مجموعة قصص قصيرة جداً من أجمل ما كتب محمد المخزنجي

مجموعة قصص قصيرة جداً من أجمل ما كتب محمد المخزنجي – إعداد: أميرة السمني

مشاهد من حياتنا اليومية، قد نراها فلا ننتبه لها، ويراها المخزنجي بعين أديب مرهف الحس فيصوغ منها أروع القصص القصيرة بلغة عذبة وأسلوب رقيق لتلامس قلوبنا وأرواحنا. قال عنه يوسف إدريس “يمكننا أن نكوّن من قصصه باقة من أجمل القصص العالمية”. من بين مجموعات قصصية عديدة كتبها المخزنجي، ننتقى لكم باقة من أجمل القصص التي كتبها.

العاصفة الترابية

أربدت الدنيا. شعرت بتبدلها إلى البرد، ثم سمعت الريح تصفر فى النوافذ، وأغصان الشجر، وتراب الشوارع.
لحظة، وبدا أن كل شئ يختنق: عتمة صفراء شاملة، غلفت كل شيء: الشمس والأفق، والشوارع، والناس، والبيوت.
إنها العاصفة الترابية. قالوا، وقالوا: “لا يذهب بها إلا المطر”، فأغلقت النافذة، ومن وراء الزجاج رحت أنتظر هطوله.
الدنيا تمطر.
قلت: هذا فأل حسن. فتحت النافذة وبسطت كفى للقطرات، كشأن فرحى القديم بالمطر، فرُوعت: إنها تمطر طينا؟!
وأنا مشغول بفزع الماء الأسود فى كفى، فاتنى أنها: حول الشمس، فى الأفق، فى فضاء الشوارع، وأمام واجهات البيوت، تصفو بطيئا بطيئا، لكنها باليقين.. إلى الشروق.

حضن

عندما يطبق حزن أيامنا هذه على عنقى بيديه السوداوين ، أنفلت منه وأفر إلى فرحي الأخير: بنتي.
أحملها بين ذراعى، وأقذفها عاليًا فى الهواء تزقزق، زقزقة العصافير، وألقفها تهدل فى حضني، هديل الحمام. وأضمها فيتلاشى العالم من حولنا.
لكنها تصرخ فجأة. تصرخ صرخة ألم حادة وتبكي، فأرتعب مندهشا: ماذا يا حبى .. ماذا؟ وتجيب أمها مقتربة تضحك: قرصتها. أنا؟ كيف؟! فتشرح لى كيف أني- لا بد- فى لهوجة اللقف ولهفة الأحضان، ثنيت جلد الصغيرة الرقيق فوق أضلعها، وضغطت وأنا أضم فكانت القرصة!
تبتعد يمامة روحي عني ، وتذهب بخطوها الصغير الجميل لتخبئ وجهها فى الحائط، (زعلانة).
إنني لم أقصد يا حبي، والله لم أقصد.
ولو فهذا لم يمنع عنها ألما، وليس يعفيني من الذهاب إليها والركوع.
أركع، وأصالحها.

الجزء والكل

جنرال فى ملابس رسمية .. ومجنون ؟! تساءلت فى نفسى عجبًا عندما التقيت به صدفة فى شارع الضاحية الهادئة الكبير. كان مقبلاً وأنا أمضى ، ولم يكن منتبهًا إلى إذ تحاذينا على الرصيف ، ورأيته يلعّب ملامحه بشكل بهلواني ويفتح ذراعيه ليحتضن الهواء. ثم إنه راح يمشي مقرفصًا مقلدًا مشية البطة حتى صار وراء ظهري. وأمسكت عن الالتفات فورًا، حذر إهاجته.
بعد خطوات كثيرة عمدت إلى الالتفات عندما أحسست أنني فى مأمن، ورأيته في الوراء.. هناك. كان مقرفصًا أكثر وفاتحًا ذراعيه على اتساعهما ليضم طفلاً صغيرًا يجرى في تهلل. يتدحرج في خطو الصغار الجميل الصعب. لابد إنه كان حفيده.
وشعرت أنا بالتأثر، والخجل.

أطياف

في صباي، عندما تأكدت ملامح مشيتي، قالوا لي إن مشيتي تشبه مشية أبي، فهو يميل بصدره قليلاً إلى الأمام، كأن صدره يقود حركته كلها.
وفي شبابي، صرت أحاول – في مشيتي – أن أمنع صدري من الانكباب مزيدًا إلى الأمام، لأن ذلك كان يقارب انحناءة الشيخوخة لدى أبي.
الآن، أدرك أنني أمشي محنيًا باطراد، ولا أحاول مقاومة ذلك، لأنني أوغل في عمر الحكمة، وأسلم بأنني لست إلا أبي، مثلما كان أبي هو جدي.
ما نحن إلا الشخص نفسه، الطيف الذي يتجلى ثم يشف ثم يتلاشى، ثم يعود إلى التجلي من جديد.
هذا أمر محزن إن فكرنا فيه بأنانية. أما التسامح، فإنه يمنحنا نافذة واسعة بلا حدود، لنطل على جمال لا حدود له.

جريدة الصباح

وأنا أعبر الطريق إلى الرصيف الآخر حيث الكشك، تذكرت الرجل الأسمر النحيف بائع الجرائد، وكيف كانت ميتته صامتة ومنكسرة، وقلت فى نفسي: لا بد أن الشاب الواقف بمكانه أمام الكشك هو ابنه، وقد كنت أراه يرتدى سترة الرجل الرمادية الكالحة نفسها، والرأس مدسوس فى الكاب القديم ذاته.
ضايقني أن أمد يدي بالنقود طويلا ويتجاهلني الولد، وتذكرت الرجل وكيف كان وجهه الطيب يبش لى، ويحتفي، ويعطيني ما أطلب- أنا زبونه القديم- قبل الجميع، ورحت أزفر محتجًا متعجلًا الولد، مكررًا عليه بضيق: “يالله يا ابنى، يالله يا ابني” ، واستغربت أنه يمسك الجريدة التى أطلبها، ويده قريبة من يدي التى تمتد بالنقود، ومع ذلك يتردد، ولا يعطيني.
وكمن يتذكر شيئًا ذا أهمية ومعنى مر به للتو دون انتباه، رفعت وجهى ملسوعًا فاستبنت الملامح في سمرة الوجه أمامي، وعرفت أنني لم أكن مصغيًا لصوت الهمس المتوسل الكسير الذي ظل يلح على سمعي كلما تعجلت: “أنا بنت يا أستاذ. أنا بنت. أنا بنت “.

تمارين المودة

وكأنه يصحو على نهار مريع، اكتشف أنه يحيا في دنيا بلا قلب، واكتشف أن كل ما يحيط بـه من ترف وراحة ليس إلا مشروعًا لنجاة لحظية وغرق آت. غرق الروح في بحيرة من الموات الأنيق والملون والبراق. وأنه لو ترك نفسه لاندياح هذه الموجات الفاترة في تلك البحيرة فإنه سرعان ما يتحول إلى كتلة لحم خاوية، تجد أقصى لذتها في اللحظات العابرة على الموائد أو ما يشبه الموائد. حتى تلك اللحظات التي تبدو جمالية، ويطالعها عبر جهاز الفيديو الذي لا يكف عن الوميض والطنين، ما هي إلا عنصر مكمل للحظات الموائد أو ما يشبه الموائد. فهي بكل ما يحيط بها من ملابسات، تتحول من دائرة معالجة الجـمال إلى إطار تأكيد الغرق.
قالت روحه: “إني أغرق”، وكانت تتعلق بـأذيال أغنية قديمة، وفوجىء بانبثاق أغنية قديمة أخرى في ذاكرته: “المودة هي ما نحتاجه – الآن – يا صديق”. وكاد يهتف مع أصداء تلك الأغنية الأوربية التي تحولت إلى شجو عربي خالص في روحه. لكنه مكث يتساءل: وأين المودة في ذلك التيه من الرمل الملون والبريق؟! وانطوى نهاره على ترجيع لا ينتهي لصرخة السؤال.
في أول الليل، في ذلك البرزخ المشحون بالوجد -بين اليقظة والنوم- تذكر مقولة لا يدري إن كان أنشأها أم أنشأها غيره ليرددها هو باقتناع: “ما تحمله الذاكرة حي، أكثر مما يجري في الحياة ذاتها، لأنه مقيم وليس بعـابر”. وراح يلوذ بحنايا الذاكرة. تذكر كثيرين من أهله، وأصحابه. تـذكر الحاضرين هناك والغائبين. وكانوا يهلون عليه من عمق الظلال فيرتعش قلبه لحنان طلعتهم. لقد كان محبًا وكان محبوبًا من كل هؤلاء. وغمره فرح صاف، فـأخذ يستعيد الذاكرة، ويمعن في تلمس التفاصيل.
غفا بارتياح لم يعرفه من قبل، وفي النهار صحا مبتهجا في غمرة النور، ما أطيب النور- قال مرتاحا- ثم قال: إنه في الليل سيواصل التذكر. سيواصل النداء. لكن – وانتابته برهة من حيرة – هل يقف النداء عند حدود النداء؟ ألن يفضي النداء إلى طلب التلاقي؟

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك