هل تصدّق أن العلمانية مطلب إسلامي ؟! .. هذا المقال يجيبك

العلمانية مطلب إسلامي – حوار مع المفكر جورج طرابيشي

دائما ما يدور الحديث حول الصراع بين الدين والعلمانية، باعتبارهما نقيضين لا يلتقيان، لكن في هذا الحوار يطرح المفكر جورج طرابيشي رؤية مخالفة للمعتاد، حيث يعتبر أن العلمانية، التي يعتبرها البعض العدو اللدود للإسلام، هي بالأساس مطلب إسلامي.

قراءة معاكسة للنصوص الدينية الإسلامية تؤسس للعلمانية يطرحها المفكر السوري جورج طرابيشي..في رؤية مغامرة ممسوسة بتحفظات منهجية وتفسيرية لكنها متسقة مع مشروعه الضخم في “نقد الفكر العربي” (المشروع الذي وصل اليوم إلى جزئه الرابع) عن طريق كتاب “نقد العقل المستقيل في الإسلام” وهو يستعد إلى إخراج جزئه الخامس من هذا المشروع، وفي أثناء هذا وبالتوازي مع مشروع نقد أطروحات “محمد عابد الجابري”، يقوم طرابيشي بإصدار كتابين دفعة واحدة وهما: “هرطقات 1″ و”هرطقات 2″.

وهي مجموعة مقالات وتحاليل تندرج -كما سماها هو- “في عداد ما درجت العادة على تسميته بـ”حصاد العمر”، ويضيف طرابيشي: “في لحظة بعينها من الحياة وتوقعا للرحيل يجد الكاتب نفسه منساقا إلى الرجوع لـ دفاتره العتيقة”.

طالع رؤية مغايرة للعلمانية:

حوار مع المسيري حول التدين والتفسير العلماني

المسيري يتحدث عن مفهوم العلمانية في عالم متغير

غير أن طرابيشي نفسه يقر أن بعضا من دفاتره العتيقة هذه هي “عصارة فكره الحاضر” خاصة دفاعه عن “الخيار العلماني” لتحرير المجتمع العربي والإسلامي.. وفي العمل الجديد الذي يقوم به طرابيشي -في هذين المؤلفين- يرى أن فيما يجري اليوم في العراق وبعض البلدان الإسلامية الأخرى من اقتتال طائفي “الإثبات العملي لضرورة العلمانية كمطلب إسلامي – إسلامي”.

ومستندا إلى أدوات تحليلية تؤخذ من علم النفس -باعتبار أن طرابيشي هو أبرز مترجمي سيجموند فرويد- ومن الفلسفة باعتبار أن طرابيشي أيضا هو مترجم مؤلفات “جون بول سارتر” وناقله إلى الفكر العربي، ومن هيجل أيضا.. ومستفيدا من خبرته في “علم الاجتماع السياسي” يدعونا طرابيشي إلى إعادة التفكير في التاريخ الإسلامي لقراءة الحاضر قراءة جديدة.

وفي إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس استقبلنا طرابيشي في بيته فكان هذا الحوار “المستفز” للفكر العربي والإسلامي، والذي يثير قدرا لا بأس به من الحوار والجدل على صعيد المنهج وقراءة النصوص الدينية؛ لذلك فالقضية في انتظار استدعاءات وتأملات أخرى….

العلمانية التراثية

* تقوم في آخر مؤلفاتك “هرطقات” و”هرطقات2″ عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية ( دار الساقي أبريل 2008 ) بعملية تأصيل تاريخي للعلمانية في التاريخ والتراث الإسلامي.. لماذا هذا الجهد؟

– جورج طرابيشي: من الأسلحة الفتاكة التي حوربت بها العَلمانية (بفتح العين نسبة إلى العالم) في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي معا القول إن العلمانية اختراع مسيحي، أو استقراء لأوروبا المسيحية التي أوجدت العلمانية حلا للصراع الكبير الذي امتد أكثر من مائة عام بين الكاثوليك والبروتستانت، وجاء عمل الاستشراق ليؤكد أن العلمانية هي بالفعل من وجهة نظر استشراقية ابتكار مسيحي لا يمكن أن يطبق على التاريخ الإسلامي؛ لأن العلمانية موجودة بالنص التأسيسي للمسيحيين الذي هو الإنجيل، ولا وجود لها في النصين التأسيسيين للإسلام اللذين هما القرآن والسنة معا.

ولكن عَلام يستند هؤلاء المستشرقون في دعواهم هذه؟ إنهم يستشهدون بآية واحدة وجدت في الإنجيل، وهي قول المسيح لفقهاء اليهود الذين سادوه “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، واعتبروا أن هذه الجملة الوحيدة في الإنجيل ميزت بين حكم الدنيا وحكم الآخرة، وبين الدولة والدين، وبالتالي أمكن لأوروبا المسيحية أن تنجز العلمانية.

ما وجدته في تاريخ الإسلام يعادل، بل يزيد بكثير عن هذه الجملة الإنجيلية المميزة بين الله وقيصر، ففي حديث الرسول؛ والمعروف بحديث تأبير النخل، حيث كان الرسول مارا بحي من أحياء المدينة، فسمع أزيزا فاستغربه، فقال: “ما هذا؟” فقالوا: “النخل يؤبرونه” أي يلقحونه، فقال – وهو الذي لم تكن له خبرة في الزراعة: “لو لم يفعلوا لصلح”، فأمسكوا عن التلقيح، فجاء النخل شيصا، أي لم يثمر، فلما ارتدوا إليه يسألونه قال قولته المشهورة: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، وقد روى هذا الحديث – من جملة رواته – عائشة، وأنس بن مالك بصيغ أخرى.

هناك حوالي خمس عشرة رواية تؤكد على هذا المنحى التمييزي بين الدنيا والآخرة، بين شئون الدنيا التي يعلمها الناس، وشئون الآخرة التي هي علم إلهي عند الله، وما أتى به الرسول فهو تركيز على الجانب الأخروي، وهذا في نص الحديث.

وإذا كانت الجملة الإنجيلية “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” هي سبب العلمانية، فأنا عندي أنها في حديث تأبير النخل وما شابهه؛ وفي حديث القضاء أيضا معنى آخر لهذا الفصل، حيث يقول ” إني أقضي بينكم بما أسمع، فإن قضيت لمسلم من حق أخيه بالباطل، فإني أكون قطعت له قطعة من جهنم”، فالرسول يعترف بالجانب البشري من شخصيته، وفيه شيء يؤديه عن الله أي الجانب الرسالي وهذا تمييز كبير أيضا يؤكد التمييز بين المستويين الأخروي والدنيوي.

أنا أذهب إلى أكثر من ذلك فأقول: إن الجملة الإنجيلية ليست هي التي صنعت العلمانية الأوروبية، بل العلمانية الأوروبية الحديثة هي التي اكتشفت أهمية هذه الجملة في الإنجيل، والدليل أن المسيحية بقيت على مدى خمسة عشر قرنا تجمع بين الدين والدولة، وتكاد تؤله الإمبراطور البيزنطي، وتخلط الدين بالسياسية، ولم تفرق بينهما، ولم تكتشف هذه الجملة الإنجيلية إلا بفضل العلمانية، فعندما جاء أهل الحداثة في أوروبا وحتى يقنعوا المؤمنين المسيحيين بأن العلمانية لا تتعارض مع الدين أعطوا أهمية كبيرة لهذه الجملة التي أهملت طوال خمسة عشر قرنا من تاريخ المسيحية، وأنا أقول الشيء نفسه في الإسلام فليس حديث “تأبير النخل” هو الذي سيصنع العلمانية، وإنما عندما يحدث وعي علماني سنكتشف أهمية الجملة الموجودة في الحديث وغيرها.

أقول كل ذلك ردا على النظرة الاستشراقية التي تريد أن تخرج العالم الإسلامي خارج دائرة التاريخ الحديث، وأنه لا مدخل له في هذه الحداثة لسبب ديني، ودعوتي هي من أجل إعادة اكتشاف أهمية هذا الحديث الذي ورد بأكثر من خمس عشرة صيغة في جميع مسانيد كتب الحديث.

قيصر والكنيسة والنبوة والملك

* ولكن ماذا بالنسبة لقضية الخلافة في الإسلام، والتي يجعلها البعض فرضا دينيا؟

– يجب أن نعلم أن التمييز بين قيصر والكنيسة في المسيحية له أمر أكثر أهمية في الإسلام، وهو التمييز بين النبوة والملك في عديد من أحاديث الرسول، ثم التمييز بين الخليفة والسلطان، فكل تاريخ الدولة الإسلامية قام على ازدواجية الخليفة والسلطان؛ فالخليفة يحكم باسم الله وخليفة لرسول الله، والسلطان يسير شئون الدولة، والتي لا يتدخل فيها الخليفة.

بل أذهب إلى أكثر من ذلك فأقول إنه بعد سقوط الدولة الأموية وبداية ظهور الدولة العباسية، والاستعانة بالترك والديلم في القرن الثاني والثالث للهجرة أصبح السلطان هو الذي يتحكم في الخليفة، وليس الخليفة هو الذي يتحكم بالسلطان، أي أن السياسة هي التي تتحكم في الدين، وليس الدين هو الذي يتحكم في السياسة.

فالإسلام على امتداد تاريخه عرف ازدواجية الدنيا والآخرة، وازدواجية الدولة والدين، والنبوة والملك، والخلافة والسلطان، فليست العلمانية من حيث أنها تميز بين المستويين بالجديد الطارئ على الإسلام، إنما هي جزء مؤسس له منذ حادثة السقيفة؛ “فكما نعلم أن السيوف شهرت في اجتماع السقيفة، وكادت تقع مقتلة بين كبار صحابة الرسول، وتلتها مقتلة أخرى عندما أجبر علي بن أبي طالب على مبايعة أبي بكر بالقوة، وضربت بنته فاطمة،  ثم قتل ابنه الحسين في مذبحة كربلاء الشهيرة” ولم يحدث قط أن اعتدي على سلالة الرسول كما حدث في تلك الفترة وذلك باسم السياسة، إذن لا نستطيع أن نقول مرة أخرى: إن العلمانية كتمييز بين الديني والدنيوي لم يعرفها الإسلام، إننا يجب أن نقرأ تاريخنا بأعين جديدة حديثة، حتى نكتشف هذه الأبعاد التي أصبحت اليوم محجوبة عن الأنظار.

* من اللافت للنظر أنك تذهب إلى أكثر من ذلك في تأصيلك للعلمانية في التراث الإسلامي، بقولك: إن مصطلح العلمانية ذاته موجود في تراثنا، وليس مجرد مصطلح تمت ترجمته في القرن التاسع عشر؟

– نعم من هنا أيضا كان تركيزي على اكتشاف كلمة العلمانية التي لم تأتنا من الغرب كما نتهم، ويتهموننها أنها كلمة عميلة للغرب؛ فالعلمانية جزء أساسي من تراثنا، فهي موجودة في قلب التراث، وهنا أحيل إلى “ابن المقفع المصري” في القرن الرابع الهجري الذي استعمل هذه الكلمة دون أن يشرحها في كتابه “مصباح العقل” مما يعني أنه لم يكتبها ويحدث بها، فهي معروفة لدى الناس، فالعلماني هو بالنسبة لابن المقفع المصري القبطي “من ليس راهبا” أي من ليس رجل دين، وكلمة علماني ليست من “العلم” فلا نقول عِلمانية بكسر العين، ولكن علماني بفتح العين أي من “العالم” فرجل الدين ينتسب إلى الآخرة، في حين أن العلماني ينتسب إلى هذه الدنيا، إذن الكلمة ليست جديدة في تراثنا، ولم تستورد في القرن التاسع عشر أو العشرين كما يقال، بل هي موجودة في هذا التراث العربي المسيحي، والذي هو جزء من التراث العربي الإسلامي، وهو في حاضرته، وليس منفصلا عنه، وهذا ما أطلقت عليه “بذرة العلمانية في الإسلام” أي أنه لم توجد العلمانية، ولكن وجدت بذورها في تاريخنا، وكما طورت أوروبا العلمانية الإنجيلية، فنحن نستطيع أن نطور بذرة العلمانية في الإسلام.

* عندما تتحدث عن العلمانية تتحدث عنها بكونها “إنجيلية”، وبالمقابل عندما تتحدث عن العلمانية في التاريخ الإسلامي تعتمد على الحديث، ولا تعتمد النص القرآني، لماذا هذا الاستبعاد للنص القرآني؟

– لا لم أستبعد النص، وهو مشروعي في العمل القادم، فكتابي الجديد الذي أعده يحمل هذا العنوان الكبير، والذي قد يكون فيه قدر من الجرأة، وربما قد يبدو لبعضهم استفزازيا سميته “الله والرسول: الشارع والمشرع له” ففي القرآن التشريع لله وحده، وحتى الرسول لا يملك حق التشريع، واستندت إلى العشرات من الآيات التي تكف يد الرسول عن كل شيء، إلا أن يوحى إليه، فإذا ما أوحي إليه فقد تكلم الله، وأما إذا ما تكلم الرسول فهو قد يخطئ وقد ينبهه القرآن {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (الآية 46 سورة الحاقة)؛ لأن الرسول بشر وهذه قيمة كبرى للإسلام وهي بشرية الرسول، بخلاف الأديان الأخرى التي ألهت النبوة، كما حدث في المسيحية عندما جعل من المسيح إلها، فإذن في القرآن نفسه هناك ثنائية كبيرة بين الله والرسول البشر، وبين المرسل الذي هو إله والمرسل إليه الذي هو بشر، وهذا تمييز كبير موجود.

ومن هنا أنا لم أستبعد النص التأسيسي ولكن أفردت له كتابا جديدا أتمنى أن يتاح لي الوقت لأتابع فيه المشروع الذي بدأته.

* هناك نقطة منهجية فيما تقوم به، أي عندما تعود إلى نصوص الأحاديث ونصوص القرآن ألا تعتقد أنك تقوم بنفس العمل الذي يقوم به الأصولي عندما يعود إلى النصوص من أجل دعم مواقفه، والحال أن الموقف الحداثي الذي تنطلق منه يفترض القطيعة مع هذه النصوص؟

ـ لا أنا لا أفسر الحداثة على أنها قطع، فالقطيعة المعرفية شيء، والقطيعة من النص شيء آخر، والحداثة هي قطيعة معرفية.. وما هي القطيعة المعرفية؟: أن تتم على مستوى النصوص وفهمها، وإعادة تأويلها، وليس إهمالها، فنحن أمة تراثية، ملبوسون بالتراث من قمة رأسنا إلى أخمص قدمنا، وبالتالي لا نستطيع أن ندخل الحداثة عراة من هذه النصوص فهي مؤسسة لكل ما فينا.

إذن حتى ندخل الحداثة لا يجب علينا أن ننقطع من النصوص، ولكن يجب علينا إعادة تأويلها، وأن نربط النصوص بتاريخها وسياقها، ونفهمها على ضوء حاجاتنا نحن لا كما فهمها الأقدمون على ضوء حاجاتهم هم، وكما كان يقال: هم رجال ونحن رجال.

العلمانية الفكرة الضرورة

* دائما في مستوى التأصيل التاريخي والديني للعلمانية نجدك تخصص النص الأهم في هرطقات2، والذي عنونته “العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية” إلى الخلاف السني – الشيعي، أو كما تصفه صراع النواصب – الروافض، وتقارن هذا بالصراع الكاثوليكي – البروتستانتي في أوروبا، وتستعين بعشرات النصوص من أجل إيجاد المسوغات والدلائل من أجل مطابقة التاريخين الأوروبي والعربي الإسلامي، ثم تقوم بربط كل هذا بما يجري في العراق وباكستان وتركيا وإيران من صراع، وتقتيل سني – شيعي.. تريد أن تصل بنا في النهاية إلى أن العلمانية حاجة تتطلبها الانقسامات الطائفية في العالمين العربي والإسلامي.. فهل العلمانية كحل مرتهنة في رأيك بوجود الصراع الطائفي؟

ـ  لا أربط ضرورة العلمانية بالصراع الطائفي، ولكن لا دواء للصراع الطائفي إلا بالعلمانية، والطائفية موجودة في كل البلدان العربية والإسلامية باستثناء حالات قليلة جدا، فحتى الجزائر التي قالوا إنها سنية مالكية بعربها وبربرها، مع أن مشكلة العرب والبربر هذه مشكلة كبيرة، ودون الدخول في التفاصيل فإن البربر يتقدمون برؤية تقدمية للإسلام، والعرب صاروا مع الأسف يقدمون رؤية نكوصية للإسلام.

ما أريد قوله: إن هناك في الجزائر توجد قرية درزية وهي قرية بني عبس، كما صار الآن فيها أقلية مسيحية كبيرة التعداد، ورسميا عددها 15 ألفا، ويقال إنهم أكثر من مائة ألف، وليسوا هم من آثار الاستعمار، ولكن هم من آثار الذين تحولوا من دين إلى دين علنا أو سرا.

إذن ليس هناك مجتمع نقي في الإسلام إلا في حالات نادرة؛ لأنه حتى في هذه المجتمعات كالجزائر وتونس والمغرب التي نعتبرها بشكل عام أنقى الدول العربية، نعلم أن اليهود كانوا يشكلون أقلية فيها إلى سنة 1967، ولو وجد حل علماني في هذه الدول لما هاجر اليهود منها، وغزوا إسرائيل وأوروبا، وبصرف النظر عن كل الظروف التاريخية، فقد هرب اليهود وهم الذين عاشوا في المغرب ألف سنة كاملة محميين، واضطروا إلى الهرب؛ لأن الدولة الحديثة – وبطغيان المد الإسلامي – أصبحت مهددة لهم.

ولنفترض أنه ليست هناك طائفية على الإطلاق ولنأخذ مثالا: المغرب التي هي ليست دولة علمانية؛ “لأن الملك فيها هو أمير المؤمنين بمقتضى الدستور”، وليأت شخص مثلي مسيحيا كان أو مسلما، ولي ثلاثة بنات، وليس لي ولد، فلن أستطيع توريثهن؛ لأن الحكم الفقهي السائد – وهو برأيي حكم مغلوط – لا يعطي البنت مثل الذكر، وإذا لم يوجد ذكر فلهن الثلث، والبقية تذهب إلى الأقارب، أفلا يحتاج قانون الميراث الآن بالمغرب إلى علمنة حتى يحقق التساوي في الإرث، وألا تشعر أن قانون الأحوال الشخصية الذي ما يزال يعتبر المرأة نصف شاهد، أي نصف صوت ألا يحتاج هذا إلى تعديل، وإلى علمنة حتى تتحقق مساواة المرأة والرجل.

سأروي لك قصة بسيطة “فأخي مهندس، متزوج من مهندسة يعيشان في سوريا، وسرقت منهما مؤخرا لوحة سيارة، وحتى يجدد لوحة سيارته عليه الإتيان بشهادة من مخفر الشرطة تثبت أن سيارته سرقت، ولظرف ما انشغل أخي، وذهبت زوجته إلى مركز الشرطة مع قريبة لها تعمل طبيبة؛ لأنهما يعلمان أن الشرطة لا تقبل شهادة امرأة واحدة، فقال لهما الشرطي إنه لن يقبل شهادتهما، لأنهما امرأتان، وعليهما أن يحضرا شاهدا آخر، ويفضل أن يكون رجلا أو امرأتين أخريين، فاتصلوا هاتفيا بأخي، فأرسل لهما أجيرا أميا، لا يعرف القراءة والكتابة، مهمته أن يحمل البضائع، وذهب إلى المخفر ليضيف شهادته إلى شهادة المرأتين؛ ولأنه لا يقرأ ولا يكتب اكتفى الرجل بالبصمة… “أفلا تحتاج هذه الحالة إلى العلمنة؟.. أنا بالنسبة لي كافية هذه النقطة فقط حتى تعلمن الدولة، أي الإرث والشهادة هذا فضلا عن قضايا أخرى كعصمة الرجل في الطلاق، وفي قضية الحضانة…الخ

* يعني هذا أنه يُتطلب إعادة تأويل النصوص القرآنية بحد ذاتها برأيك؟

– طبعا طبعا؛ لأني أعتقد أن ما جرى في العالم الإسلامي هو تطبيق السنة وليس القرآن. وسأعطي لك مثالا واحدا: وهو أن القرآن ليس فيه حكم الرجم، فحكم الزنا هو الجلد أو العذاب في الآخرة، والآن في عدد من الدول الإسلامية بما فيها أفغانستان المستعمرة التي يحتلها الأمريكان يطبق فيها حكم السنة على المرأة الزانية وترجم رجما، وكذا الأمر في العديد من البلدان العربية فكيف طُبق حكم لا وجود له في القرآن إذا كانوا هم فعلا يطالبون بتطبيق القرآن، حيث قالوا سنة الرسول نسخت القرآن، وهذا أمر خطير، فكيف لسنة الرسول البشر أن تنسخ حكما إلهيا؟!.

* ولكن ماذا نفعل في الأحكام التي فيها نصوص قطعية؟

– نعيد تأويلها على ضوء حاجاتنا كما أعادوا هم تأويل نصوصهم على ضوء حاجاتهم.

زيف المقدمات الكبرى

* في نقدك لمحمد عابد الجابري حول العلمانية، وقوله “العلمانية هي فصل الكنيسة عن الدولة، والإسلام ليس فيه كنيسة، إذن الإسلام لا يحتاج إلى علمانية” (هرطقات ص 65)، وتتهم الجابري أنه لجأ إلى حيل المنطق وتقول: “إننا نفضل بلا مراء الأصوليين، وعدم لجوئهم إلى حيل المنطق، فهم يجرون استدلالهم على النحو التالي “الإسلام دين ودولة، إذن الإسلام ليس فيه دولة، إذن الإسلام لا يقبل العلمانية”، وتقول: “وواضح أن استدلالهم (الأصوليين) أقوى منطقا من استدلال الجابري؛ لأن استدلالهم يقوم على مقدمة كبرى صحيحة في حين نقطة ضعفه تكمن في مقدمته الصغرى”.. كيف ترد على مقدمة “الأصوليين” الصحيحة؟

– يجب أولا أن نوضح للقارئ أنني عندما قلت إن الجابري عندما قال “إن العلمانية تعني فصل الدولة عن الكنيسة، وليس في الإسلام كنيسة” قلت إنه زيف الإشكالية، فالمقدمة الكبرى تعريفها هي “الكنيسة تعني فصل الدين عن الدولة”، والدليل أنه حتى في البلدان المسيحية البروتستانتية لا وجود لكنيسة، ومع ذلك طبقت العلمانية لأن الفصل ليس بين الكنيسة والدولة وإنما تعريف العلمانية هو “فصل الدين عن الدولة”، فهو يتلاعب في المقدمة الكبرى حتى يأتي بنتيجة مغلوطة.

وأما الإسلاميون فيقولون المقدمة الكبرى الصحيحة أي “العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة”، ولكن في مقدماتهم الصغرى يقولون: “الإسلام دين ودولة، وأنه بالتالي لا فصل بين الدين والدولة”.

أما ردي على هذه النقطة -عدا قصة الجابري وتزيفه للمصطلح- فالمقدمة الصغرى “الإسلام دين ودولة” ردي عليها بسيط جدا وهو: “ليس في القرآن كلمة دولة”، فكيف أعرف القرآن بما ليس فيه، فقد وردت كلمة “دُولة” (بضم الدال) أي بمعنى أن ينتقل الأمر من يد إلى يد، ولم ترد كلمة دولة في الحديث النبوي كله، وعندي مسند أحاديث الكتب التسعة في عشرة آلاف صفحة، فكيف إذن أعرف الإسلام بكونه “دين ودولة”، فهذا التعريف لم يأت به إلا حسن البنا، ولم يأت به من عنده بل جاء به أبو الأعلى المودودي الباكستاني الذي ما كانت تساعده قريحته الغريبة عن العربية على أن يفهم القرآن، فجاء علينا بالبلوى وأدخل علينا إشكالية في النصف الأول من القرن العشرين لم يعرفها القرآن على مدى أربعة عشر قرنا من تاريخه.

* ولكن المقصود هنا بمصطلح دولة هو “السلطة السياسية”، أي الإسلام دين وسلطة سياسية، فالقضية هنا أنه استعمل المصطلح “دولة” لتلخيص معنى معين؟

– لا، الإسلام دين ولا شيء آخر سوى أنه دين، وما حدث في التاريخ بشري وليس ملزما لأحد من البشر، في القرآن لا وجود لدولة ومن أراد أن يكون مسلما حتى بشكل حرفي بدون أي تأويل لا يستطيع أن يعرفه أنه دولة ودين، فالقرآن يقول “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” الآية 3 من سورة المائدة، ومات الرسول وليست هناك دولة، ولم يكن هناك وزير، ولم يكن هناك ملك، ولا كان هناك نواب، والدولة وجدت فيما بعد، ووجدت على حساب الدين، ولم توجد بالتوافق مع الدين، والدليل كما قلت للتو إن أكبر مجزرة حدثت في تاريخ الأديان هي التي استهدفت أهل الرسول في ظل الدولة، وليس في ظل الدين بدءا من إكراه علي على المبايعة، وضرب فاطمة وإجهاضها، وأصيبت فيما بعد بحمى النفاس بعد ستة أشهر من وفاة أبيها الرسول، وصولا إلى قتل الحسين، وقتل الطالبيين سلالة النبي بالمئات، واضطهادهم على مدى التاريخ طبعا لن آتي على رد الفعل المعاكس الذي أدى إلى الانتقام بعد أن استولى الطالبيون على هذا الحكم أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك في أيام الديلم، أو كما حدث في إيران الصفوية.. إذن أين هو الدين؟ أتتصور أن الدولة الأموية كانت تقوم على أساس دين؟ يزيد الذي رمى القرآن بسهمه وقال “إذا سئلت فقل رماني يزيد”، فقد علق القرآن في حديقة قصره ورماه بالسهم.. فهل هذه دولة الدين في الإسلام؟ فهذه دولة وليست سوى دولة، وأما الدين فيجري توظيفه لشرعنة هذه الدولة، ولشرعنة الفئة الطاغية التي سيطرت على هذه الدولة، فالخلفاء كان همهم اللهو والرقص والخمر والنساء والجواري حتى بلغ عدد الجواري في بعض القصور تسعة آلاف جارية، فأين كل هذا من الدين حتى نقول الإسلام دين ودولة؟ فما حدث في التاريخ ليس ملزما لأحد؛ لأن التاريخ من صنع البشر، وحتى إن قامت الدولة في التاريخ الإسلامي على الخلط بين الدين والدولة، فهذا تاريخ والتاريخ بشري، وما يصنعه البشر ليس ملزما لأحد من البشر.

* ولكن ما هي قراءتك لفترة النبوة التي اختلط فيها الجانب الديني بالجانب السياسي إلى حد كبير؟

– من الصعب القول: إن في فترة النبوة اختلط الجانبان معا، حيث بدأت تتكون بذرة دولة في الإسلام، ولا أشك في ذلك، وكما قلت الرسول بشر، وأنا إنسان، أقول إن الدين قام على القرآن، وأما الرسول إذا كان قتل فلانا، وفعل كذا أو كذا، فهذا الرسول لا يفعل ما يفعل لا بصفته موحى إليه من الله، ولكن يصنعه بصفته إنسانا يقرر، وقد يخطئ في القول، وهذا باعتراف القرآن نفسه، وعلى عظيم مكانته في تاريخ النبوة؛ لأنه لولا الرسول لما وجدت النبوة باعتبار أن الله اختاره فهو نبي الله، ولكن من حيث أنه يؤدي رسالة الله يأتي الجانب الرسالي في شخصيته.

وأما حينما يتصرف كبشر فهو بشر، ولذلك وجدت في مسند الأحاديث حديث “إنما أنا بشر” يتردد أكثر من 85 مرة، ومنها مثلا حديث مسلم في صحيحه “إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته أو جلدته فأجعلها له زكاة ورحمة”، وفي مسند أحمد “إنما أنا بشر أغضب مثلما يغضب البشر، وأيما رجل آذيته أو جلدته فأجعلها له صلاته وزكاته”، وكذا في صحيح مسلم أيضا “إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون”، “ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون” الآية 79 من سورة آل عمران.. من هذا المنطلق بالذات فإن الدور البشري للرسول يمكننا من قراءة صحيحة لتاريخ النبوة.

* ماذا يعني عدم تطبيق العلمانية برأيك في العالمين العربي والإسلامي؟

– يجب ألا نقول: إن العلمانية ليست ثمرة برسم القطف، بل هي بذرة برسم الزرع، ونحن في عالمنا العربي والإسلامي نحتاج إلى عملية تربية شاملة للعلمانية تنطلق من المدرسة الابتدائية، ووصولا إلى إقرارها في الدساتير، وحتى لا تكون العلمنة عملية فوقية كما حدث في تركيا، في حين يقع أسلمة المجتمع من قبل الإسلام السياسي، فإن عملية العلمنة يجب أن تكون شاملة، وهذا دون أن تكون معادية للتدين الذي يبقى أمرا شخصيا، فضلا على أن عملية العلمنة ستتيح للإسلام الفرصة حتى ينعتق من طوق التسييس والأدلجة الذي يكبله به دعاة الإسلام السياسي، وبالتالي تعاد له روحانيته التي انتزعت منه بسبب عملية التسييس.

ولا يعني هذا أن العلمانية بالنسبة إلينا هي أيديولوجيا، ونحن نقول إن العلمانية هي البذرة التي من الممكن أن تقينا شرور الاقتتال الطائفي، كما يجري في العراق اليوم وباكستان وتركيا أيضا التي تحتوي على طائفة علوية

كبيرة مرشحة للاقتتال في أي لحظة، ولا نماري في القول بأن العلمانية -كما قلت في دراستي “العلمانية كجهادية دنيوية”- هي الخيار الوحيد للإنقاذ في عالم أقلعت جميع قاراته وأشباه قاراته، والعالم العربي إن لم يتقدم فهو مهدد بالانكفاء نحو قرون وسطى جديدة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك