هل تعرف ما هو جوهر السياسة ؟

هل تعرف ما هو جوهر السياسة ؟ – د. أمين السعدني

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وهو يميل بالفطرة إلى العيش فى جماعةCommunity  لأن الحياة الاجتماعية حتم من حتميات الطبع  الإنسانى، وفيها يستطيع الإنسان أن يحقق كماله من خلال تعاونه مع الآخرين. وبناء على ذلك، فالإنسان سياسى بطبعه، بمعنى أنه لا يستطيع أن يعيش إلا فى مجتمع منقسم إلى حاكمين ومحكومين، ولقد نبه أرسطو منذ القدم إلى أن الإنسان حيوان سياسى، ثم أخذت فكرته هذه تتردد بين الفلاسفة على مر العصور إلى أن ثبت للنظريين المعاصرين – بالعلم التجريبى – أن السياسة جوهر فى الإنسان بالفعل، وأن عالم السياسة بشتى ظواهره ومظاهره إن هو إلا تعبير عن هذا الجوهر المتأصل فى طبع الإنسان. ولكن ما هو جوهر السياسة فى الإنسان؟

انتهى علماء السياسة التجريبيون المعاصرون، إلى أن جوهر السياسة فى الإنسان يتمثل فيما اصطلح على تسميته “بعلاقة الأمر والطاعة” فى الداخل، و”علاقة الصديق والعدو” فى الخارج، وعليه فإن جوهر السياسة فى الإنسان يؤدى به إلى عالم قوامه “علاقات تميز” فى مجالين: تميز بين الآمر والمطيع داخل المجتمع السياسى، وتميز بين المجتمعات السياسية فيما بينها.

ولما كانت صور التميز هذه ترجع إلى الطبع السياسى فى الإنسان، فقد اصطلح على تسميتها بصورة “التميز السياسى”Political Differentiation تمييزا لها عن صور التميز الاجتماعى الأخرى، كالتميز بالتملك أو التميز الطبقى وخلافه. وهذه الصور للتميز السياسى سواء داخل المجتمعات نفسها أو فيما بينها هى مقومات الطبع السياسى فى الإنسان التى تشكل جوهر السياسة فيه، ذلك الجوهر الذى تنبعث منه كل الظواهر السياسية بخواصها التى تميزها عما عداها من الظواهر الاجتماعية الأخرى. فحيثما يتصرف الإنسان (سياسيا) فإنه يعمل بدافع من جوهر السياسة فيه، وكل عمل يأتى استجابة لهذا الجوهر هو عمل سياسى.

وإذا ما تناولنا المفهوم الأول لجوهر السياسة فى الإنسان، أى الصورة الأولى للتميز السياسى داخل المجتمع وهى علاقة الأمر والطاعة، نجد أنها تعنى وجود شيء من الرغبة داخل كل إنسان للسيطرة على الآخرين، وفى نفس الوقت شيء من الاستعداد للطاعة، أى تميز سياسى داخل كل المجتمعات البشرية بين آمر ومطيع، وليس من إنسان يستطيع أن ينفلت من الانتماء إلى فئة من هاتين الفئتين، فهو إما أن ينتمى إلى طائفة الذين يأمرون، وإما أن ينتمى إلى طائفة المطيعين، أى إما أن يكون حاكما وإما أن يكون محكوما، فلا يستطيع أن يجد فكاكا من عالم السياسة إلى عالم الفراغ السياسى، ذلك أن الطبع السياسى فى الإنسان يلزمه بأن يعيش فى ذلك العالم إما كحاكم وإما كمحكوم. وعلاقة الأمر والطاعة هذه، هى أصل العلاقات السياسية جميعها، فعليها يقوم المجتمع السياسى بكل مظاهره المعبرة عن جوهر السياسة فى الإنسان.

أما المقوم الثانى لجوهر السياسة فى الإنسان، أى ظاهرة التميز السياسى الثانية وهى علاقة الصديق والعدو، فهى على مستوى الجماعة البشرية الكبرى، إذ تظهر فى المجال العالمى بمضمون قوامه علاقات تميز بين الوحدات أو المجتمعات السياسية، على أساس أن الإطار الجغرافى لكل مجتمع سياسى يمثل بالنسبة لأصحابه دار السلام، وأن ما وراءه دار حرب، ومن ثم فإن الأصل فى الأجنبى أنه عدو ما لم تثبت صداقته بمقتضى المصلحة الوطنية، ولذلك تعتبر العلاقات الدولية -بصرف النظر عن طبيعة مضامينها– علاقات سياسية، الأصل فيها العداء ولا يعد السلام من  طبيعتها.

وهكذا، فإن جوهر السياسة فى الإنسان يجعل منه كائنا سياسيا معدا بطبعه للحياة فى جماعة، يتحقق لها الانسجام والاستمرار بعامل علاقة الأمر والطاعة فى الداخل، وبعامل علاقة الصديق والعدو فى الخارج، ومن ثم فى جماعة “مسيسة” بطبيعتها، أى فى مجتمع سياسى.

غير أنه يتعين علينا أن نميز بين جوهر السياسة فى الإنسان كما سبق بيانه، وبين النشاط السياسى أو السياسة من حيث هى نشاط يزاوله الإنسان فى المجتمع. فجوهر السياسة يعنى مجموعة الحقائق الثابتة الخالدة الكامنة فى شتى المجتمعات، والتى تجعل منها مجتمعات سياسية ينقسم فيها الناس إلى حكام ومحكومين، وبين هذه المجتمعات وبعضها علاقات تبدأ من افتراض العداء، ما لم تقتضى المصلحة الوطنية المهادنة، ولذلك فإن جوهر السياسة ثابت فى الإنسان لا يتغير، وطبع فيه لا يختفى إلا باختفاء الإنسان نفسه؛ لأن صور التميز السياسى – بنوعيها – الناشئة عن جوهر السياسة فى الإنسان، لا يتصور البتة إلا أن تظل خالدة تبعا لخلود جوهرها فى الإنسان. أما عالم السياسة أو النشاط السياسى وما يرتبط به من أفكار وأيديولوجيات، وما يؤدى إليه من نظم حكم مختلفة فى الداخل، وعلاقات تنظيمية متنوعة فى الخارج، فهو لا يتسم بطابع الخلود، وإنما هو متغير بتغير ظروف الأزمنة والأمكنة. فالنشاط السياسى يقع فى مجال الفن، ومن ثم الاختيار بين أساليب العمل المختلفة التى تحكمها مذهبيات متنوعة، ومن هنا كان اتسامه بعدم الثبات فى مواجهة خلود جوهر السياسة.

وتكمن حقيقة المجتمع السياسى فى جوهر السياسة فى الإنسان، خاصة علاقة الأمر والطاعة، وهو ما دعا البعض إلى القول بأن أى أصل للمجتمع السياسى غير هذه العلاقة غير حقيقى ويجافى النظرة العلمية، كالقول بأن أصله الأسرة أو السلطة الأبوية، أو العقد السياسى أو غير ذلك من النظريات المفسرة لنشأة السلطة السياسية وبالتالى المجتمع السياسى، فالإنسان سياسى بطبعه، وما ظاهرة التميز السياسى إلا أثر حتمى لجوهر السياسة الكامن فيه. ومن هنا يمكن القول بأن السلطة السياسية واقع من معطيات الطبيعة البشرية، لازمت الجماعات الإنسانية منذ أن وجدت على الأرض، وإذا كان التغير – ولا يزال – يلاحق هيكلها، فما ذلك إلا فى شكلها دون جوهرها. إن كنه السلطة هو بعينه لدى الجماعات البدائية ولدى الجماعات السياسية المتقدمة على السواء، وما الاختلاف إلا فى درجات التنظيم، إنه اختلاف فى الكم والكيف، ولكنه لا يمس أبدا الجوهر. فغموض التنظيم لدى الجماعات البدائية، والذى أوحى لكثير من الباحثين أنها لم تكن مجتمعات سياسية، لا يعنى بحال خلوها من آثار علاقة الأمر والطاعة، وإنما المسألة تتصل بعامل الزمن المهيئ لتقدم العقل الإنسانى، وبتجربته التى تهيئ له القدرة الفعلية على مباشرة عمل التنظيم، وفى هذا يقبع التفسير العلمى لاستمرار التغير فى النظم السياسية منذ فجر التاريخ حتى عصورنا الحالية.

فالجماعات البدائية كانت (ولا يزال الباقى منها) تتمتع بحبك وتماسك يجاوز مجرد الانسجام المطلوب لتحقيق المجتمع المستقر، إلى درجة من الاندماج لا يدرك معها الفرد ذاتيته فى مواجهة الكل. إن جماعات محبوكة على هذه الصورة لا يمكن ولا يتصور بحال خلوها من آثار علاقة الأمر والطاعة، ومن ثم لم تكن خالية من السلطة الآمرة، وإلا لما تحقق لها ذلك التماسك، وكل ما هنالك أن السلطة فيها كانت تبدو وكأنها سلطة جماعية أو سلطة مشاعية، أى سلطة الكل الضاغطة والتى لا سبيل للفرد إلى الخلاص منها إلا أن ينبذ من كل الجماعة، على صورة تعنى له ما نسميه اليوم بالموت المدنى.

وهكذا فإن ظاهرة التميز السياسى، أى انقسام المجتمع إلى حكام ومحكومين والناتجة عن علاقة الأمر والطاعة، أى جوهر السياسة فى الإنسان، أمر ثابت فى شتى المجتمعات السياسية وفى مختلف المراحل التاريخية، وذلك ما يطلق عليه اسم “الضبط السياسى”Political Order بمعنى التميز بين الآمرين والمطيعين، المرتكز إلى الاحتكار الفعلى لأدوات العنف لحساب الآمر احتكارا كافيا بذاته لتحقيق الانضباط الذى يقتضيه السلام الاجتماعي فى الداخل، وأمن الجماعة إزاء العالم الخارجي. وهذا الضبط السياسى ظاهرة سياسية ثابتة فى كل المجتمعات والعصور، وإن كل ما يتراكم عليه من قيم تنظيمية متباينة زمانا ومكانا ليس أكثر من هياكل خارجية متغيرة أو واجهات جمالية لذلك الضبط، فالذى يتغير هو التنظيم (عدد الحاكمين، وطرق تعيينهم، وكيفية ممارستهم للسلطة، ومدة السلطة … الخ) وليس من شك فى أن لتباين الحضارات والثقافات دورها فى تباين هذه الهياكل التنظيمية، أما جوهر الضبط السياسى فهو فى مجتمعاتنا المعاصرة من نفس طبيعة الضبـط السياسى فى مجتمع القبيلة، وكل ما تغير هو فى الملامح التنظيمية ودرجات التركيب العضوى والوظيفى للهيئة القائمة على سلطة الأمر بعامل التقدم الحضارى والثقافى. وهو ما يعنى أن جوهر السياسة طبع أزلى فى الإنسان، خالد بخلوده، ومن ثم فإن المجتمع السياسي ليس من إبداع الإنسان، وإنما هو أثر تلقائي لجوهر السياسة فيه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك