هل تعرف ما هي الديمقراطية وما هي أنواعها على مدار التاريخ ؟ .. هذا المقال يشرح لك ببساطة

هل تعرف ما هي الديمقراطية وما هي أنواعها على مدار التاريخ ؟ .. هذا المقال يشرح لك ببساطة – د. محمد عجلان

      الديمقراطية Democracy هى كلمة يونانية الأصل ، مكونة من مقطعين  هما Demos بمعنى الشعب وKratos  بمعنى السلطة أو الحكم ، وبذلك يصبح معنى الكلمة هو حكم الشعب أو سلطة الشعب ، وذلك هو التعريف الكلاسيكى للديمقراطية باعتبارها حكم الكثرة كمقابل لحكم الفرد أو القلة. إلا أن هذا المعنى الاشتقاقى لتلك الكلمة لم يطبق بشكل كامل على مدار التاريخ البشرى ، حتى أن دولة المدينة City-State اليونانية ، التى عبرت أفضل تعبير عن ذلك المعنى ، لم تتمثله بشكل كامل فلم يحكم كل الشعب فى دولة المدينة ، بل طبقة المواطنين من الأحرار ، وحُرم من الحكم العبيد والنساء والأجانب . وفى التأكيد على ذلك المعنى يقول روسو : ” إذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد أبداً ولن توجد أبداً . فمما يخالف النظام الطبيعى أن نتصور أن يحكم العدد الكبير وأن يكون العدد الصغير هو المحكوم ، ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مُجتَمِعاً على الدوام للنظر فى الشئون العامة ، ونستطيع أن نرى بسهولة أنه لا يمكن إقامة لجان من أجل ذلك دون تغيير فى شكل الإدارة ([2]) .

ولقد ظهرت الديمقراطية الحديثة وطُبقت فى الدول الأوربية الغربية ؛ ولذا عُرفت بالديمقراطية التقليدية أو الغربية ، وتميزت هذه الديمقراطية التقليدية بعدة خصائص أهمها :

1- أنها مذهب سياسى .

2- أنها فردية .

3- أنها تقرر مبدأ المساواة أمام القانون .

4- أنها تهدف إلى حماية حقوق وحريات الأفراد

فالديمقراطية التقليدية مذهب سياسى ؛ لأنها لا تسعى إلا لتحقيق ممارسة الشعب للسلطة ، ولا تتعدى ذلك إلى محاولة إنجاز أهداف اقتصادية أو اجتماعية لرفع مستوى معيشته ، أو تحقيق قدر معين من الضمانات للطبقات الكادحة . ولذلك فهى مذهب سياسى محض وليست مذهباً اقتصادياً أو اجتماعياً .

وهى فردية لاستنادها إلى المذهب الليبرالى الذى يقدس الفرد ، ويسعى إلى حماية حقوقه وحرياته ، وتحقيق سعادته . كما أنها تعمل على مساهمة الأفراد فى الحكم بصفتهم مواطنين ، دون النظر إلى أى اعتبار آخر يتعلق بمراكزهم أو بانتمائهم إلى طبقة اجتماعية معينة ([3]) .

وهى تحقق مبدأ المساواة أمام القانون ، بحيث تهدف إلى إشراك جميع المواطنين فى شئون الحكم على قدم المساواة ، دون تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الانتساب إلى مركز اجتماعى معين .

وهى تهدف إلى حماية حقوق وحريات الأفراد ( وخصوصاً السياسية ) بأنها تضع حداً لتدخل الدولة فى ممارسة الأفراد لهذه الحقوق والحريات ، بحيث تقوم الدولة بتنظيمها دون المساس بمضمونها . وتقرر هذه الديمقراطية ضمانات معينة دستورية وقانونية لحماية هذه الحقوق والدفاع عن تلك الحريات ضد أى تعسف أو انتهاك من جانب الحكام ([4]) .

وتنقسم الديمقراطية إلى أشكال ثلاثة هى :

1- الديمقراطية المباشرة Direct Democracy :

وهى التى يزاول فيها الشعب مقتضيات السيادة بنفسه ، مثلما كان يحدث فى المدن الإغريقية والرومانية القديمة ([5]) ، وهى النموذج المثالى للحكم الديمقراطى الصحيح ، على أنها تحقق ممارسة الشعب لسلطته ومباشرته لسيادته بطريق مباشر بلا نيابة أو وكالة ([6]) . ولقد دافع روسو عن هذا الشكل فى مؤلَّفه عن العقد الاجتماعى ، فلقد رأى فيها الصورة الحقيقية والترجمة الصحيحة لمبدأ السيادة الشعبية المطلقة ، حيث أن الإرادة العامة لا تقبل الإنابة أو التمثيل ، ومن ثم هاجم روسو النظام النيابى هجوماً شديداً ؛ لأنه يصيب الروح الوطنية لدى الشعب بالضعف والوهن . ويرى أن نواب الشعب لا يمكن أن يكونوا ممثلين له، بل هم وكلاء ينفذون  إرادته ، وليس لهم أن يفصلوا فى شئ بصفة نهائية ، فكل قانون لم يوافق عليه الشعب لا يمكن أن نُطلق عليه صفة القانون ([7]) .

إلا أن ذلك النوع من الديمقراطية لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت الدولة ذات مساحة صغيرة وسكان قليلين ، بحيث يمكن أن يجتمعوا جميعاً لمناقشة قوانين الدولة وإصدارها ([8]) ، ولا يتوافر ذلك فى ظل الدول الكبرى ، الشاسعة المساحة والمكتظة بالسكان ، كما أن أعمال الدولة فى الوقت الحاضر قد أصبحت من الكثرة والتعقيد بحيث يلزم لمباشرتها فنيون وخبراء دُربوا على هذا النوع من العمل . أما أفراد الشعب فمعظمهم لا تتوافر لديه هذه الدراية ([9]) . فالديمقراطية المباشرة لم تعد تصلح للمجتمعات الحديثة ، ليس فقط لصعوبتها من الناحية العملية مع زيادة السكان وتعقد القضايا الاجتماعية والاقتصادية ، بل إن الديمقراطية المباشرة تتعارض مع المبادئ الليبرالية نفسها ، إذ تؤدى إلى غلبة الغوغائية والعواطف على الجماهير ، بما قد يؤدى إلى الاعتداء على الحريات الأساسية لبعض الأفراد أو الأقليات . ولذلك فإن الخروج عن الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية المباشرة فى اتخاذ القرارات إلى أنواع من الديمقراطية التمثيلية أو النيابية وحكم المؤسسات ، ليس مجرد وسيلة للتغلب على الصعوبات العملية للديمقراطية المباشرة ، بل إنه يمثل ركناً أساسياً فى الديمقراطيات الليبرالية ([10]) .

2- الديمقراطية النيابية Representative Democracy :

وتقوم على أساس أن الشعب ينتخب نواباً يمارسون السلطة باسمه ونيابة عنه ، وذلك من خلال مدة معينة يحددها الدستور . ويستند الحكم النيابى إلى عدة مبادئ ـ فمن الضرورى أولاً أن يُوجد برلمان منتخَب بواسطة الشعب ، سواء كان هذا البرلمان مكوناً من مجلس واحد أو مجلسين ، وأن يكون لهذا البرلمان اختصاصات تشريعية هى سن القوانين ، وأخرى مالية يُقصد بها الموافقة على الميزانية ، واختصاص سياسى هو مراقبة السلطة التنفيذية . ومن الضرورى ثانياً أن يُمثِّل عضو البرلمان الأمة بأسرها ، فالنائب لا يُمثِّل دائرته وحدها ، وإنما يُمثِّل الأمة كلها ، وقد استقرت هذه القاعدة وأصبحت الدساتير الحديثة تُقرها . ومن ثم فإن النائب غير مقيد بأية تعليمات يضعها له ناخبوه ، وهو حر فى إبداء رأيه كما  يشاء . وهكذا يضع النائب هدفاً أساسياً له وهو الصالح العام للدولة حتى لو تعارض ذلك مع صالح دائرته الانتخابية ([11]).

كما لا يكفى للبرلمان أن يكون منتخَباً من الشعب ، بل لابد أن يكون له سلطات فعلية فى التشريع ، وأن يُزاول بعض خصائص السيادة . أما إذا كان البرلمان المنتخَب ذا اختصاصات استشارية ، فان النظام النيابى ينهار؛ لأن الانتخاب Election فى حد ذاته ليس هو المهم ، وإنما المهم هو مدى سيطرة العناصر المنتخَبة على السلطة داخل الدولة ([12]) .

كما أنه يجب أن تكون مدة تمثيل هؤلاء النواب محددة بمدة معينة ؛ لأن انتخاب هؤلاء النواب لو كان مدى الحياة ، فإن فكرة تمثيل الشعب تفقد جوهرها، كما أنه لا يكون ثمة ضمان لعدم استبداد هؤلاء بالسلطة .

3- الديمقراطية شبه المباشرة Semi-Direct Democracy :

وهو نظام أخذ يبرز بالتدريج بعد أن أخذت ببعض مظاهره الولايات المتحدة الأمريكية فى القرن التاسع عشر ، ثم اتسع نظام تطبيقه ، وتزايد الأخذ بمظاهره مع مطلع القرن العشرين ([13]) .

وترجع أهمية الشكل الديمقراطى شبه المباشر إلى توسطه بين الشكلين السابقين ، حيث يؤمن بحق الشعب فى التدخل بصورة مباشرة فى الشئون  العامة ، والتشريع فى ظروف معينة ، فى نفس الوقت الذى ينتخب فيه الشعب برلماناً ينوب عنه . فالنظام شبه المباشر يخوِّل للشعب أو هيئة الناخبين حق المراقبة الكاملة للبرلمان أو المجلس النيابى ، فله حق الاعتراض على القوانين التى يُقرها البرلمان ، كما أنه له الحق فى اقتراح القوانين التى يرغب فيها ، بل إن سلطة الشعب تمتد إلى مراقبة النواب والبرلمان كوحدة ، فمن حق الشعب إقالة النواب قبل انتهاء مدة إنابتهم ، وله أيضاً أن يقترع على حل البرلمان كله قبل انتهاء المدة المقررة لبقائه . وهناك بعض الدساتير التى تُجيز للشعب فى ظروف معينة عزل رئيس الدولة ، فقد أجاز دستور ” فيمار الألمانى ” الصادر عام 1919 عزل رئيس الجمهورية قبل انقضاء مدة رياسته ، وذلك إذا وافق مجلس الريشستاخ على طلب العزل بأغلبية ثلثى الأعضاء ، فإذا تمت هذه الموافقة عُرض الأمر على الشعب لاستفتائه والحصول على موافقته بخصوص عزل رئيس الجمهورية ، أما عدم موافقة الشعب على العزل فهى تعتبر تجديداً لانتخاب رئيس الجمهورية ، وفى الوقت ذاته حلاً للمجلس الريشستاخ ([14])  . وهكذا يصبح الشعب فى النظام الديمقراطى شبه المباشر سلطة رابعة إلى جانب السلطات التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية ([15]) .

ورغم المميزات الكثيرة والواضحة للديمقراطية شبه المباشرة ، إلا أن بعض الانتقادات قد وجهت إليها ، على أساس أن تطبيقها يحتاج إلى وعى وإدراك كبيرين من جانب أفراد الشعب ، لكى يتكون لديهم رأى عام مستنير بشأن القوانين والموضوعات التى تُطرح فى الاستفتاءات الشعبية وغيرها من وسائل الديمقراطية شبه المباشرة . كما أخذ على هذه الديمقراطية أنها تقلل من هيبة المجالس النيابية المنتخَبة ، وتقلص نفوذها ، وتحد من سلطانها .

إلا أنه يمكن الرد على هذه الدعاوى بالقول أنه فى ظل وجود صفوة Elite مثقفة واعية داخل كل مجتمع ضمان معقول لرأى عام مستنير يقود الفئات ذات المستوى الثقافى المتردى إلى الطريق الديمقراطى السليم . أما المأخذ الخاص بتقليل الديمقراطية شبه المباشرة من هيبة المجالس النيابية ، فإنه يمكن الرد عليه بأن الشعب هو صاحب السيادة الحقيقى ، وهو الذى انتخب هذه المجالس ، فمن حقه إذن أن يعود من حين لآخر ليباشر سيادته فى ظل وجود هذه المجالس .

وإذا كانت صورة الديمقراطية شبه المباشرة قد أصابها الكثير من التشويه نتيجة التجاء العديد من الدول حديثة الاستقلال إلى إجراء العديد من الاستفتاءات الصورية والانتخابات المزيفة ، فالحق أن النظام الديمقراطى شبه المباشر يستطيع أن يحقق نتائج ممتازة إذا ما توافرت له الظروف الملائمة والأوضاع المناسبة والثقافة السياسية والاجتماعية المستنيرة لإبداء الرأى فى المسائل التى يُؤخذ رأى الشعب فيها ([16]) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الهوامش

(1) جان جاك روسو : فى العقد الاجتماعى ، ترجمة ذوقان قرقوط ( بيروت : دار القلم ، د . ت ) ص : 118 ، 119 .

(2) أمين حافظ السعدنى : يقظة الأمم ، دراسة فى تطور الفكر القومى وتطبيقاته السياسية ، ط1 ( شبين الكوم: دار الحسين للطباعة والنشر : 2001 ) ص : 172 .

(3) أمين حافظ السعدنى : يقظة الأمم … ، مرجع سابق ، ص : 173 .

(4) لازال مبدأ الديمقراطية المباشرة يقوم إلى الآن فى ثلاثة دويلات سويسرية ، ويمارس الشعب فى هذه الولايات السلطة بنفسه عن طريق الجمعية الشعبية التى تنعقد كل عام لمباشرة الشئون الخاصة بالولاية ، واختيار القضاة والموظفين الذين يتولون وظيفة التنفيذ فى الولاية .

(5) أمين حافظ السعدنى : الأيديولوجيا وشرعية السلطة …، مرجع سابق، ص : 209 .

(6) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد : السياسة بين النظرية والتطبيق ( الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية ، 1999 ) ص : 326 .

(7) بطرس غالى ومحمود خيرى عيسى : المدخل فى علم السياسة ، ط1 ( القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، 1959 ) ص : 653 ، 654 .

(8) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، المرجع السابق ، ص : 327 .

(9) حازم الببلاوى : عن الديمقراطية الليبرالية ، قضايا ومشاكل ، ط1 ( القاهرة : دار  الشروق ، 1993 ) ص : 41 .

(10) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، مرجع سابق ، ص : 328 .

(11) مصطفى أبوزيد فهمى : مبادئ الأنظمة السياسية ، ط 1 ( الإسكندرية : منشأة المعارف، 1984 ) ص: 149 .

(12) أمين حافظ السعدنى : الأيديولوجيا وشرعية السلطة …، مرجع سابق، ص : 211 .

(13) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق ، ص : 330 .

(14) نفس المرجع ، ص : 329 .

(15) أمين حافظ السعدنى : الأيديولوجية وشرعية السلطة ، مرجع سابق ، ص : 213 .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك