هل تطبيق الحدود وهم أم أنه جزء من الشريعة الإسلامية ؟!

هل تطبيق الحدود وهم أم أنه جزء من الشريعة الإسلامية ؟! – عماد حسن

هذا المقال (حدود الله ووهم الشريعة الإسلامية) أعد لجريدة “الجواب ” الالكترونية منقولا بتصرف من كتابي الأخير ” أمى كاملة عقل ودين” من الباب الأخير “فقه الكلب” والكتاب متاح في المغرب من دار الوطن في الرباط ومتاح الكترونيا مجانا على الانترنت. و”فقه الكلب” هو الفقه الموروث في نجاسة وكراهية الكلب الذي ورد في كتب التراث “الحديث والسيرة والتفاسير وغيرها” متعارضا مع ما وصف به القرءان لمكانة الكلب الرفيعة. وقد شرحت في الكتاب بالتفصيل ان “فقه الكلب” قام أساسا على أهواء شخصية إذ ان أبا هريرة كان يعشق “الهرة” التي تخشي الكلب بطبيعتها وكانت الكلاب تسبب له متاعب، فوضع عددا كبيرا من الروايات الملفقة عن النبي تكره الأمة في “الكلب” – أو تم وضع تلك الروايات ونسبت إليه – ما يهم في الأمر انه فقه أساسه هوى شخصي تحول بعامل الزمن الى سم زعاف جعل الامة المسلمة تكره الكلاب رغم رفعة شأنها في القرءان. وقياسا عليه فهناك الكثير من الفقه الموروث اصلا نتج من أهواء شخصية صنعت لها الروايات صناعة ونسبت للنبي زورا وبهتانا لتتحول بعامل الزمن الى دين سلفي ولقد اطلقت على كل الفقه المزيف مصطلح “فقه الكلب” . في هذا المقال سأناقش مفهوم “حدود الله ” التي يتوهم الغالبية العظمى من المسلمين انها تفيد ما يسمى بـ “الشريعة الإسلامية”.

حدود الله في “فقه الكلب”:

لو سألتَ ألْفَ مسلْمٍ ، أو مليونَ مسلِمٍ أو مليارَ مسلِمٍ عن تعريف “تطبيق الشريعة الإسلامية” ستجد الغالبية العظمي تبدأ بالحديث عن تطبيق “حدود الله”. كلام جميل جدًا. ولو سألتَ المليار ونصف مليار مسلِم على وجه هذا الكوكب التعيس عن تعريف “حدود الله” ستكون الإجابة غالبًا هكذا مرتبين “حدود الله” “حدًا” “حدًا” :

حد السرقة: وهو قطع اليد.

حد الزنا: وهو الجَلْد مئة جَلْدة لغير المحصن، وحد الرجم للمحصن.

حد الخمر: وهو ثمانون جَلْدة.

وحد الحرابة: وهو القتل أو القطع مِن خلاف، أو الصلب أو النفي من الأرض.

حد الردة: وهو القتل.

قد يحارُ بعض القراء مما أرمي إليه لأن ما سبق يبدو أوضحَ ما يكون وهو القدْر الأدنى من العلم الشرعي الذي يكاد يعرفه كل المسلمين، بل وجعلناه معروفًا لكل العالم أن هذه هي “الشريعة الإسلامية” التي ننادي بها ونموت من أجل تطبيقها. وهكذا يتجلى “فقه الكلب” في أبشع صوره خاصة إذا حسبنا كَمْ عدد الأنفس التي أُزْهِقت تحت الحروب الأهلية في أفغانستان والصومال والسودان ونيجيريا والشام وغيرها من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية أعلاه، بل كَمْ مِن المسلمين نَحَر نفسَه ونَحَر معه العشراتِ في موضة العمليات الانتحارية في سبيل إقامة دولة الخلافة الإسلامية وتطبيق “حدود الله” في الأرض.

لكن: لو أعطينا فقط الـ 350 مليون عربي – نترك المسلمين غيرَ العرب – نسخةً من القرءان ( ولفظ “نسخة” هنا أرجو أن يفهم الآن بمعناه الصحيح وهو صورة طبق الأصل وليس حسب الخطل في “علم الماسخ والممسوخ” الذي أوهموا به الناس أنه يعني التبديل كما شرحت في باب علوم القرءان في كتاب امي كاملة عقل ودين)، لو أعطيناهم نسخة من القرءان وطلبنا منهم أن يأتونا بآية واحدة ورد فيها “حـــد” بصيغة المفرد، من “حدود الله” لَمَا أتوْا بها ولو استعانوا بمعشر الجن وكان بعضهم لبعض ظهيرًا، ذلك لأن ما يسمى بـ “الحدود الشرعية” أعلاه ليس إلا من إنتاج مؤسسة ابن سلول لصناعة الأديان بعد أن اطمأنت إلى أن هؤلاء القوم ليسوا إلا كالأنعام بل هُم أضل سبيلًا.

لم يَرِدْ في القرآن أبدًا أبدًا لفظ “حد الله” بصيغة المفرد، وإنما وَرَدَ مركَّب “حدود الله” هكذا:

إثنا عشرَ مرة بصيغة “حدود الله”، و مرةً واحدة بصيغة: “حدوده” والضمير راجع لله. ومرة واحدة بصيغة: “حدود ما أنزل الله”. هذه ليست المفاجأة وإنما ليس بين كل هذه الآيات وما يُظَن أنه “الشريعة الإسلامية” أعلاه أدنى علاقة. ما سبق هو حدود الله في “فقه الكلب”، وهو الفقه الذي قام على الأهواء الشخصية والتلاعب المقصود بالمصطلح القرءاني وتشرَّبَته الأمة سُمًّا زعافًا. أمّا في القرءان، أحسن الحديث، فقد ورد ذِكْر “حدود الله” في هذه الآيات فقط:

في آيات الطلاق في سورة البقرة ورد المركَّب 6 مرات في آيتين مِن بضعة سطور:

{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)} البقرة

وورد مرة واحدة مع تحريم المعاشرة أثناء الاعتكاف في سورة البقرة:

{…..وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) } البقرة

ثم ورد مرتين في آيات “الميراث” في سورة النساء:

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)} النساء

وورد مرة واحدة في سورة التحريم في آيات الظهار:

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)} المجادلة

وورد مرة واحدة في تصنيف الفائزين المؤمنين من كل القرون:

{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)} التوبة

أمَّا الأعراب فهُم أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموها:

{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)} التوبة

وورد مرتين في الآية الأولى من سورة الطلاق:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)} الطلاق

لم يرد مركب “حدود الله” على الإطلاق في القرءان في غير هذه المواضع. وعليه فإن أي روايةٍ منسوبة لرسول الله أو أصحابِه المؤمنين وفيها مصطلح “حد من حدود الله” بصيغة المفرد أو وصفت عقوبة بأنها “عقوبة حدية” فهي رواية مكذوبة تمت صناعتُها بأثـر رجعي بعدما تعدَّى المسلمون كلَّ “حدود الله” في الطلاق والمعاشرة والميراث والظهار، ثم تم استبدال المفهوم بالعقوبات في القرءان فأسموها “عقوبات حدية” ثم تحولت تلك “الحدود ” الوهمية إلى “حدود فردية” ففصل “فقه الكلب” فيما يسمى “حد السرقة” و”حد الزنا” و “حد الحرابة” و”حد الردة”، لذلك لا تستغرب من بقاء وهم “حد الرجم” أكثر من ألف عام في أذهان أمة أضل مِن الأنعام.

ما معنى “حدود الله”؟

مِن المفيد هنا أن أطرح سؤالًا بسيطًا حتي يستطيع القارئ التمييزَ بين “المفرد” و”الجمع” في مركّب “حدود الله”. لو سألتَ نفسك سؤالًا: ” ما هو حد المغرب” …أو “حد الجزائر”…. أو “حد تونس” أو “حد السودان” ….ألا ترى السؤال ساذجا؟ لأن اللفظ لا يفرد وإنما الصحيح أن تسأل عن : “حدود المغرب” و “حدود مصر” و”حدود السودان” وهكذا؟؟

الواضح من كل الآيات التي ورد فيها مركب “حدود الله” انها آيات تنظم قضايا إجتماعية فيها متغيرات زمانية ومكانية كثيرة ولا يمكن ان يكون فيها حكم واحد يصلح لكل زمان ومكان. لذلك وصف القرءان في تلك الآيات إطار واسع من المتغيرات التي يستوجب على المؤمنين إختيار وتطبيق ما يتناسب مع زمانهم ومكانهم منها فقط ان يكون الإختيار داخل “حدود الله”…تماما كوصف “حدود الدولة”، فأينما كنت داخل حدود الدولة فأنت تخضع لها …مركب “حدود الله” يحمل نفس المدلول ، اي ان هناك إطار واسع من الاختيارات تنتهي بـ “الحدود” لكن المؤمن مخير ان يختار ما يناسبه ما دام لم يتعد تلك الحدود.

ونلاحظ أيضا ان هناك تمييز بين الإقتراب منها وبين تعديها كما في {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا..} 187 البقرة ، وبين { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)} النساء…والمجال لا يتسع لمناقشة الفرق بين الإقتراب منها وبين تعديها لكن للتبسيط فإنك أحيانا تجد تحذيرا أمنيا ” منطقة عسكرية ممنوع الإقتراب أو التصوير”…هنا فإن مجرد الإقتراب قد يوقعك في خطر… لكن في حدود الدول فإن الخطر يكون فقط حين تعديها لكن لا تحذير من الإقتراب من الحدود. خلاصة القول فإن مركب “حدود الله” يفيد إطارا مرنا من الإختيارات المباحة حسب الظروف بشرط عدم الإقتراب منها او تعدي تلك الحدود. وإن كل تلك الحدود تنظم معاملات إجتماعية وضع الشرع لها إطارا واسعا من المتغيرات لكن المركب ” حدود الله” لم يرد كمفرد “حد” ولم يرتبط على الإطلاق بالعقوبات الجنائية التي سرقت المركب لاحقا وتحولت الى عقوبات بشعة تشوه وجه الإسلام والله ورسوله منها براء.

وحتى تكتمل صورة تزوير الإسلام من قبل فقهاء سلاطين السلف الذين سخروا الدين المحرف لتركيع الشعوب يستحسن إلقاء نظرة سريعة على العقوبات المسماة زورا وبهتانا “عقوبات حدية” وهي لا علاقة لها البتة بـ “حدود الله” في القرءان:

فعقوبة السرقة وردت هكذا:

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} المائدة

نلاحظ هنا أنه لا وجود للفظ “حـد” مِن “حدود الله” مرتبطا بعقوبة السرقة مع مقارنة تكرار مركَّب “حدود الله” ست مرات في آيتَي الطلاق. ونلاحظ أيضا ان آية عقوبة السرقة إشتملت على الملاحظات التالية:

1- فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا: السارق له “يدان” والسارقة لها “يدان” . السارق والسارقة معا لهما اربعة أيدى. لكن النص يصف قطع “ايديهما” وليس “يديهما” وهو تثنية اليدين لكل منهما…. “أيديهما” جمع مثني يفيد ستة فما فوق، لأن “أيدى” نفسها جمع لـ “يد” – يد ، يدان ثم أيدى… فما هي “أيدي السارق” و”أيدي السارقة” التي تشير الآية بقطعها؟

2- نلاحظ ان الامر كان بـ “القطع” وليس “البتر” وشتان ما بينهما….ولا مجال لمناقشة التفاصيل هنا.

3- الآية جاءت متبوعة بآية التوبة: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.. فكيف يتوب عليه وكيف يصلح بعد قطع “يديه” إن كان لفظ “أيديهما” يفيد بتر كلا اليدين؟

اما عقوبة الزنا فقد وردت في الآية كما يلي:

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)} النور…. نلاحظ الآتي في هاتين الآيتين:

أولا: لم يطلب الله شهودا على “الزنا” وذلك لأن اللفظ يفيد الدعارة والمجاهرة بها. أي امتهان المهنة وإرتيادها علنا لذلك فالزاني والزانية معلومان يشهد عليهما المجتمع المحيط بهما . ومن هنا عرفنا لفظ الزنا في القرءان انه الدعارة الحرفية وليس الممارسة الجنسية خارج الزواج والتي أشار إليها القرءان في اماكن متفرقة بلفظ “الفاحشة” ولم يجعل لها عقوبة دنيوية محددة. ولفظ الفاحشة اطلقه القرءان على العلاقات الجنسية بين الذكر والانثي كما اطلقه على العلاقات الجنسية المثلية. وفي كلا الحالتين لم يضع لها عقوبة ملزمة وإنما الأمر متروك للتعذير وحكم القضاء في الزمان والمكان المحدد.

ثانيا: لم يصف القرءان عقوبة الزنا بأنها عقوبة حدية كما يتوهم الناس وإنما حدد نوع العقوبة وهو الجلد مئة جلدة، و”أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين” لأن الجريمة اصلا جريمة مجاهرة وطائفة المؤمنين التي تشهد الجلد هم الجيران المحيطين بمكان بيت الدعارة كنوع من التقريع والتحذير مساوٍ للمجاهرة، لكنه لم يفتح الباب ليشهد العذاب كل المؤمنين بنقلها في اليوتيوب لتظل مشاهدة ابد الآبدين من كل الناس.

ثالثا: لم تحدد الآيات كون الزاني والزانية متزوجين او غير متزوجين. العقوبة للفعل ولا فرق في ذلك بين زان متزوج او عازب.

لقد شرحت بالتفصيل في باب ” وقولهم على عائشة بهتانا عظيما” ان سورة النور تم زعزة فهمها بالتفاسير المشينة المقصودة لدرجة انهم زعموا انه كان فيها آية الرجم للمتزوج والمتزوجة لكنها كانت مكتوبة في صحيفة تحت فراش النبي يوم مات فانشغل الناس بموته فأتت الماعز وأكلتها كما ورد في البخاري، وعليه أدخلوا على الفقه الإسلامي جريمة ما يسمى “بحد الرجم” بناء على تلك الآية التي لا توجد في القرءان بعد ان اكلتها الماعز..وارجو الإطلاع على هذا الباب في كتاب أمي كاملة عقل ودين وهو متاح من دار الوطن في الرباط ومجانا من الانترنت.

ما يهم في هذا المقال هو انه لا يوجد شيء اسمه “حـــد الزنا” بصيغة المفرد في القرءان فضلًا عن أن مركَّب “حدود الله” لا علاقة له بالعقوبات، ولا يوجد رجم أصلًا.

أمّا “عقوبة الحِرَابة” فقد وردت في هذا الآية:

{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) } المائدة

عقوبة الحرابة هي اقسى عقوبة دنيوية وصفها القرءان ولا اقول عقوبة حدية ، لان هذا المصطلح لا مكان له في القرءان وإنما من إنتاج “فقه الكلب” الذي قام على أهواء فقهاء السلطان سابقا وحاليا. وسميت عقوبة الحرابة لأن الجرم فيها يمثل حربا على الله ورسالته. نلاحظ في هاتين الآيتين ما يلي:

أولا: ان طبيعة الجرم هي “الفساد في الارض” وليس “الفسوق”.

الفسوق: هو المعاصي الشخصية التي لا تتعدي العاصي مثل الفواحش الجنسية والغيبة والنميمة والسكر وغيرها …هذه نهى عنها الله وعقابها او غفرانها في الآخرة.

الفساد: هو فساد الأشياء والقوانين والمعاملات والسياسات التي تضر بمجموع المجتمع من تزوير في الانتخابات وشهادات الزور وارتشاء المسؤلين والقضاة والمحسوبية ونهب المال العام والغش في تصميم العمارات والطرق والاستهتار في المستشفيات بخداع المرضي استغلال جهلهم والادوية والاطعمة الفاسدة و إنقسام المجتمع لطبقات تثرى بالحرام وطبقات تئن من الفقر وغيرها مما يهدم المجتمع ككل . ونلاحظ هنا ان تعريف الفساد بكل اسف يشمل الكثير جدا من السمات المميزة لغالب المجتمعات المسلمة اليوم. فإن كانت رسالة الإسلام في اصلها رسالة سلام للناس، كل الناس، فإن كل ما يضر بمصالح عموم الناس يدخل تحت مسمى “الفساد” وتصفه الآية انه “حرب على الله ورسوله” وكانت له اقصى عقوبة في الإسلام وهي عقوبة الحرابة أعلاه.

ثانيا: نلاحظ انه رغم بشاعة الجرم فإن العقوبة نفسها تركت لتقدير القضاء ولم تحدد شكلا محددا لها وإنما طرحت خيارات يختار منها القاضي ما يتناسب والجريمة حسب الزمان والمكان وقد ميز الله بينها بحرف العطف “أو”….

ثالثا: نلاحظ رغم بشاعة الجرم فإن خيارات العقوبة تدرجت من القتل الي “النفي من الارض” وهذا يمكن ان يكون السجن بمصطلحات اليوم ـ أي العزل عن المجتمع.

رابعا: رغم بشاعة الجرم والعقوبات المقترحة كخيارات نلاحظ ان الآية التالية تركت باب التوبة مفتوحا لمن لم يقع تحت يد القانون وان الله غفور رحيم .

من هنا نفهم ان عقوبة الحرابة وهي اقسى عقوبة في القرءان يمكن ان تنتهي بالعفو والتوبة وكان الله غفورا رحيما.

عقوبة الردة:

ولعل ما يعرف بـ “الردة” لَهُوَ مِن أخطر ما يُفْهَم خطأ أنه حد مِن حدود الله اليوم، حيث أصبح جَزُّ الرؤوسِ وهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها وتفجير المساجد والأسواق مِن يوميات أمة “اقــــرأ” التي أصبحت لا تَقرأ ولا تفهم ما يُقرَأ لها. وقد اشتهرت بما يسمى “حد الردة”.. وهذه العقوبة أصلا لا مكان لها في القرءان إطلاقا لأن الايمان والكفر خيارين متاحين للجميع والله لا يشجع على النفاق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولا توجد عقوبة في القرءان بتاتا لمن يترك الإسلام ناهيك ان تكون عقوبة حدية كما يسمونها. وقد ظهرت “عقوبة الردة” في عصر بني أمية لإعدام المعارضين السياسيين ثم تبناها “فقه الكلب” واطلق عليها مصطلح “حد الردة” وما هو بحد ولا عقوبة لمن ترك دينه في القرءان. وما زال ما يسمى “حد الردة” سلاحا بيد فقهاء الكثير من السلاطين يعدمون به من عارضهم وإن كانوا هم اشد حربا على الله ورسوله وأجدر ان يعاقبوا “عقوبة الحرابة”. وقد ناقشت مفهوم الردة في باب ” خير القرون” في كتاب “أمي كاملة عقل ودين”.

خلاصة القول:

نلاحظ أولا ان مركب ” حدود الله” يصف إطارا عاما لمتغيرات إجتماعية ترك الشارع للناس اختيار ما يناسبهم منها طالما كان داخل إطار “حدود الله” . وأن “حدود الله” لم تأت مفردة “حد” ولا علاقة لها بالعقوبات.

اما العقوبات المنصوص عليها في القرءان فكلها لجرائمَ معينةٍ لا تحمل اسم “حــد” وليس بينها قاسم مشترك ولم تأتِ مرتبطة بأن هذا شرع الله أو حدوده. لكن مِن مفاجآت “فقه الكلب” أنه جعل مِن الإسلام تمثالًا أشبهَ بأبي الهوْل: رأسه رأس إنسان وجسمه جسم أسد، فقدْ جعلوا بلايين المسلمين يظنون أن “حدود الله” هي مجموعة العقوبات المنصوص عليها في القرءان، وفي هذا الظلام البهيم مِن الجهل التام بــ “حدود الله” الحقيقية، فقد تعداها كل المسلمين – إلا مَن رَحِمَ ربُّك – وتعدتها كل المدارس الفقهية بل وأسست على تعدي كل “حدود الله” دينًا بأكمله، وتعدتها مجالس إسلامية ومنظمات وجامعات إسلامية على مدى مئات السنين لأنهم أُشْرِبوا في قلوبهم “فقه الكلب” وعَصَوْا الرسولَ في اتِّباع وهْمٍ أسموه لهم “سُنَّة النبي” التي تم تزويرها بأثر رجعي ثم نسبت للنبي لتصنع دينا موازيا للقرءان ومناقضا له في الكثير من الوجوه حتى آل حال أمتنا إلى ما آل إليه اليوم.

اللهم الا هل بلغت. اللهم فاشهد

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك