كيف يُمكن للعلماء أن يؤمنوا بوجود إله؟

كيف يُمكن للعلماء أن يؤمنوا بوجود إله؟ – ترجمة: حسام عبد العباس

في الثاني من مايو عام 1956، القى عالم الفيزياء النظرية المشهور ريتشارد فاينمان محاضرة في وقت الغداء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا. العلاقة بين العلم والدين كانت على جدول القضايا المعروضة في ذلك اليوم. لتنظيم أفكاره، فاينمان نسج ما يمكن أن يكون قصة مألوفة: ”رجُل شاب، نشأ في أسرة متدينة، دَرس العلم. ونتيجةً لذلك بدء بالشك وربما فيما بعد فقد الإيمان بإله والده. قد لا يبدوا هذا بالمثال الجيد، ولكن مثل هذه القصة تحدث مراراً وتكراً. على الرغم من أني لا أملك إحصاءات عن هذا الأمر، إلا أني أعتقد بأن العديد من العلماء، ربما أكثر من نصفهم، لا يؤمنون بإله آبائهم؛ هذا لأنهم لا يعتقدون بالإله بالمعنى التقليدي“.

كلمات فاينمان تطرح سؤالاً جوهرياً: هل قُدر لجميع العلماء الحقيقيين أن يُصبحوا ملحدين؟ الجواب، في إعتقادي، هو لا، أو على الأقل لا يبدو أن هذا هو الحال إذا حكمنا من خلال الإحصاءات.

ومع ذلك، كيف يُمكن للعلم والإيمان أن يتعايشا؟ وفقاً لفاينمان، فإن الجواب على هذا السؤال يكمن في إدراك حدود العلم، إذ أنه يقول: ”لا أعتقد أن العلم قادر على دحض وجود الإله؛ أعتقد بأن هذا مستحيل. وإذا كان من المستحيل إثبات عدم وجود الإله، فهو ليس إيمان بالعلم أو إيمان بالإله، إله عادي في دين، أحتمالية متجانسة“.

ويجيب فاينمان على تساؤلهِ بالقول: ”نعم أنها إحتمالية متجانسة. بغض النظر عن حقيقة أني قُلت بأن أكثر من نصف العلماء لا يؤمنون بالإله، العديد من العلماء يؤمنون في كُلٍ من العلم والإله، بطريقة متجانسة ومتناسقة تماماً. هذا التجانس وإن كان ممكناً، ليس من السهل تحقيقه“.

فاينمان هنا يتفق مع العقول العلمية البارزة الأخرى، من ضمنهم كارل ساكان وألبرت اينشتاين، على أنه لا يمكن الحصول على دليل ملموس لأن الأدلة غير متوفرة. إذاً، في هذا الحالة، لا يمكننا الإستنتاج بأن الإله موجود، ولكن أيضاً لا يمكننا الإستنتاج بأنه غير موجود.

ولكن هذا لا يجيب عن التساؤل كيف يمكن للعلماء أن يؤمنوا في كلٍ من العلم والأله. تأمل فاينمان ملياً وعاد إلى مثاله السابق عن العالم الشاب، الذي أزدهرت شكوكه، فقل: ”إذاً، ماذا يحدث، هل يبدأ الشاب بالشك في كل شيء لعدم تمكنه من الحصول على حقيقة مُطلقة، إذاً تغير السؤال قليلاً من (هل هناك إله؟) إلى (ما نسبة يقينك بوجود إله؟). هذا التغيير الدقيق جداً هو ضربة كبيرة تمثل إنفصال الطرق بين العلم والدين“.

من إنفصال الطرق هذا، تُعرض فرصة للعلماء للتوفيق بين عملهم وإيمانهم، تلك الفرصة هي عدم اليقين. في مجال العلوم وبشكل قوي، عدم اليقين، هو اعتراف أساسي بالجهل، وهو مفتاح العلماء للأعتقاد الشرعي بالإله.

إذا كان الإيمان يتفق مع علمهم، أعتقد بأنهم يقولون لأنفسهم شيء مشابه لهذا: ”أكاد أجزم بوجود الإله. الشك صغير جداً. ”هذا يختلف تماماً عن قول: ”أنا أعلم أن هناك إله“. لا أعتقد بأن هناك عالم يمكن أن يؤمن بهذا الرأي. هذا فهم ديني حقاً، هذا اعتراف حقيقي بوجود إله. هذا هو اليقين المُطلق الذي يمتلكه المتدينون.

الاعتراف بعدم اليقين ليس فقط جسراً يفصل بين العلم والدين، ولكن أنا أعتقد أيضاً إنه يمكن أن يفعل الشي ذاته عندما يُطبق على عدد كبير من نزاعات الحياة التي تبدو أبدية. يقول فاينمان: ”أعتقد عندما نعلم أننا فعلاً نعيش في عدم يقين وحيرة، إذاً علينا أن نعترف بذلك؛ إنها قيمة كبيرة أن نُدرك أننا لا نعرف الإجابات لمختلف الأسئلة“.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك