دُمروا بأستجابتهم للشهرة. هذا الأمر يذكرنا بالتشويه البشع عندما يفرض النحل بالقوة على الملكة ان يتغذى من هلامها الملكي.

يمثل التقدير للنفس ما يمثله الطعام للجسم. ومثل الطعام، قليل جدًا أو أكثر من اللازم يمكن أن يكون ضارًا. يجب علينا أن نفهم الآثار المترتبة على أولئك الذين يعانون من أي نقص أو وفرة في التقدير وأتخاذ خطوات لتجنب سوء التقدير، بقدر توخينا الحذر ضد ضوء التغذية. البحث عن الشهرة لتلافي الإهانة وتضميد جراح سوء التقدير مثل الإفراط في تناول الطعام للوقاية من سوء التغذية.

التمييز على أساس الرتبة ونظيره – مستنقع سوء التقدير – تَكمن في مصدر الكثير من الأختلال الاجتماعي الذي يغضب الآن المجتمعات البشرية في جميع أنحاء العالم.

في مقال لاحق، سأصف مجتمع رفيع، فقد فيه التمييز على أساس الرتبة عضته والكرامة فيه أمنة، على الرغم من أن بعض الناس معروفين اكثر من غيرهم، نسعى للخلاص ليس عن طريق المطاردة العقيمة للشهرة ولكن من خلال الخدمة.

 المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك