معلومات ربما تعرفها لأول مرة عن مالكوم إكس

معلومات ربما تعرفها لأول مرة عن مالكوم إكس – غادة نور الدين

مالكوم إكس أو “مالك الشاباز” (1925 – 1965) رمز للثورة ضد العنصرية والتمييز في أمريكا، تحوّل عن مبدأ العنف إلى اللاعنف بعد رحلة حجّه الشهيرة، رأى فيها بعين قلبه كيف أنّ الإسلام دينُ تسامُحٍ وسلام وتقبُّلٍ للآخر. فعاد إلى أمريكا ينشر الصورة الصحيحة عن الإسلام، وينقد أفكاره السابقة في تبنِّي العنف كمبدأ للمناداة بالحقوق المدنية للسود.

ولد مالكوم إكس بمدينة ديترويت لعائلة كبيرة وعائل فقير، كان لا يزال في السادسة من عمره عام 1931م عندما اغتالت عصابة من العنصريين البيض والده القس بسبب نشاطه السياسي ودعوته إلى تقوية المجتمع الأميركي الأسود. نشأ مالكوم في هذه البيئة فشُحن منذ صغره كرهًا وبغضًا على البيض وكل ما هو أبيض. قامت الرعاية الاجتماعية بعد ذلك بأخذِه من والدته وانتهى به الأمر أن يُشكِّل عصابته الخاصة لسرقة البيوت، حيث اتخذ من “هارفارد سكوير” في بوسطن مقرًا له.

قبض على مالكوم وأودع السجن بأكثر من تهمة، منها السرقة وحيازة أسلحة ناريّة عام 1948م، حيث قضى في السجن ست سنوات ونصفا. وهناك بدأ البحث عن ذاته وانضم إلى جماعة “أمة الإسلام” بقيادة إليجا محمد. وفي السجن قرأ مالكوم مئات الكتب لول ديورانت ونيتشه وكانط، وغيرهم الكثير وقام بنسخ قاموس اللغة الإنجليزية كلمة كلمة لينمي مفرداته الخطابية والكتابية، وسيدخل في مناظرات مع القساوسة والنصارى تكسبه جلدًا وحنكة وخبرة في مخاطبة الناس وإقناعهم. خرج من السجن ليصبح ألمع الوجوه الإعلامية لـ”أمة الإسلام”. وليخرج من أعماق اللاوعي الأميركي الأبيض أسوأ كوابيسه السوداء. زار الجامعات والحدائق والسجون، وأماكن التجمعات لدعوة الناس للإسلام، وأثّر بحلاوة كلامه في الكثيرين فأسلموا على يديه، ومن هؤلاء الملاكم العالمي محمد علي كلاي، وفتحت له قنوات التلفاز أبوابها يعقد المناظرات على الهواء ويدعو لحركته.

ورغم أن “أمة الإسلام” قد منحت مالكوم منبره الأول وإطلالته على العالم، فإن أمله سيخيب في زعيم الجماعة إليجا محمد، بعد اتهام الأخير بتجاوزات سلوكية. كما أن تسليط الأضواء على مالكوم وبزوغه قطبا لا تمل وسائل الإعلام من تلقف تصريحاته الخلافية سيثير حفيظة قياديي “أمة الإسلام” وسيزعج إليجا محمد. ضاقت “أمة الإسلام” بمالكوم وضاق بها، ثم حدثت القطيعة واتجه مالكوم للعمل مستقلا، واعتنق تعاليم الإسلام السني كما يمارس في المشرق العربي بعد رحلة حجه الشهيرة إلى مكة عام 1964م. هذا هو مالكوم إكس إذن، تحول جذري بعد آخر، فبعد أن كان منهمكا بالتشبه بالإنسان الأبيض من خلال تنعيم شعره وتغيير مظهره، تحول إلى عنصري أسود، ثم بعد أن عاد من مكة صار مستعدا للتعامل مع البيض ومؤمنًا بالمساواة بين جميع البشر.

وعلى مر السنوات لم يفقد قلقه الفكري وبحثه الدائم عن أجوبة، ورغم ذلك التجلد الظاهري كانت لديه تلك القابلية للتلمذة والبحث عن الأب الروحي أو القدوة. غير أنّ هذه الأبوات ستخذله وتطارده. وكما نبذه وطارده زعيم عصابته الأول في نيويورك “آرشي” بعد خلاف على لعبة ميسر، سينبذه أستاذه ومُخلّصه إليجا محمد بعد أن سطع نجم مالكوم. “رغم جذرية التحولات وتغيُّر الأسماء، ثَمّة خصائص لم تتغير في شخصية مالكوم، تلك الكاريزما الهائلة والقدرة على التأثير والتنظيم وبناء الجسور مع مختلف القوى والزعامات.” وسواء كان يتحدث بالعامية الدارجة مع مجموعة من المجرمين أو باللغة الراقية لباحث متعمق بالعلوم الإنسانية على شاشة التلفاز، ستجد تلك القدرة الكبيرة على استعمال التعابير الصادمة القادرة على إيصال الفكرة بأكبر زخم ممكن وبصورة تقلب المفاهيم السائدة رأسًا على عقب. إنها “قوة الكلمات” كما كان يسميها. وفي الواقع فإن كثيرا من عباراته وتحليلاته لا زالت تستجلب الاهتمام حتى اليوم. حدثت القطيعة إذن بين مالكوم و”أمة إلإسلام” عام 1964م. في ذلك العام قرر مالكوم أن يتوجه إلى مكة لأداء مناسك الحج ولمحاولة فهم الإسلام بعيدًا عن أفكار إليجا محمد. وحقيقة فهذه الرحلة سيكون لها أثر كبير على مالكوم وعلى تطور الإسلام في أميركا حتى اليوم. فالرحلة التي ابتدأت بصعوبات بيروقراطية وحجزه في المطار إلى حين التيقن من إسلامه، تحولت إلى سلسلة من الاحتفاءات، فيلتقي بالملك فيصل بن عبد العزيز وبالعديد من الشخصيات السعودية والعربية والإسلامية. منهم، على سبيل المثال، الحاج أمين الحسيني مفتي القدس الذي تزامن حجه مع مالكوم (يسميه خطأً مفتي القدس العظيم حسين الأميني في السيرة الذاتية)، استحضر مالكوم الحاج الحسيني كشخص ذي شعر أشقر وعيون زرقاء. وهو أمر ذو مغزى في سعي مالكوم لتقديم نماذج تؤكد كون الإسلام لا يقتصر على عرق أو لون محدد. وهنا يختفي مالكوم الغاضب الحانق، ليظهر مالكوم آخر في غاية التأثر والحساسية، إذ يصف، بانبهار عظيم، التفاصيل الدقيقة للتكريم والحفاوة التي لقيها. تكريم من عرب ومسلمين يؤكد مالكوم أنهم كانوا من البيض. ويا له من تكريم سيكون له أبعد الأثر في نفس مالكوم الذي كان في ذروة أزمته الوجودية، وشعوره بالخذلان والظلم من رفاقه السابقين من السود ومن أميركا البيضاء على حد سواء.

يقول مالكوم في فصل “مكة” من سيرته الذاتية : “كان هناك عشرات الألوف من الحجاج قدموا من كل أنحاء العالم، ومن كل الألوان، من الشقر ذوي العيون الزرقاء إلى الأفريقيين ذوي البشرة السوداء.. ولكننا جميعا كنا نؤدي المناسك نفسها، بروح من الوحدة والأخوة، ما كنت أظن – بحكم خبراتي في أميركا- أنها يمكن أن تنشأ بين البيض وغير البيض”. ويقول أيضا : “إن أميركا في حاجة إلى أن تفهم الإسلام، لأنه هو الدين الوحيد الذي يمكن أن يمحو المشكلة العنصرية من مجتمعها. لقد قابلت في رحلاتي في العالم الإسلامي أُناسا يعدون في أميركا من البيض، وتحدثت معهم، بل أن تناولت الطعام معهم، ولكن النزعة البيضاء محاها من أذهانهم دين الإسلام، وما شهدت سابقا أخوة خالصة وصادقة كتلك الأخوة التي يمارسها الناس هنا من كل جنس بغض النظر عن لون بشرتهم”. لقد غيرت رحلة الحج مفهوم مالكوم عن الإسلام وعن الخلاف بين السود والبيض، وعاد إلى الولايات المتحدة بتصريحات تتبرأ من اعتبار البيض جميعا أشرارا لمجرد كونهم بيضا. هذا التحول وأفعال مالكوم بعدها أعطت المدافعين عنه ذخيرة كافية ضد محاولات موضعته في التاريخ الأميركي كعنصري أسود، وتأبيد الحكم عليه داعية للعنف والحقد الإثني. أكثر ما يثير في فكر مالكوم إكس هو التطور السريع والتجدد والاستفادة من التجارب فهو يقول في رسالة بعثها إلى زوجته أثناء أدائه فريضة الحج: كنت على الدوام رجلًا يحاول مواجهة الحقائق وتقبل واقع الحياة كما تكشف عنه المعارف والخبرات الجديدة. وهو القائل : أنا الآن أعيش زمن الاستشهاد فإذا حدث ومت فإنني سأموت شهيد الأخوة وهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد، لقد وصلت إلى هذه القناعة بعد تجربةٍ شاقة، ولكنني وصلت إليها. لقد أراد مالكوم أن يحقق بموته ما سعى لتحقيقه في حياته يسجل هذه المرة ببرهان الدماء بعدما وصلت الحواس إلى نهاية الطريق، إنّها الحرية التي قال عنها : إذا لم تكن مستعدًّا للموتِ من أجل الحرية؛ فاحذف هذه الكلمة من قاموسك. بست رصاصات غادرة اغتيل مالكوم إكس في إحدى خطبه التي كان يدعو فيها إلى الإسلام، لينال الحرية المطلقة من كل أغلال الدنيا. مالكوم اليوم هو أحد أعمدة تاريخ حركة الحقوق المدنية، مما سمح بإصدار طابع بريدي أميركي يحمل صورته عام 1999م اعترافا بدوره في تحسين أوضاع السود. ومع ذلك يبقى بعض الأميركيين البيض، خاصة من المحافظين، متشككا في مالكوم ورافضا لتقبله رغم كل شيء.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك