كيف تم تشويه المعارضة على مدار التاريخ الإسلامي ؟

كيف تم تشويه المعارضة على مدار التاريخ الإسلامي ؟ – د. محمد عجلان

كثيرة هي الأحاديث التي وردت – وفقا لتأويلات الكثيرين – فى ذم طالب السلطة وعدم توليته، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمُرة في حديث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم: “يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها. وقال الرسول لأبي ذر الغفاري بعدما سأله الإمارة: “يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”.. وفي حديث آخر يتحدث النبي عن الإمارة الصغرى: “ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور”.

لكن السؤال المطروح الآن وقبل كل شيء ليس نص الأحاديث، أو صحتها من عدمها، ولكن لمصلحة من تؤول تلك الأحاديث باعتبارها فى ذم طالب السلطة أو الساعي إليها؟ وباستقراء تاريخنا السياسي نجد أن الحكام لم يكونوا بمعزل عن الخطاب الديني بشكل خاص والثقافي بشكل عام، وأن الترويج لقراءة بعينها كانت يد السلطة دائما تدفعها من الخلف، وبالمقابل تضع العراقيل فى سبيل قراءات أخرى لا تناسبها. نجد من خلال التأمل فى “ذم طالب السلطة” والنظر إلى السلطة على أنها غُرم فى الدنيا وندم فى الآخرة، نجد أنها جزء من خطاب محافظ تروج له السلطة القائمة، أو على الأقل تمنحه مساحة تحرك لا تمنحها لغيره من الخطابات الموازية، على اعتبار أن الترويج لهذه القراءة يحقق مكسبا واضحا لأي سلطة قائمة، لأنها تغلق الطريق أمام راغبي التغيير، وتصويرهم للمجتمع على أنهم طُلاب سلطة، وبالتالي فهم معارضون لتوجيهات الدين الداعية لعدم طلب السلطة.

إلا أن هذا القراءة للنص النبوي هي قراءة منقوصة، خاصة أنه ورد فى الأحاديث ما يؤكد على أن طالب السلطة يُرفض طلبه، إذا كان غير مؤهل لتولي السلطة، وأول ما ورد فى رد الرسول على أبي ذر هو قوله “إنك ضعيف” والضعف هنا هو عدم الكفاية أو الكفاءة، رغم ما يتمتع به الصحابي الجليل من تقوى لا تخفى على أحد. ونجد أن الرسول استمر فى تأكيده قائلا: “…. إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”. فأخذها بحقها هو ما نتحدث عنه بمفرداتنا الحديثة بكلمة “الكفاءة” أو “الأهلية”، فلا ضير من طلب السلطة إذا كانت لديك المؤهلات لذلك، خاصة أننا حديثا لدينا آليات للحكم على الكفاءة، وليست المسألة كما كانت عليه زمن الرسول، فقد أصبحت السلطة تُطلب من الشعب لا من حاكم أو نبي، فأصبحت الكلمة كلمة شعب يرتكن فى حكمه على آراء متخصصين فى صحة ما يقوله طالب السلطة من عدمه.

ومن هنا نرى أن القراءة الخاصة بذم طالب السلطة هي قراءة لا تخرج عن أحد احتمالين، الأول هو كونها قراءة زهاد أتقياء لا يرغبون فى الدنيا، وبالتالي يفكرون فى السلطة بنفس المنطق، لأن عينهم ترقب الآخرة ولا تشغلها الدنيا، وهذه القراءة إن حسنت نوايا أصحابها لكنها لا تصلح كي تكون معيارا لممارسي الحياة. أم الاحتمال الثاني، هو أن هذه القراءة التي تجتزئ النص النبوي وتخرجه من سياقه العام، هي قراءة تستهدف خدمة السلطة وتشويه صورة معارضي الحكم والساعين نحو التغيير سواء بالقول أو الفعل. فتعمل على مناهضتهم عبر هذه القراءة لتنهي معركتها مع خصومها قبل أن تبدأ. وبالقطع فإن السلطة لا تنتج خطابها عبر السياسي وحده، لكنها إما أن توظف رجال دين لإنتاج خطاب يناسبها، أو تقوم بتوظيف قراءات أهل التقوى من أجل الترويج لخطابها فى مقابل غيره من خطابات التغيير، أو ربما تجمع بين الطرحين معا، بإنتاجها الخاص للديني عبر رجالاتها، داعمةً تحركها فى الوقت نفسه بقراءة الأتقياء من ذوي الخطاب الزهدي.

لا تنفي هذا القراءة السلطوية أو الزهدوية وجود قراءات أخرى ترى النص النبوي فى تمامه، وتؤكد على ما طرحناه من أن المعيار هو الكفاءة،وأن طلب السلطة ليس عيبا فى ذاته، فقد طلبها نبي الله يوسف حين قال: “اجعلني على خزائن الأرض”، مؤكدا على أهليته لتولي هذه المهمة، فقال:” إني حفيظ عليم”، ولم يطعن ذلك فى نبي الله يوسف، ولم يرد فى سياق القرآن أن طلبه للسلطة مذمة أو عيب، مما يؤكد على أن الكفاءة هي المعيار، خاصة أن يوسف لم يطلب هذه السلطة من منطلق كونه نبي الله الذي أيده الله بنصره بعد طول سجن، لكنه طلب مؤكدا طلبه بالكفاءة. وهناك من أكد على هذه الرؤية، لكنه كما سبق وذكرنا أن السلطة تروج لقراءات داعمة لبقائها، بينما تهمش القراءات الأخرى إما بالطعن فى أصحابها، أو بتضييق الخناق عليهم كي لا تنتشر وتهدد سلطة الحكم.

وانطلاقا مما سبق، يجب أن نؤكد على أن إقحام الديني فى السياسي يمنح السلطة مساحة كبيرة للتلاعب بالقراءات المتعددة، خاصة فى ظل وجود وسائل الإعلام الحديثة، التي تسهل على السلطة مهمتها، فتنقل خطابها على أوسع نطاق وتقصى القراءات المناوئة، وبذلك تحكم قبضتها على عقول الجماهير، فتدفعهم إلى تبني وجهة نظرها فى الوقت الذي يظنون أنهم يختارون ما يرون أنه صحيح، فعملية الفصل بين الديني والسياسي سوف تغلق على السلطة بابا مهما فى تلاعبها بعقول الشعوب، وبالتالي أرى أنه من الصواب ألا نقحم الدين فى السياسة حتى لا نجد أنفسنا فى مواجهة مع سلطة تسيء استخدام هذا الخطاب أو ذاك ضد شعبها.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك